الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / جمالية الاختراق الاجتماعي في “شذرات ناعمة” للقاص فلاح العيساوي/محمد يوب

جمالية الاختراق الاجتماعي في “شذرات ناعمة” للقاص فلاح العيساوي/محمد يوب

 

إن الالتفاف الذي سأقوم به في هذه الدراسة النقدية نحو القصة القصيرة جدا بالشقيقة العراق وبالتحديد نحو قاص مائز هو (فلاح العيساوي) له أكثر من مغزى ودلالة وأهمها أن القصة القصيرة جدا كانت لها الريادة والسبق في العراق في ثلاثينيات القرن الماضي مع القاص (نوئيل رسام) الذي نشر نصوصا قصصية قصيرة جدا سنة 1930على صفحات جريدتي البلاد والزمان البغداديتين؛ وأول من استخدم مصطلح القصة القصيرة جدا هو القاص العراقي (إبراهيم أحمد) عندما كتب عام 1973خمس قصص قصيرة جدا وضعها في ملف بنفس العنوان.

ولهذا كان ولابد أن يكون لهذه الريادة الأثر في الأجيال اللاحقة ومنهم القاص (فلاح العيساوي) الذي يشق طريقه بتؤدة في مجال السرد القصصي القصير جدا وتحديدا من خلال منجزه المعنون بــ( شذرات ناعمة). وقبل أن نرفع أشرعتنا للإبحار في عالم فلاح العيساوي التخييلي؛ لابد لنا من أن نعرج قليلا لنعرف بالقصة القصيرة جدا؛ فهي شكل من أشكال التعبير فرضتها ظروف العصر السوسيثقافية؛ وفلسفة ما بعد الحداثة وتشظي المجتمعات وعبثية الأشخاص.

ولعل الظروف التي تعيشها العراق من خراب ودمار ممنهج؛ كان حاضرا في هذه المجموعة القصصية؛ وكان الشكل القصصي القصير جدا هو الذي يناسب هذه الحالة الصعبة والحرجة من تاريخ العراق العريق؛ لأن القاص لا يملك الوقت الكافي للاسترسال في السرد القصصي الطويل؛ بل إن فرصته ضئيلة لتتبع الأحداث اللحظية الحرجة التي يمر بها الإنسان العراقي؛ فكان لابد من اختيار السرد القصصي القصير جدا وسيلة ناجحة ناجعة لنقل هذا الواقع وتتبع تفاصيله بدقة متناهية؛ فيها المضمر النصي والتاريخي والاجتماعي…( جلستْ أمامَ القاضي، بروحٍ عارية، وأحشاءٍ ممزّقةٍ، دموعُ عينيها ينبوعٌ دافقٌ، تلكَ الوحوشُ تقبعُ خلفَ القضبان، تظهرُ النّدمَ الزّائِفَ، وتنظرُ إلى فريستِها ولعابُها يسيلُ…) مما يجعل من هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا شاهدا حيا على تاريخ مضطرب؛ تدخلت أياد كثيرة في افتعال هذا الاضطراب.

فبالرغم من التبعثر والتشظي الذي يعرفه المجتمع العراقي فقد استطاع القاص في هذه الشذرات تجميع التبعثر وتنسيق التناقض الظاهر في المجتمع؛ كما استطاع تشكيل الأحداث المعيشة والمبعثرة في وحدة النص القصصي القصير جدا؛ الذي باستطاعته لم شتات العالم من منظور تخييلي. ولعل الوسيلة التي تتبعها القاص لنقل الواقع المتخيل هو قدرته على الاختراق السوسيولوجي عبر رمزية الاستبطان؛ حيث يتحول السرد القصصي القصير جدا الى آلية فنية تستبطن أعماق الشخصيات وهي تتحرك في محيطها الاجتماعي وعوالمه المتغيرة على مدار الساعة (ظروفُ العملِ أخّرتْهُ ليلاً، عادَ مرهقَ الأعصابِ والأعضاء، عندَ باحةِ الدّار كانتْ تنتظرهُ مع بركان الغضبِ المستعِر، استقبلتْهُ بالأحضان، راحتْ تشمّهُ عِطراً عسى أن تجدَ ضالتَها المفقودة، شاهدتْ مسحوقاً ورديَّ الّلون، انفجرتْ وفجّرتْهُ، أصبحتْ يدُهُ ضحيّةَ الزّجاجِ).

فالقاص هنا ومن خلال البناء الفني ولعبة السرد المتلاحم استطاع أن يخترق عالما معقدا مادته الأساسية الإنسان؛ هذا الكائن الغريب الذي لا يُؤتمن حاله؛ يغير جلده من حين لآخر بحسب ما يُقدم له من مغريات؛ وهذا الاختراق أعطى للقصة دلالات متعددة بفعل التخييل الذي ينفتح على التعدد الدلالي. وفي الأخير نقول بأن شذرات ناعمة فيها وعي حقيقي بلعبة السرد القصصي القصير جدا، سرد يجمع بين الإحساس الجميل والمعرفة العميقة، بلغة مخاتلة تستدرج القارئ الى عالمها التخييلي وتورطه في تأثيث فضاءاتها، كما أن القاص استطاع توزيع سواد النص على بياض الورقة معتمدا في ذلك على علامات الترقيم التي لم تُستخدم اعتباطا وإنما جاءت لتخدم النص وتسهل عملية القراءة في حدود ما تستدعيه وتتطلبه ذائقة القارئ.

ومن هنا يمكننا الحديث عن قدرة القارئ على اعادة انتاج النصوص بحسب ما يتوفر عليه من حمولة فكرية وايديولوجية.وهذا يؤكد حقيقة هذه النصوص التي لم يكتبها القاص اعتباطا وإنما كتبها لإيصال رسالة معينة او رسائل من شأنها استدراج القارئ وتوجيهه الوجهة التي يقصدها القاص. وهي مقصدية مشروعة لأننا لا يمكننا الحديث عن عمل أدبي دون مقصدية هي غايته وهي هدفه للخروج إلى الوجود.

محمد يوب ناقد أدبي/المغرب

عن wahaalfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لقاء مع الشاعر الحروفي أديب كمال الدين حاوره علي جبار عطية

    الشاعر الحروفي أديب كمال الدين في حوار خاص : * ...

تهديم التابوات قراءة في رواية ( تحت التنقيح ) أحمد طه حاجو

التنقيح هو تشذيب وتعديل ومراجعة للنص الأدبي كي يخرج بصورته النهائية والتي ...

جِلْنَارُ الموَاسِمِ/ كريمة نور عيساوي

  جِلْنَارُ الموَاسِمِ فيِ هَذا المسَاءِ اللاَّزُورْدِيِّ… وَأَمامَ الشَّارعِ، المُقابِلِ لِناصِيَةِ الحُلْمِ… ...

من وصايا العاشق / نمر سعدي

  من وصايا العاشق موسيقا تقطِّرُ لي هواءً عمرُهُ عمرُ النجومِ تنفَّستهُ ...

انتخاب الصورة الواقعية وقصدية الاشتغال على منطقة التحريض في قصيدة * السماءُ لمْ تَزل زرقاء * للشاعر العراقي شلال عنوز   سعدي عبد الكريم / ناقد وسينارست   *دراسة نقدية*  

  انتخاب الصورة الواقعية وقصدية الاشتغال على منطقة التحريض في قصيدة * ...

صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر رسولا للإنسانية

  صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر  رسولا للإنسانية   إن ...

تشمر عن ذراعيها لزرع شتول الرحمة وعلم الجمال/ فوزي محيدلي

    *تشمر عن ذراعيها لزرع شتول الرحمة وعلم الجمال* هي بطيبة ...

قــراءة فـي كتــاب ستـــارة زرقــاء شفــافة ( نصــوص مســرحــية ) للــكاتبة العراقية  أطـــياف رشــيد مسرحيات توحدت بالهم العراقي * احمــد طــه حاجــو

    قــراءة فـي كتــاب ستـــارة زرقــاء شفــافة ( نصــوص مســرحــية ) ...