الرئيسية / قصة / سلسلة يوميات لاجئ. 1/ حسين كري بري

سلسلة يوميات لاجئ. 1/ حسين كري بري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سلسلة يوميات لاجئ….. قصة قصيرة

اللاجئ رقم واحد

في بلادنا كانوا يطلقون علينا تسمية(أجانب) وتبين من شرارة أعيننا وانفعالاتنا ردة للتسمية. لم نكن نعرف حينها أننا أخوة الأمريكي أو الأوربي بشكل عام فكلانا (أجنبي)

هنا اختلف الأمر…
كل صباح وأنا أستيقظ في الساعات المتفاوتة بعد الظهر(طبعاً) أجد نفسي في حلمٍ، لا أصدق أن استيقظ لأجد نفسي في القرية.
لا أتذكر كم من الجمعة خرجتُ مع الذين لديهم مطالب، أو في أية جمعة كنت أو لم أكن. أغلب الذين خرجوا أراهم Flüchtling .
جلس معي أكثر العقول مما أنا جلستُ مع البشر، لن أحدثكم عنهم لأسباب تتعلق بنفسيتهم المتدمرة  سواء بسبب البعد أو الرغبة أو الشوق أو الفقدان، فمن منا لم يفقد أو يبتعد أو يُبعد.
أتذكر (دلو) كان أكثر ذكاء مننا وأكثر خوفاً في الظهور ، سجائره وقهوته وشايه في وحدته  كان المؤنث الأقرب لديه، بالرغم من تمسكه بقضيته “سياسة المستقبل وسبب الأزمة وماذا سيحل غداً”
كان الأسرع في تسخين الجبنة مع الخبز وإحضار الشاي .
الظريف في الموضوع شعره الأبيض وصغر عمره وضحكته التي تغير مسار تفكيرنا المظلم.
كان خائفاً على سكنهِ وبقاءه على الأغلبِ ، فمنذ أن وعد ” أبو شيرو”  الذي طالما نستيقظ مبكراً بسبب آلة سجائره ونسيانه في أن يسد الباب خلفه، لأبو سليم بأن يتكلم وأخيراً مع القاضي ليسرع في معاملة الإقامة هنا، كان “دلو” يرشي صاحبنا “ابو شيرو” بكأسة شاي كي يجلب له الإقامة أيضاً بعد الأولى.
أما أنا – مع تنهيد  وزفير- أعلم ما حل بي ، كشخصٍ مسرطن ينام ليفيق بكذبة أصيب بها فَيحلم بواقعه ،وبعد الاستيقاظ بعشرة ثوان هادئة تعود الحالة الميؤوسة منها.
– لستُ على ما يرام. استيقظ أرجوك، أبو شيرو…. – وبسرعة الصاعقة و بجسده الثقيل يرفع رأسه للأمام دون أن يحرك رمشه ، ما بك؟َ
– لا أعلم هناك دم في حلقي ، أرجوك
– دم ، لا يوجد شيء يستحضر كل هذا الخوف… يتسطح بعد أن أتعبه ثقل جسده ونعاسه، وربما كان نائماً وهو يتكلم معي.
لم أتوقف عن التفكير ، الساعة قرابة 2:34 AM  حملتُ ” الكلينكس” الملطخ بالدم وذهبت ابحثُ عن ” سيكو ريتي”
أظن “دلو “يفكر في نفسه  الآن وهو يشاهدني ، لا اتذكر شيئاً كهذا- مع إشارات التعجب ولماذا-
هذه الحادثة كانت قبل حضورك يا ” دلو” ولكنها متعلقة كغيمة على وشك أن تغمر سطح الرأس بالفيضانات لمجرد التفكير .
أنظروا أنا مريض ، أتكلم باللغة التركية لحارس الأمن التركي يترجم للألمان،
– دعني أرى …..
بات الخوف يظهر تصاعدياً ويترجم.
–  Er ist krank mit TB
نظرات التعجب والاستفهامات واضحة على وجوه الحراس ، قد شاهدوا الدم بعد أن أشعلوا ” البيل”
وأخذت الفتاة تتصل بالإسعاف وطلبوا مني الرجوع إلى الغرفة بعد أن أعطيتهم بطاقة مكتوبة عليها اسمي وصورتي .
بعد عشر دقائق تأتي السيارة،
الكثير من اللاجئين موجودون بالقرب من غرفتي يتساءلون أيضاً ماذا حصل؟!
بعد بضع دقائق من الكلام دخلوني السيارة وجلستُ وبدأوا بالأسئلة الغريبة باللغة الإنكليزية ،
وضعوا الكمام على فمي ،
طلبت منهم مترجم عربي أو كردي أو تركي،
فالإنكليزية ضعيفة كما الألمانية لدي :
– هل كنت مع أحد وهو يعطس  دماً؟
– هل ضربك أحداً في خاصرتك؟
– هل شاهدت أحداً مريضاً؟
– منذ متى وأنت تنزف ….؟
وغيرها لم أعد أتذكر
أشرح لهم بلغة الإشارة وبعض المفردات الإنكليزية والألمانية.
السيارة تقودني إلى المشفى وأنا متردد في أن أتصل بأقربائي أم لا ، هل أفتح  what Sapp وأراسل صديقتي ؟
أشعر ببرد شديد ، وعرق يغطي وجهي وصدري .
-أنها علامات المرض ، يناقشني الفكر اللعين.
توقفت السيارة،
استقبلني خمسة أو ستة أشخاص ، ثيابهم لم أعد أتذكرها ، أشارت إحدى الممرضات بأصبعها ، كي اتسطح على التخت ،
استحضرني دوار خفيف نظرات ذاك الدكتور الذي كان يتحدث معي في السيارة وهو يشرح للدكتور
الآخر وينظر ويؤشر علي .
الساعة قرابة 3:35 AM
جاءت الممرضة لتسحب مني الدم، ووضعت كمامة جديدة وبدأت هي أيضاً الأسئلة المزعجة .
جاء الآخر ليعلق ” السيروم”
في غضون خمس دقائق ظل جسدي الميت وحده
فكرت أن أفتش What Sapp  لأرى مَن من أقربائي في ألمانيا مستيقظ في هذا الوقت ،
أبنة عمي ” سيرو” متصلة !
راسلتها،
– سيرو قبان ضروري اتصل بي،
– سيرو
وبسرعة تتصل مكالمة ، احسست بارتعابها .
– كييف…. قاطعتها بشدة،
– سيرو أخبري والدك وعمي ، أنني موجود في المشفى وحالتي حرجة ولكن أمانة لا تخبروا والديّ ،
– ما بك؟
وفي تلك اللحظة يدخل الدكتور ، تخيّل لي كالمسرحية في المشهد الأخير يظهر جميع الممثلين للانحناء لإنهاء المشهد.
طلبت من سيرو أن تفهم منه، أعطيته الموبايل ( Deutsch, deutsch) فهم مني وبدأ بالتحدث .
سيرو تتقن الالمانية بشكل ممتاز فهي تساعد بالترجمة في الكنيسة القريبة من منزلهم .
استمرت المكالمة بعضاً من الوقت فيعطني الموبايل ،
– حسين ، الدكتور اخذ رقمي سيتصل بي أن حدث أية مضاعفات،  لا تخاف .
(لا اخاف)
طلبت مني أن لا أخاف،  كيف لا أخاف وهي تدل على شيء مؤكد ،
أرتجف برداً و أرتجف
دخلت الممرضة،
صرتُ أردد
– kalt,  kalt
قامت بتشغيل المكيف ، وأنا أغطي صدري ويدي بالجاكيت الخاص بي وارتجف،.

لا أتذكر كم مرة قمت بالدعاء .
أفكر بوالديّ أكثر من أن أفكر بمصيري المنتهي،
صرتُ أتخيل القمح والنور الساطع ونسمات هواء خفيفة ورائحة طيبة تضرب أنفاسي ، كما آخر مشهد لبطلٍ يموت  ويرى النور  – تخيلتها قسراً-
أيقظني يداً ثقيلاً تنزح الكمامة عن فمي،  كانت الدكتورة :
Go
– what?
ابتسمت بالرغم أنني جعلت نسبة التوتر والقلق يعبأ المكان في هذا الصباح ،
قامت بفك “السيروم” وأعطتني أوراقاً لم أفهمها إلا مؤخراً وكانت التحاليل…
Go Home
– home,  home
– yes,  yes.  وابتسمت
ما حصل لي من شعور حينها كما الولادة الأولى،
أخذتُ بالمشي مسرعاً باتجاه القطار، كان الصباح جميلاً كصباحات قريتي، والبشر يبدؤون بالذهاب إلى العمل من خلال القطارات، ولكن….  كانوا ينظرون إلى بتعجب وابتسامات غريبة، ربما كان شعري أو صوتي الخشن وأنا أغني وربما كان(الشورت) في هذا الجو القارس ……
لم أهتم
ابتسمت  وأكملت الغناء.

 

 

 

 

حسين كري بري

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رواية ” المطلقة ” لجميل السلحوت: احتفاء بالرواية أم بالكاتب؟! / بقلم: شاكر فريد حسن 

رواية ” المطلقة ” لجميل السلحوت: احتفاء بالرواية أم بالكاتب؟! بقلم: شاكر ...

حبيب الروح/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

حبيب الروح بقلم: عصمت شاهين دوسكي ـــــــــــــــــــــــــ حبيب الروح .. يا نسمة ...

مع الشاعرة السورية ريما محفوض/ أجرى الحوار: نصر محمد

حوار مع الشاعرة السورية ريما محفوض أجرى الحوار: نصر محمد ـــــــــــــــــــــ في ...

في جموحك القد ممشوق وضاع/ بقلم: محمود العياط

في جموحك القد ممشوق وضاع/ بقلم: محمود العياط ـــــــــــــــــ العشب يجرى ويطير ...

أيائل عيناك…/بقلم: خالد ديريك وجودي قصي أتاسي

أيائل عيناك… بقلم: خالد ديريك وجودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــ خالد: يبدأ توقيت ...

 تأملات شاعر في قصيدة (رسالة إليّ) للشاعرة أميمة يوسف/ بقلم: محمد العياف العموش

 تأملات شاعر في قصيدة (رسالة إليّ) للشاعرة أميمة يوسف بقلم: محمد العياف ...

 دروب العقل/ بقلم: علي موللا نعسان

 دروب العقل/ بقلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــــــــ حاسَ القلوبَ دموعٌ صبَّها البشرُ ...

المواطن الرقمي/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

المواطن الرقمي بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ــــــــــــــــــ من هو المواطن الرقمي ...