الرئيسية / قصة / العودة من المستقبل/ إبراهيم أمين مؤمن

العودة من المستقبل/ إبراهيم أمين مؤمن

العودة من المستقبل

قصة قصيرة

 

الفكرة أولاً:

تعتمد على قراءة لغة الجسد ولغة الرداء انْ صحّ التعبير وترجمتهما معاً لمعرفة شخصية الشخص المراد محل القراءة.

كما أنى جسدتُ كيف أنّ الأعمال السيئة تنمّ عن مستقبل أسود، والأعمال الصالحة تنمّ عن مستقبل طيب، ومن خلال ا.د أفكار. تعرضتُ لقضية اجتماعية خطيرة، من خلالها أخذتها وأخذتُ شادية وسُكينة فتاتيْها مِن مستقبليهما الضائع الغامض وعدتُ بهما إلى مستقبل مشرق بتصحيح مسار حاضريْهما.

==========================================================

القصة: تقول أفكار

كان زوجي تسبح روحه في اكتئاب حاد حتى صرعها تاركاً إياي وفتاتينا الصغيرتيْن شادية وسُكينة، وكنتُ أحبه كثيراً جداً وتأثرتُ بموته لدرجة أننى لمْ أجد عِوضاً عنه غير ان أنتقم من هذه الأسقام التي تنال من النفس فترْديها تحت سترة التراب، أصرع الأسقام قبل ان تصرعهم.

وأخذتُ أفك شفرات طلاسم النفس وأكشف ستائر خلجاتها حتى صارتْ تلك النفس بدروبها وجوانحها ومفاصلها مترائية ومطواعة.

فتوقد ذهني أيّما توقد وتبحرتُ في هذا العلم النفيس وحصلتُ على أعلى درجة علمية من أكبر جامعات العالم وتُوّجتُ أخيراً على عرش الأدب بحصولي على جائزة نوبل في الأدب.

درّستُ انا ا.د افكار في أكبر الجامعات العربية والأجنبية ولا أكاد آتى مصر وطني ومسقط رأسي إلا قليلاً.

كعادتي دائماً احتضن فتاتيّ شادية وسكينة بحنان بالغ وأسألهما عن حالهما ثم آتى الفراش لأنام.

فتحتُ حاسوبي لأرى أحدث المستجدات العلمية فلفتَ نظري اثناء التصفح قضية فتاتيْن خلف القضبان، أهملهما أبَواهما من كثرة الترحال حول العالم اذ كانوا سفيرين لبلدهما.

فانتبهتُ واخذتْ رأسي تشرئب إلى الأمام دافعة أيضاً جسدي معها فاغرة فاهي محملقة العين مستحضرة في مخيلتي هذا التوافق العجيب بين ترحالي وترحال والديْن هاتيْن الفتاتيْن، فتصارعتْ دقات قلبي ووجب واشتدّ وجيبه حتى سارعتُ في الدلوف على أبواب صغيرتيّ فوجدتهما نائمتيْن.

فعدتُ حجرتي غريقة النفس وركضتُ حتى أذّن الصبح بلحظات الغيث.

دلفتُ باب شادية وولجتُ الباب فإذا بشادية تتأهب للخروج قاصدة جامعة القاهرة.

فحملقتُ في زيّها مندهشة مائلة الرأس يميناً وشمالاً تجرى عيناي على بساط ذاك الزي الفاضح الذي يظهر مفاتن جسدها الصارخة الداعية لكل شهوة او نظرة.

وسكتتُ برهة ولم انبس بكلمة، وما كان سكوني إلا إمعان النظر في لوحة بخيالي ارى فيها نفْس ابنتي خلف قضبان الأمس بسجية المستقبل. تلك القضبان التي ارتأيتها من ميوعة ألفاظ ابنتي التي أدمنتْها حتى انها عجزتْ ان تظهر أمامي بصورة أليق من هذا وسرعان ما أصابها الإبلاس فتهتهتْ ثم سكتتْ.

وحاسرتاه: انا أ.م أفكار ابنتي شادية ترتدى فستاناً ضيقاً تكاد مفاتن جسدها لا تتنفس من الانضغاط، يبدأ ينادى مشتهوها من فتحة الثدي المتدلي على قاعدة حمالة الثدي الحمراء.

يبدأ التدلي كاشفاً بين ثدييها ذاك المفرق الناعم الجذّاب وينتهي بحلمتي الثدي المستقرتين على الحمالة الحمراء، وتَبرزُ الحلمتان كسحابتي ماء تنادى ظامئتيها.

ويظهر تحت الفستان من الأمام ذاك التحدّب المتناسق البارز من الخِصر والفخذين وسرّتها تلك التي لا تخفى على راءٍ.

ومن خلف الفستان ارى مؤخرتها وكأنها وُضِعتْ في قالب واستُنسختْ بعملية قوْلبة.

أهدابها تومض كألوان الطيف تعلوها حاجبان حادتان يكاد لا يري منهما إلا تلك الألوان التي خضّبتْ أهدابها، وينسدل شعرها المرسل يشعّ من   على سطحه أضواء ذهبية وسلفريه برّاقة، وتلبس حذاءً كعبه يكاد يكون كالهرم المقلوب.

وفجأة رنّ المحمول فتناولته وإذا بشاب يقول: حبيبتي “غانية” كانت ليلة أمس ممتعة في حجرتي ما رأيك ان نكررها اليوم؟

وما ان سمعتْ تلك الكلمات إلا وسكنتْ روحي تختنق بحبال هذه الكلمات واشتد غليان قلبي وانفطر وفرغ.

وأمسكتُ نفسي وطفقتُ أبحث عن حقيبتها.

ففتحتُها فوجدت كارنيه الجامعة مكتوب فيه انها من الفرقة الاولى فسألتها

ألستِ في الفرقة الرابعة يا شادية؟

فأجابتْ: انا أسمي “غانية “يا ماما وانا لا أذهب للجامعة، وهذا سوء عملك يا ماما، فتاتان ليس لهما أب ولا أم.

رحلتِ عنا فرحلنا وتهنا وضاع أسمى وأسم أختي في فلوات تِرْحالك.

 

*********

خرجتُ مِن عند شادية فارغة القلب مغمغمه بكلمات الحسرة والخيبة.

خرجتُ قاصدة حجرة سُكينة وكلى وجل وخوف وإشفاق مِن انْ أجد الأخرى مثل أختها.

فرأيتُ ابنتي الثانية سكينة فتاة عازفة عن كل شيء، ردائها الأسود من الرأس وحتى أخمص القدم، شعرها ينسدل بغديرتين تتدليان على ظهرها ويواريهما ذاك الحجاب الأسود.

شعر شاربها نابت ظاهر، وشعر حاجبيها مبعثر متشرذم.

أكاد لا أري من جسدها إلا جلبابها الذي ترتديه، ووجهها المخضّب بالشعر المتناثر.

عيناها لا تكاد تترك بساط الأرض او سقف الحجرة، تستحي من كل شيء، وتودع كل حي، وتخاف من كل شيء، تأنس بالسكون والفلوات.

مشيتها كالسكيرة تسير مترنحة معوجة ومحدبة الظهر كأنها جاءتْ من بين الأموات لتعيش بين الأحياء.

وسألتها: هل أنتِ في الدنيا يا سكينة أمْ لا؟

وفتحتُ حقيبتها فوجدتُ كارنيه الجامعة مكتوب فيه إنها من الفرقة الأولى فسألتها

ألستِ في الفرقة الثانية يا سكينة؟

فأجابتْ انا أسمي “تيْماء” يا ماما وانا لا أذهب إلى الجامعة وهذا سوء عملك يا ماما، فتاتان ليس لهما أب ولا أم

رحلتِ عنا فرحلنا وتهنا وضاع أسمى وأسم أختي في فلوات تِرْحالك.

 

*********

وانهدّ جسدي حيث أقرب كرسي وما استطاعتْ قدماي حملي واستبان لي مستقبل فتاتىّ المظلم الذي يهدّهما ويهدّ المجتمع الذي لطالما جاهدتُ في إصلاحه لتحيا البشرية بنفوس آمنة واعدة مطمئنة.

اندثر ما كتّلته من إرادتي من عزم وإصرار وانفسختْ عزيمتي، التقتْ آلام الماضي بطعنتي الحاضر وشكلتْ ساتورا صدع رأسي.

تعاظم وجيب قلبي وضربة رأسي وتلجلج لساني واعوج   وتلعثم بغمغمات لحروف عيية محصورة، وقد ثقفتنى المصيبة وأمسكتْ بلجام عزيمتي.

وما ترى عيني إلا أوار من جبال تعلوها سحابة من العجّاج والإهماج وطنين الذباب الكبير، يتسارعون جميعاً حاملين ذاك الأوار الملتهب الذي التفَّ حولى ليحرق ويأكل لحمى كما حرق وأكل لحم شادية وسكينة، وما إنْ وصل ذاك الإهماج والذباب الكبير الملتهب حتى خررتُ هامدة أحيا في موت الغم.

والتف الفتاتان حولي وأخذاني إلى المستشفى وقد أصبتُ بجلطة فجائية، ووضعوني في العناية المركزة.

والفتاتان تبكيان ندماً على استسلامهما لتصاريف الأقدار الخانقة، وتقولان في حسرة: لولا نقاوم ونصبر على ما بدر منا.

لقد حمل جسد الأم المسجّى بين الحياة والموت رسالة ندم وموعظة وتوبة على ما كان منهما من استسلام لتصاريف القدر.

وخرج الدكتور من العناية يحمد الله على نجاتها من مرحلة الخطر.

خرجتْ الأم من العناية المركزة وما ان سمح لها الدكتور بالكلام حتى اجتمعتْ بفتاتيها وهما يقبّلان يديها وقدميها وسط دموع متبادلة.

أدركتْ أفكار “الأم “الان انّ أفكار”أ.د ” والحائزة على جائزة نوبل، انّ الأم أغلي وأصلح لمجتمعها ومجتمع فتاتيها، وما كان يجب عليها الترحال.

وقالتْ لنفسها لابد ان نجد أ.د أفكار بلا ترحال حتى تعيش تمد ظلالها على فتاتيها.

لابد ان نأخذ أفكار من المستقبل الذي رسمته لنفسها ونعود بها الى حاضر فتاتيها.

لابد ان نُرجع المستقبل القاتم لأولادي ونلبسهم رداء حاضر صالح ونقى حتى يصلوا إلى مستقبل اخر،

هو مستقبل النور والأمل والطموح والانتصار.

 

 

**********

بقلم: إبراهيم أمين مؤمن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

امتناع الأضداد في معاني اللغة (الرسالة 43 ) / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الثالثة والأربعون امتناع الأضداد في معاني اللغة بقلم: فراس حج محمد/ ...

كل شيء مزعج في ظل هذا الوضع ( الرسالة 42 ) / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الثانية والأربعون كل شيء مزعج في ظل هذا الوضع فراس حج ...

يا لخسارة العشاق ما أكثرها! (الرسالة 41) / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الحادية والأربعون يا لخسارة العشاق ما أكثرها! بقلم: فراس حج محمد/ ...

وأرتوي حتى الظمأ / بقلم: جودي قصي أتاسي

وأرتوي حتى الظمأ / بقلم: جودي قصي أتاسي ــــــــــــــــــــ اسكب حروفك فوق ...

صدور العدد العاشر من مجلة شرمولا الأدبية

صدور العدد العاشر من مجلة شرمولا الأدبية ـــــــــــــــــــ صدر العدد العاشر من ...

اللحن ودواعيه السردية في رواية “مأساة كاتب القصة القصيرة”/بقلم: فراس حج محمد

اللحن ودواعيه السردية في رواية “مأساة كاتب القصة القصيرة“ بقلم: فراس حج ...

الروح الأدبية في كتاب “الإصحاح الأول لحرف الفاء”/ بقلم: رائد محمد الحواري

الروح الأدبية في كتاب “الإصحاح الأول لحرف الفاء“ بقلم: رائد محمد الحواري/ ...

الهروب اللاواعي/ بقلم: يونس عاشور

الهروب اللاواعي..! بقلم: يونس عاشور ـــــــــــــــــــ   لا تتوارى هَرباً عنّي.. أو ...