الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / تهديم التابوات قراءة في رواية ( تحت التنقيح ) أحمد طه حاجو

تهديم التابوات قراءة في رواية ( تحت التنقيح ) أحمد طه حاجو

التنقيح هو تشذيب وتعديل ومراجعة للنص الأدبي كي يخرج بصورته النهائية والتي يفترض أن تكون على قدر عالي من التكاملية أو شبيه أو قريب من ( عالم المثل ) الذي يسعى للوصول اليه  وهذه هي فكرى رواية ( تحت التنقيح ) فقد أراد المؤلف الروائي حسين عبد الخضر ان يجعلنا نقف ونتأمل أنفسنا ومجتمعنا وإعادة تنقيح رؤانا وتصرفاتنا لان المجتمع قد طرأت عليه الكثير من الترهات والمدخلات الخاطئة والتي لعب الحظ وأسباب أخرى في استمرارها وازدهارها .

أسلوب الرواية كان تحليليا أكثر من أن يكون سرديا أي قريب من أسلوب الكاتب المسرحي النرويجي  هنريك ابسن والذي عرف أسلوبه بالتحليل المعمق للأشياء .

حيث نجد كاتبنا عبد الخضر يسرد الأحداث وبنفس الوقت يحلل تصرفات وأفكار شخصياته ويطرح ويثير أسئلة فنراه في البدء يسرد واقعة تتعرض لها الشخصية الرئيسيّة وهي السقوط في السوق وكيف اخذوه المارة لبيت ( ابوغائب ) الدجال والذي كان سببا في تغيير مسار حياته وكيف استدرجه كي يعلمه السحر والتعاليم الروحانية ونجده اثناء هذا السرد يحلل صراعه الداخلي فشخصية ( وليد ) شخصية مركبة قد يراها المجتمع غامضة لكنها طموحة وثائرة بنفس الوقت فهي صاحبة إرادة قوية لتحقيق طموحها . وبرغم اعتراضها للكثير من المعضلات التي اعترضتها لكنها تجاوزتها وذلك لإيمانها بما تفعل ولصدقها مع نفسها . وهنا يمكن ان نقول إن شخصية ( وليد ) تعشق الحرية وإنها أرادت أن تختط طريق مغايرا لها وجديدا يهدم جميع التابوات الزائفة التي نشأت عليها فنراها دائمة الاعتراض حتى على القوانين الالاهية نوعا ما . فراح ( وليد ) يقيم علاقة غرامية محرمة مع ( سلمى ) ودون إحساس بالذنب . ان لسان الشخصيات في رواية ( تحت التنقيح ) لم يتحدث لمجرد الحديث بل جاءت حواراتهم وتصرفاتهم من عمق نفسي ودراسة فالكاتب لابد انه بحث وتعمق بدراسة تلك الشخصيات فكانت شخصيات مثيرة بتصرفاتها وأفعالها .

الرواية تحتوي على الكثير من الثيمات والعديد من التأويلات فأغلب تصرفات شخصياته وحواراتها وأفعالها واقعية لكن المؤلف جعل منها رموز للفساد الاجتماعي والخلقي والسياسي والاقتصادي والثقافي . فنجد الدجال ( أبو غائب ) والذي كان بزمن النظام السابق للعراق متستر بزي المعالج الروحاني اما بعد سقوط النظام في العراق فنجده قد اعترف بدجله وبأنه كان يكذب وكان مرتدي لثياب لتقوى وفي العراق الجديد نراه قد اصبح رئيس تحرير لمجلة ثقافية وصاحب مؤسسة إعلامية تهتم بترويج الفكر الديمقراطي ونراه يروج لأفكار جهات داعمة له بالخفاء ونجده كيف يجتهد وهو صاحب مؤسسة إعلامية بصنع شخص يتشدق بالثقافة في القنوات الإعلامية من شخص جاهل لا يفقه  بالإعلام والصحافة شئ أي صنع منه بوقا أجوف يمرر من خلاله ما يريد للجمهور . وهذا ما نراه في واقعنا العربي والعراقي تحديدا . إن رواية ( تحت التنقيح ) ذكرت سلبيات المجتمع العراقي بالتحديد ومعاناته المريرة الذي باتت تشكل هاجسا للأغلبية من الشعب حتى جعلت من المجتمع العراقي مجتمعا يائسا . فأحمد اخو وليد انخرط بأحد الميليشيات وأصبح آلة للتهديد والوعيد والقتل لكل من يعترضها وكان وليد أول المهددين بسبب أفكاره ومعتقداته والتي من المفروض إنها خاصة حسب مبدأ الحرية الشخصية والديمقراطية التي تم تغيير النظام في العراق لأجله بعد ان كانت الحريات مقموعة  . أما( واقعة ألطف ) والذي كانت محورا أساسيا ومهما في الرواية لم تحويه الواقعة من قيم إنسانية وتاريخية وثورية ووجدانية للشعب العراقي بصورة خاصة فأن وليد استمات كي يحصل على الكتاب الذي كان من المفترض ان يطبع والذي كتب بطريقة مغايرة على لسان ابن المؤلف ( ضياء ) والذي تعرف عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي  فلم يكن له أن يقرأه بسبب احتراق بيته كي ينقحه وهذا بيت القصيد فنحتاج نحن لإعادة قراءة واقعة ألطف بصورة أكثر وعي لان الحسين( عليه السلام ) لم يقتل لسبب بسيط بل من اجل قيم عليا أراد ترسيخها لكنها أغاضت أعداءه . فهل يستطيع أن يفعل الآن من يتشدق بحب الحسين كما فعل الحسين ( عليه السلام ) ؟

وهل نحن مقتنعين بتلك القيم ويمكننا أن نطبقها ؟ أن ذكر ( واقعة ألطف ) هو محورا جوهريا ومهما يجب الوقوف عنده لما تحويه هذه المعركة من قيم فلسفية باتت متجذرة في طبيعة المجتمع العراقي لكن السؤال في ظل هذه الجذور المهمة للمجتمع العراقي وارتباطها بهذه الواقعة وحيثياتها فهل يمكن ان يكون حاله كما هو عليه الآن ؟ لا سيما وحاله في طريقه للأسوء .. أن الرواية برغم الألم والواقعية الواخزة للضمير كانت هناك أجواء ترويحية حلمية بين الحين والآخر مليئة بالسحر والخيال وإثارة روح الأمل للقارئ كي يحاول التنقيح لحياته ..

أما أحداث الرواية فقد كانت محبوكة بطريقة فنية عالية مشوقة برغم قصرها حيث أنها تحتوي على ( 110 صفحة )  إلا أنها ذكرت حقائق لابد ان تكون محل بحث ومناقشة لأنها في محل جدل ويقع عندها العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام ( القتل , الفتن , التفجير , التهجير , التهديد , الزيف الثقافي , الاحتيال , الدجل , الضحك على عقول البسطاء والاستغفال ) إن هذه الحقائق يجب ان تختفي من الواقع العراقي لأنها دخيلة فمن يقف ورائها ومن المستفيد من تصديرها ألينا ولماذا .. يجب ان نتعمق بأغوار الواقع ان أردنا إنقاذ أنفسنا …..

أحمد طه حاجو

عن wahaalfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لقاء مع الشاعر الحروفي أديب كمال الدين حاوره علي جبار عطية

    الشاعر الحروفي أديب كمال الدين في حوار خاص : * ...

جِلْنَارُ الموَاسِمِ/ كريمة نور عيساوي

  جِلْنَارُ الموَاسِمِ فيِ هَذا المسَاءِ اللاَّزُورْدِيِّ… وَأَمامَ الشَّارعِ، المُقابِلِ لِناصِيَةِ الحُلْمِ… ...

من وصايا العاشق / نمر سعدي

  من وصايا العاشق موسيقا تقطِّرُ لي هواءً عمرُهُ عمرُ النجومِ تنفَّستهُ ...

انتخاب الصورة الواقعية وقصدية الاشتغال على منطقة التحريض في قصيدة * السماءُ لمْ تَزل زرقاء * للشاعر العراقي شلال عنوز   سعدي عبد الكريم / ناقد وسينارست   *دراسة نقدية*  

  انتخاب الصورة الواقعية وقصدية الاشتغال على منطقة التحريض في قصيدة * ...

صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر رسولا للإنسانية

  صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر  رسولا للإنسانية   إن ...

تشمر عن ذراعيها لزرع شتول الرحمة وعلم الجمال/ فوزي محيدلي

    *تشمر عن ذراعيها لزرع شتول الرحمة وعلم الجمال* هي بطيبة ...

قــراءة فـي كتــاب ستـــارة زرقــاء شفــافة ( نصــوص مســرحــية ) للــكاتبة العراقية  أطـــياف رشــيد مسرحيات توحدت بالهم العراقي * احمــد طــه حاجــو

    قــراءة فـي كتــاب ستـــارة زرقــاء شفــافة ( نصــوص مســرحــية ) ...

شَظيّة مرآة / أديب كمال الدين

    شَظيّة مرآة شعر: أديب كمال الدين ركضتُ كثيراً في صحراءِ ...