الرئيسية / إبداعات / أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة 8/مادونا عسكر

أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة 8/مادونا عسكر

 

أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة

ذات (3)

جدليّة الكينونة والعدم في ذات أنسي الحاج.

من العدم نأتي وإليه نرتحل، كذا تعبّر اللّغة الأنسيّة عن ذاتها، وهي تتأمّل الحياة والموت والذّات. وإذا كان العدم يعني اصطلاحاً ما هو ضدّ الوجود، فبالنّسبة لأنسي الحاج هو “العدم المحرّر، مكان تُسمع فيه الرّوح أكثر”. ما يعني أنّه وجود من نوع آخر. ولمّا كان عدماً محرّراً فهو ذو قيمة ومعنى عميق، بل هو المفهوم الأوسع للحرّيّة.

انفتح الباب من تلقائه، أطلّ ظرف الرّسالة من العدم، وانغلق الباب، بدون تدخّل أحد.” (1). في هذه الجملة تتجلّى جدليّة الكينونة والعدم عند أنسي الحاج، لنفهم من خلالها أن الكينونة قادمة لا إراديّاً من العدم محمّلة برسالة خاصّة. وتحضر هذه الكينونة في الوجود، كأنّ بصلتها تنقطع عن العدم لتدخل في حركة وجوديّة رساليّة دون أن يتدخّل أحد في صناعتها.

إذا كانت لفظة (انفتح الباب) ترمز إلى الانطلاق نحو الوجود و(انغلاق الباب) يرمز إلى الانقطاع عن العدم، ستظهر بين المرحلتين حكاية الوجود والاختبار الإنساني، ومراحل الحياة المتعدّدة والمتنوّعة والمتأرجحة بين الفرح والحزن والقسوة والخيبة والأمل… “لممت المغلّف وأفرغته: نزلت منه مسبحة خضراء حمراء صفراء زرقاء بيضاء كشمس الكلام، وفرطتُ حبّاتها بلا حساب، حبّة صادحة وحبّة صارخة، حبّة للتّراب وحبّة للزّوابع، فرط من يوهم النّفس بأنّه لن ينتهي أبداً من هذه اللّعبة”. (2).  المسبحة، الخرزات المنظومة في خيط والّتي يعدّ فيها المصلّي مرّات التّسبيح، يستخدمها أنسي في الدّلالة على منظومة الحياة الّتي تتعدّد مراحلها (مسبحة خضراء حمراء صفراء زرقاء بيضاء كشمس الكلام) ويمنحها طابعاً قدسيّاً نسبة للفظة (مسبحة). لكنّه يثور عليها ويكسر تقليديّة المنظومة (وفرطتُ حبّاتها بلا حساب)، ولا يحسب لها حساباً، ليس من باب الإهمال أو الاستهتار، وإنّما من باب الثّورة والتّحرّر من التّقليديّ.

وفي ذات الوقت يحدّثنا أنسي عن تمسّك الإنسان بالخلود؛ لأنّه يسهب بالغوص في الكينونة الإنسانيّة ولا يعد نفسه بنهاية (فرط من يوهم النّفس بأنّه لن ينتهي أبداً من هذه اللّعبة). إلّا أنّه بحسب أنسي خلود واهم، فلكلّ شيء نهاية. “ليس بمثل زخم البدايات غير زخم النّهايات. في الأوّل هجوم العيون المغمضة… وفي الأخير ذهول ارتداد العيون المنفتحة.” (3)

عاند أنسي الحاج الحياة، وقاومها، وثار عليها، وصدح قلمه في ثناياها، ودوّى صمته في كينونتها، واستمرّ بقوّة وإن على سرير الموت. “ولم أنظر ما فرطتُ، لأنّ من يعدُّ خُطاه لا يعود يمشي”. (4)

————

(1) (2) (4) كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 63

(3) كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 61.

 

 

 

 

 

مادونا عسكر/لبنان

شاعرة, ناقدة

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نحو حب غير مشروط / بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

نحو حب غير مشروط بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ــــــــــــــ يبدأ الحب ...

دون جدوى/ بقلم: نرجس الشجيري

دون جدوى/ بقلم: نرجس الشجيري  ـــــــــــــــــــــــــــــ أكرر الطريق أحلامي غضة كجنح فراشة ...

أنفاسي المتعبات/ بقلم: جودي قصي أتاسي

أنفاسي المتعبات/ بقلم: جودي قصي أتاسي ــــــــــــــــــــــ رجل، أشعل فتيل الحلم، بيّ ...

صدور ديوان (ضحكات قابلة للنقاش) للشاعرة نادية محمد

صدور ديوان (ضحكات قابلة للنقاش) للشاعرة نادية محمد ــــــــــــــــــــــــ صدر ديوان (ضحكات ...

كفة الميزان/ بقلم: ربى محمود بدر

كفة الميزان/ بقلم: ربى محمود بدر ـــــــــــــــــــــــ تتعانق الحروف والكلمات وينثر القلم ...

حوار مع الشاعر الكردي السوري فرهاد دريعي/ أجرى الحوار: نصر محمد

حوار مع الشاعر الكردي السوري فرهاد دريعي أجرى الحوار: نصر محمد ـــــــــــــــــــــ ...

خريف…/ بقلم: رحال عبد الجليل

خريف…/ بقلم: رحال عبد الجليل ـــــــــــــــــــــ عندما تنسج كِيمْياء الرّوح  خُيوطها فِي ...

ليلة هلع عند ناهد/ بقلم:عبد القهار الحجاري

ليلة هلع عند ناهد بقلم:عبد القهار الحجاري ـــــــــــــــــــــــ لم أدر ماذا حدث ...