الرئيسية / قصة / الزمن الميت/ سعيد كفايتي

الزمن الميت/ سعيد كفايتي

 

 

الزمن الميت

 

عبد الله يحدثكم

في ذلك الصباح أفقت مبكرا، وكان من عاداتي السيئة أن أظل نائما حتى منتصف النهار. فلا شيء ينتظرني غير أن أتيه في السوق العمومي متفرجا، ببلاهة،  على الواجهات الزجاجية، حالما ببدلة أنيقة. وأتخيل أني لبستها، وأعجبتني غاية الإعجاب، وأن عباد الله في هذه المدينة السعيدة لم يستطيعوا – ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها – كتمان إعجابهم بها.  أراجع نفسي فأجد البدلة في مكانها، وأرى أعينا محظوظة تقتنيها دون تردد.

تجرني قدماي إلى مناطق أخرى، وفي كل مرة أتخيل أشياء كثيرة كأن أحيي ثورة الزنج، وأقودها وعندئذ تلتهب المدينة الميتة، وتشتعل أشجارها العتيقة، وتنبت في لحظة الاشتعال أوراق خضراء، ويكون العرس الأبدي (لي شعور خاص، لا أدري إن كان صحيحا أو خاطئا، هو أن المدينة -قاتلها الله- استلذت الطاعة والسكون والموت، ولم أرها – والله شاهد على ذلك- إلا راكعة ساجدة، وبحمد ربها راضية وبنعمته قانعة). وفي كل مرة أراجع نفسي فإذا المدينة هي المدينة وإذا الناس هم الناس…إننا في حالة ثبات.

الزمن صيف، الحرارة في الرأس، الحرارة في الشارع، أغوص في عرقي، أخلص جسدي المحترق من القميص، أضعه برفق على كتفي، أتدحرج في كينونتي البئيسة، في أزقة لا تنتهي. يُتعبني المشي، قال لي أحد الخبثاء: يبدو لي أنك لا تتعب من المشي، أينما أذهب أراك، لعلك ولدت واقفا. أجبت: ماذا تراني أفعل؟ نحن هنا لم نولد لنفكر، لم نولد لنتكلم، وإنما لنسير أفرادا أفرادا، السير هو الحركة التي لا ترهبهم. تساءل الرجل الخبيث: من؟ قلت: لا أدري. ابتسمت وأكملت الطريق كالمجنون.

 

عبد الله في فندق السعادة

الغرفة التي أنام فيها، بتواضع كبير، ضيقة. لا يمكمن أن تتصوروا الإحساس الغريب الذي تولده في؛ إنها أشبه بمرحاض برجوازي إذا نحن، طبعا، أسقطنا منه بعض التعديلات. ما أن تطأ قدمي اليمنى العتبة حتى أحس بدوار في الرأس، فأستعين بالباب الخشبي، وأزحف نحو السرير، واستلقي عليه مُنهكا، ومنكسرا. أحيانا يُسيطر علي النعاس، وفي أغلب الأحيان لا أنجح في إغلاق عيني رغم أني اقرأ مئات المرات آية الكرسي. في الصباح، عفوا، في وسط النهار كان خادم الفندق البئيس يقتحم علي الغرفة، يزعجني بثرثرته، وحركاته العسكرية، وأفتح عيني على وجهه الصبوح، وأسنانه البارزة، وأنفه الذي لم ينبت بعد، ويقول: مع من بت الليلة؟ قد بلغت سمعي همسات جميلة؟ (كان في حقيقة الأمر ثقيل السمع) لماذا لم تدعني إلى الحفل؟ ويشرع في البكاء. أرد عليه بصوت مرتفع: بت مع الزجاجة، خذها. غير أنه كان مع ذلك يسليني، خاصة حين يحدثني عن فترة اشتغاله عند أحد السادة: سيدي يأكل أكثر عشر بيضات في اليوم. ونحن في الدار نتقاسم واحدة فقط، ويحتد الصراع بين الأولاد، وتحتج الزوجة رحمها الله، وأقوم أنا غاضبا، راضيا من المعركة الخاسرة بخواء البطن. استغفلتهم جميعا، وأنت تعرف دون شك شدة دهائي، وحدة ذكائي، وقصدتُ الدجاجة اللعينة، وخنقتها، فماتت المسكينة بين يدي، كانت الدجاجة هي أصل المشاكل. ينفجر الخادم ضاحكا ويضيف: كان سيدي يشبهني، بل أنا أجمل منه، كان يشتمني ويضربني ويجعل مني “قوادا”، أبحث له عن نساء الهوى ويعيب علي ذوقي…إني أكرهه، أكرهه لدي رغبة جنونية لإحراق كل السادة، ولا أمانع أن يكون جسدي حطبا. أقول في قرارة نفسي: لأول مرة يقول الخادم قولا جادا. وأتنهد بعمق.

حالة خاصة

المكان: السوق العمومي

الزمان: ؟؟؟؟

الناس أعين متحجرة، وأفواه مكمومة، وبضعة أطفال يبتسمون دوما.

الحمالون يجرون الزمن الرديء.

تبدأ الحركة.

في زاوية ما كان جسدي ينبت، وكانت عيناي تذوبان على وجهي، وكانت الصور تختلط في ذهني…أجساد الحمالين تهاطلت على الأرض، لكن البيوت لم ترتج ولم تتزحزح عن أماكنها. غضبت وصرخت بأعلى صوتي: اصرخوا، افرغوا ذاكرتكم يا حمالي المدينة من تاريخ السقوط والهزيمة، وانتشروا كالجراد.

عبد الله يحدثكم

الغرفة في حالة فوضى، صورة كبيرة لـ”بوب مارلي” على الجدار. زجاجة خمر فارغة فوق طاولة صغيرة. في وقت مبكر من الصباح اهتزت جثة عبد الله الذي اندهش عندما رأى جمجمته مفصولة عنه، حملقت فيه وانفجرت ضاحكة: هاها…هاها، حاول أن يهرب فلاحقته بعزيمة لا تلين. وحين تعبت قبض عليها بكلتا يديه، وكسرها إلى نصفين، وفي أحدهما كان ينفث بقايا سيجارة أشعلها، ويدخن بنشوة عجيبة،ويردد في أعماقه: إنها مرمدة رائعة.

استطراد لابد منه

بلغنا، والله أعلم، أن خلقا كثيرا رأى عبد الله يسير في المدينة دون رأس، ينبس بكلمات غامضة، وأخبرنا بعض الرواة الثقاة أنه وضع في الآونة الأخيرة حمامة على كتفه، وأن الحمامة بقدرة قادر وبحكمة لا يعلمها إلا الله مطمئنة في مكانها لا تبرحه.

د سعيد كفايتي

 

 

عن wahaalfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لقاء مع الشاعر الحروفي أديب كمال الدين حاوره علي جبار عطية

    الشاعر الحروفي أديب كمال الدين في حوار خاص : * ...

تهديم التابوات قراءة في رواية ( تحت التنقيح ) أحمد طه حاجو

التنقيح هو تشذيب وتعديل ومراجعة للنص الأدبي كي يخرج بصورته النهائية والتي ...

جِلْنَارُ الموَاسِمِ/ كريمة نور عيساوي

  جِلْنَارُ الموَاسِمِ فيِ هَذا المسَاءِ اللاَّزُورْدِيِّ… وَأَمامَ الشَّارعِ، المُقابِلِ لِناصِيَةِ الحُلْمِ… ...

من وصايا العاشق / نمر سعدي

  من وصايا العاشق موسيقا تقطِّرُ لي هواءً عمرُهُ عمرُ النجومِ تنفَّستهُ ...

انتخاب الصورة الواقعية وقصدية الاشتغال على منطقة التحريض في قصيدة * السماءُ لمْ تَزل زرقاء * للشاعر العراقي شلال عنوز   سعدي عبد الكريم / ناقد وسينارست   *دراسة نقدية*  

  انتخاب الصورة الواقعية وقصدية الاشتغال على منطقة التحريض في قصيدة * ...

صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر رسولا للإنسانية

  صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر  رسولا للإنسانية   إن ...

تشمر عن ذراعيها لزرع شتول الرحمة وعلم الجمال/ فوزي محيدلي

    *تشمر عن ذراعيها لزرع شتول الرحمة وعلم الجمال* هي بطيبة ...

قــراءة فـي كتــاب ستـــارة زرقــاء شفــافة ( نصــوص مســرحــية ) للــكاتبة العراقية  أطـــياف رشــيد مسرحيات توحدت بالهم العراقي * احمــد طــه حاجــو

    قــراءة فـي كتــاب ستـــارة زرقــاء شفــافة ( نصــوص مســرحــية ) ...