الرئيسية / قصة / السماء تسقط على بغداد… / سعيد كفايتي .

السماء تسقط على بغداد… / سعيد كفايتي .

 

 

 

 

حين أطل “عزيز” من نافذة الغرفة الكائنة بباريس الرابعة عشر كان الراديو يهلل بانتصار الحلفاء على العراق، وكانت زخات المطر قد بدأت تتساقط بانتظام، وكان الناس الأنيقون قد فتحوا مظلاتهم وانكمشوا في معاطفهم وأسرعوا في الخطو. أما النساء المسنات فغطين رؤوسهن الصغيرة بوشاح جلدي، واحتضنَّ كلابهن الصغيرة والهشة، وكشرن عن أنيابهن متذمرات من تقلبات المناخ.

كانت هذه الصور العادية تسلي فيما مضى عزيزا، وتلهمه بإعداد مشاهد مسرحية ساخرة، خاصة وأنه يمتلك حسب شهادة الكثير من زملائه مواهب عظيمة في فن التمثيل والارتجال. وكان الجمهور يتألف عادة من صديقته “ماري” التي تسترسل في ضحك صاخب ثم تشحذ بعد ذلك ذاكرتها لمحاكاة فرنسية عرب باربيس. ورغم أنها لم تكن بارعة في محاكاتها لهم فإنه كان ينفجر ضاحكا، ويبدي لها، بعد هنيهة من التفكير، اندهاشه بكفاءتها وينصحها ساخرا بأن تلتحق فورا بإحدى المسارح الباريسية الكبرى فتستغرق “ماري” ثانية في الضحك.

في هذا المساء أشياء كثيرة تغيرت، نشرة الأخبار المتواصلة من إذاعة فرانس آنفو تُبثُّ كل ربع ساعة (الحلفاء يشنُّون هجوما ناجحا على مواقع عسكرية في بغداد…السماء تسقط على بغداد…الصواريخ الأمريكية تُدمِّر خطأ مخبأ العامرية والحصيلة مئات من الضحايا المدنيّين…). يطلُّ ثانية من النافذة، ويديم النظر إلى العابرين كأنه يتأهب لاقتناصهم. لأول مرة منذ استقراره بباريس يحس أن حاجزا عظيما يفصله عن هؤلاء، ويتبين له أيضا أن كلامهم المعسول لا يعدو أن يكون خبثا متقن الصنع. ويتساءل: هل كان من الضروري أن تقع هذه الحرب ليكتشف هذا السر؟

كان يسمع بين الفترة والأخرى أنباء قتل بعض المهاجرين العرب فيستصغر هذه الأحداث ولا يعيرها أي اهتمام. وحين تتهمه “ماري” بأنه مجحف في حق وطنه وتنبهه إلى أن هناك من الفرنسيين من يريد استئصال الأجانب، يدارى امتعاضه بضحكة بلهاء، ويتوسل إليها بأن تُغيِّر الموضوع؛ ربما لكي يبعد عن نفسه شبهة الانتماء إلى بلدان ماوراء البحر.

الآن أشياء كثيرة تغيرت، ورغم أنه يبذل جهودا جبارة لكي ينظر إلى الأشياء والناس المحيطين به بموضوعية فإنه قلَّما يفلح في ذلك، ويؤذي بانتقاداته الجارحة “ماري” نفسها، خاصة عندما يتابعان معا نشرة الأخبار المسائية، فتنسحب من الغرفة وتتجه نحو البالكون وهي تردد بانفعال واضح: Je ne suis pas la France.  أما إذا كان مزاجها رائقا فترد له الصاع صاعين.

في هذا المساء الشتائي البارد كان “عزيز”، وحيدا في الغرفة. أطفأ الراديو وحاول أن يقرأ أي شيء فلم تسعفه عيناه، لأن الحروف فقدت انضباطها وتفرقت شيعا وأضحت دون معنى. حاول أن يكتب رسالة إلى أهله فعجز عن صياغة كلمة واحدة. انتابه ضيق شديد. وحين عنَّ له أن يخرج للترويح عن النفس استحسن فورا هذه الفكرة، فشلح المنامة، وارتدى ملابسه على عجل، وخرج. وربما بدافع العادة ساقته قدماه دون تخطيط مسبق إلى “سوبر مارشي” الذي كان آهلا بالزبناء الذين يسحبون عربات ملأى بالجبن واللحم والحلوى وقطع الشكولاكة. كان منظره غربيا وهو يجرُّ عربة ويمد يده من حين لآخر بين الرفوف لانتقاء بعض الأشياء…تمنى لو كانت ماري إلى جانبه الآن ليصبّ عليها جام غضبه أو يبثّ إليها بعض تخوفاته وأحزانه أو على الأقل لكي يشعر في حضرتها ببعض الاطمئنان. وتمنى لو أن الحرب لم تقع. وتمنى أيضا لو أن الأقدار لم تقذف به في هذا البلد السعيد.                                                                                                     \

سيطر عليه إحساس بأنه عارٍ، وبأن مئات الأعين الشبقة تراقبه دون كللٍ، وتزاحمت في رأسه صور الحرب الدامية، وخُيِّل إليه أنه يسمع دوِيَّ المدافع وقصف الطائرات، وتراءت له بغداد مغموسة في الدم، وتعالت إلى أذنيه صرخات الأطفال المبحوحة ونداءاتهم الباكية. كان يتلهف إلى مؤازرتهم، غير أن أفكارا غامضة كانت تتضارب في ذهنه المتعب، لم تتضح إلا حين انتبه فجأة إلى العربة التي كان يحشوها بما لذ وطاب من الخيرات، وحين رأى مندهشا الآلاف من الأعين الحزينة وقد ارتسمت عليها علامات الاستنكار. ورغم أنه حاول أن يبرئ موقفه فإن أصوات الاحتجاج المنبعثة من كل مكان كانت تتزايد وتتضاعف. لا يدري بالضبط كم دام ذلك الكابوس، لكنه يعرف أن وقعه على نفسه كان عظيما. اغرورقت عيناه بالدموع، وشعر بكراهية خاصة نحو العربة التي كان يجرها فدفعها بكلتا يديه وانزلقت بضعة أمتار، ولم يوقفها إلا ارتطامها بإحدى الزوايا. اندفع “عزيز” خارجا من “سوبر مارشي” غير آبه بنظرات الناس الغاضبة أو المندهشة. ولأول مرة يتنفس الصعداء في هذا المساء الشتائي البارد.

 

 

 

عن wahaalfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لقاء مع الشاعر الحروفي أديب كمال الدين حاوره علي جبار عطية

    الشاعر الحروفي أديب كمال الدين في حوار خاص : * ...

تهديم التابوات قراءة في رواية ( تحت التنقيح ) أحمد طه حاجو

التنقيح هو تشذيب وتعديل ومراجعة للنص الأدبي كي يخرج بصورته النهائية والتي ...

جِلْنَارُ الموَاسِمِ/ كريمة نور عيساوي

  جِلْنَارُ الموَاسِمِ فيِ هَذا المسَاءِ اللاَّزُورْدِيِّ… وَأَمامَ الشَّارعِ، المُقابِلِ لِناصِيَةِ الحُلْمِ… ...

من وصايا العاشق / نمر سعدي

  من وصايا العاشق موسيقا تقطِّرُ لي هواءً عمرُهُ عمرُ النجومِ تنفَّستهُ ...

انتخاب الصورة الواقعية وقصدية الاشتغال على منطقة التحريض في قصيدة * السماءُ لمْ تَزل زرقاء * للشاعر العراقي شلال عنوز   سعدي عبد الكريم / ناقد وسينارست   *دراسة نقدية*  

  انتخاب الصورة الواقعية وقصدية الاشتغال على منطقة التحريض في قصيدة * ...

صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر رسولا للإنسانية

  صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر  رسولا للإنسانية   إن ...

تشمر عن ذراعيها لزرع شتول الرحمة وعلم الجمال/ فوزي محيدلي

    *تشمر عن ذراعيها لزرع شتول الرحمة وعلم الجمال* هي بطيبة ...

قــراءة فـي كتــاب ستـــارة زرقــاء شفــافة ( نصــوص مســرحــية ) للــكاتبة العراقية  أطـــياف رشــيد مسرحيات توحدت بالهم العراقي * احمــد طــه حاجــو

    قــراءة فـي كتــاب ستـــارة زرقــاء شفــافة ( نصــوص مســرحــية ) ...