الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / إنتاج التخلف/جوتيار تمر

إنتاج التخلف/جوتيار تمر

 

 

إنتاج التخلف

تكرار التجارب السابقة والتي حُكم عليها بالفشل ليس بأمر هين خاصة في مجتمعات تعتمد في الأصل على آلية التقليد في أغلب الأصعدة المتحكمة بآلة التدوير الحياتي فيها، وهذا ليس منطقاً مبتكراً بقدر ما هو منطق مفروض لظروف متنوعة يرجعها أبناء المجتمعات تلك إلى التسلط وعدم |إعطاء الحريات واختفاء روح الاستقلال، وعلى الرغم من أن الأمر من وجهة نظري تبريري أكثر ما هو منطقي لكون الشعوب الواقعة في ظروف أقسى من تلك نهضت بصورة فعالة خلال نصف الفترة التي استوعبتها هذه المجتمعات، فأنها لم تزل تتقيد بتلك الأفكار التقليدية البليدة.
وعلى هذا الأساس نحاول رصد بعض الظروف المتمكنة في عقلية أفراد هذه المجتمعات، من ساسة ومفكرين ومثقفين واقتصاديين وعسكريين ورجال دين ولاهوت،، الذين يرون في كل فعل خارج عن إطار رؤيتهم، مبرمج وصادر على أساس نظرية المؤامرة التي تعد من أشد الآفات فتكاً بهؤلاء ، وهذا ما يدفعهم دائماً للتبرير عن قصرهم وتقصيرهم بالماضي وعقدة الاضطهاد والأنظمة الفاسدة التي حكمت أغلب هذه المجتمعات ولكنهم مع ذلك يتناسون عمداً أن عجلة الحياة لا تتوقف عند حدود مأساة أو مصيبة أو كارثة، أنما تستمد قوتها من عقلية الاستمرارية والبقاء ضمن إطار تجددي واع، وماعدا ذلك لا يمكن إلا أن ينتج التخلف ويغرس جذوره في الاجتماع، وبهذا يكون المجتمع ذا إطار مرصع ومزهر،، لكنه من الداخل متخلف جذرياً، وتؤثر الصفة التخلفية هذه على كل الأصعدة الحياتية سواء أكانت سياسية لاسيما تلك المواقف السياسية التي لا تصمد أمام التحديات الخارجية لأنها في الأصل مواقف انفعالية غير واعية بتقنية المصالح الدولية والإقليمية من جهة، وبالإمكانيات المتوفرة بعيداً عن التباهي والتناحر والشعارات والأقوال البعيدة عن الأفعال من جهة أخرى.
أما على الصعيد الاقتصادي يبرز واقع الحال بصورة مشعة ظاهراً، حيث رؤوس الأموال متوفر لكنها غير منتجة أنما اتكالية على إنتاج الغير، فكل المقدرات الإنتاجية نجدها تعمل بتقنية الشراكة، سواء من السلطة أم من الطبقة البرجوازية المتحكمة بالسوق والسلع مع واجهات لشركات خارجية أجنبية تحفر على أرضية خصبة لتناميها الثنائي المادي والتوغل في صميم حياة تلك المجتمعات بدوافع أخرى مبطنة وظاهرة في آن واحد، وحتى في المجال العمراني والأيدي العاملة لا توظف تلك الأموال إلا من خلال تقنيات خارجية،، وذلك ما يؤثر في الإجمال على الميزان الديموغرافي أيضاً وذلك من خلال جذب الأيدي العاملة بصورة كبيرة، وهذا ما يبرز سمة الاتكالية على القوى الخارجية بحيث أن اختيار الأنماط الإنتاجية هذه لا تتناسب مع الإمكانات العقلية والعضلية والإنتاجية الداخلية فتغرس استراتيجية تلك القوى في الداخل، وهذا بالضبط ما يؤدي الى الاعتقاد بأن هذه الأنماط الانتاجية إنما تعتمد على قوة عمل وفيرة وليس على وسائل الإنتاج ونوعيته، فتخلق سمة أخرى في العمل الاقتصادي الداخلي وهي الكمية البعيدة عن النوعية، ولعل ذلك يعد أيضاً من أهم الآفات التي تنهش بجسد المجتمع داخلياً وخارجياً، ومن الناحية الاجتماعية نلامس تفسخاً واضحاً في البنى الاجتماعية التي انسلخت من جلدها وانغمست في دوامة التحديث المقلد بعيداً عن الاستيعاب التدريجي للعملية التحديثية الواعية من جهة، ومعرفة ضرورة التدريج التحديثي من جهة أخرى، فتكون الحصيلة الاجمالية زيادة إنتاج التخلف من خلال شباب لا يمكنه تحمل أعباء المرحلة ولا المساهمة في العملية البنائية لكونه في الأصل شباب مقلد مشترك في العملية التحديثية من خلال آلية الاستعمال فقط وثقافة التقليد اللاوعي، وليس لكونه مساهم في التأسيس والانتاج، لأنه حصيلة انتاج التخلف السابق الذكر في المجالات والأصعدة الأخرى.
كما على هذه الأصعدة المذكورة نلامس انتاجاً تخلفياً واضحاً فأننا يمكننا أن نقارنها بأغلب الأصعدة الحياتية الأخرى المذكورة سابقاً، والتي تكون في النهاية تحصيل حاصل للعمليات المقننة السابقة وأقول المقننة لأنها تقنن وتشرع قبل أن تعلن من الجهات المعنية في هذه المجتمعات، حتى الجهات الدينية واللاهوتية أنما هي في مجتمعاتنا عجلة تدور ضمن إطار غير بناء وغير مثمر بل هي أداة أخرى لإنتاج التخلف سواء من خلال ممارساتها اللاعقلانية البعيدة عن صميم الإيمان بما هي تنادي به، وهذا ما يتضح من المواقف الغير مستقرة والاضطرابات التي تخلفها وراء بعض المفاهيم والتأويلات الغير منطقية والتي افرزت أحداث وصور لا تتناسب والعقائد التي تدعوا اليها.
وأجمالاً فان إشكالية هذه المجتمعات لا تتوقف عند التخلف والابتعاد عن المضمار التجديدي الواعي فحسب بل أصبحت هي مصنع إنتاجي واضح للتخلف نفسه، وذلك ما يجعلنا نعيش دوامة الحياة عبر سلسلة من التقلبات والتغييرات واللا استقرار على جميع الأصعدة.

 

 

 

 

جوتيار تمر/ كوردستان

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وقفة مع نص “عذراء الحروف” للشاعرة نبيلة متوج/ بقلم: شاكر فريد حسن

وقفة مع نص “عذراء الحروف” للشاعرة السورية نبيلة متوج بقلم: شاكر فريد ...

حلم رغم أكاذيب المساء/ بقلم: زياد جيوسي

حلم رغم أكاذيب المساء بقلم: زياد جيوسي ــــــــــــــــــــــــــــــ     حين تكرم القاص ...

قديستي…. تطلقُ حمائمها / بقلم: مرام عطية

قديستي…. تطلقُ حمائمها / بقلم: مرام عطية ————————— أمِّي، لا ترحلي الآنَ ...

ظلال الياسمين / بقلم: عبد الباسط الصمدي أبو أميمة

  ظلال الياسمين / بقلم: عبد الباسط الصمدي أبو أميمة ــــــــــــــــــــ أنا ...

لا أعرف ماذا رأيت/ بقلم: زهرة الطاهري

لا أعرف ماذا رأيت/ بقلم: زهرة الطاهري ــــــــــــــــــ لا أعرف ماذا رأيت ...

هداهد الزمن الجديب/ بقلم: سالم الياس مدالو

هداهد الزمن الجديب بقلم: سالم الياس مدالو ــــــــــــــــــ من  من يصغي لصوتي ...

شارع مظلم/ بقلم: أحمد سلايطة

شارع مظلم/ بقلم: أحمد سلايطة ــــــــــــــــــ   في شارع مظلم وخيالًا على ...

أوراق شتاء/بقلم: عصمت شاهين دوسكي

أوراق شتاء بقلم: عصمت شاهين دوسكي ـــــــــــــــــ شتاء وصخور وأشجار عارية تجردت ...