الرئيسية / مقالات / لا للاستفتاء – نعم للاستقلال/ جوتيار تمر

لا للاستفتاء – نعم للاستقلال/ جوتيار تمر

لا للاستفتاء – نعم للاستقلال

 

تتخذ الأوضاع في جنوب كوردستان مسارات أكبر حدة من ذي قبل، حيث لم يتبقى سوى خمسة أيام للبدء بعملية الاستفتاء وذلك لتقرير مصير الكورد في الدولة العراقية الفيدرالية وفق الصيغة التي اتفق عليها دولياً والدولة الطائفية العراقية المستسلمة نهائياً لإرادة إيران وفق الصيغة المتعامل بها محلياً وإقليماً ولربما تحت أنظار المنظومة الدولية، تقرير المصير سيتم عبر الاستفتاء، وتاريخياً الحقت ولاية الموصل – جنوب كوردستان – بالدولة العراقية بالاستفتاء الذي تم إجراءه بعد الاتفاقية التي وقعت بين تركيا والعراق وتحت إشراف بريطانيا وذلك لوضع حد لمشكلة الموصل  التي بدأت بعد الحرب العالمية الأولى، وهدنة مودريس بالذات واستمرت إلى عام 1925، المهم في الموضوع إن جنوب كوردستان ألحق تماماً بالعراق بالاستفتاء الذي فضل الكورد وقتها التعايش مع العرب دون الترك لاعتبارات كثيرة ولعل أبرزها ما تعرض له الكورد على يد العثمانيين طول قرون حكمهم، ومن ثم تخاذل الترك معهم بعد القضاء على الخلافة العثمانية، ولاعتبارات أخرى دينية وربما اجتماعية ومذهبية فضل الكورد الانضمام للعراق وقتها.

الخوض في المعيات التاريخية سيجعلنا نبتعد كثيراً عن الغرض من المقال، لكنني أردت من خلال المقدمة هذه أن أوضح بإن الاستفتاء وقتها كان أمراً عادياً للعرب بشقيه السني والشيعي، وحتى أن تركيا المعروفة بعنصريتها القومية رضخت لأمر الواقع وقبلت صوت الأغلبية في جنوب كوردستان ولو باتفاق مادي اقتصادي، الأمر الذي يثير الدهشة في وقتنا الحالي هو أن موضوع الاستفتاء تحول من موضوع لحقوق الشعب الكوردي في اتخاذ قراره إلى ساحة حرب كلامية إعلامية شرسة من جهة، وإلى مسألة تقييم لمفاهيم الأخوة الكوردية العربية – السنية والشيعية –  من جهة أخرى، حيث أوضحت المواقف، الحقائق التي ظلت الأجيال تتوارثها بدون أن تعرف ما ورائها من دلالات أخرى ضمنية لا تلتقي مع الظاهرية إلا شكلاً، فمن الناحية الإعلامية وجد الكورد أنفسهم أمام كم هائل من الحقد المدفون تحول إلى سب وشتم وتهديد ووعيد من أشباه البشر لاسيما من القيادات التيارات الشيعية الموالية للمالكي وللفتناوي _ الفتلاوي – ولسليماني وحتى إن العبادي المعروف بهدوئه وتعامله الرصين تحول إلى سياف يهدد باستعمال القوة، فضلاً عن مواقف بعض المكونات العرقية الأخرى كالتركمان والآشوريين والكلدانيين وغيرهم الذين تباينت رؤيتهم حول مسألة الاستفتاء و كشفت الغطاء عن المدفون وأصبحت الصورة واضحة جدا للشعب الكوردي بحيث حتى إذا لم يتم الاستفتاء فان العلاقة لن تكون سليمة أبداً، والوضع سيكون مكهرباً لدرجة انه قد ينفجر في اية لحظة، لأن الصورة حين انكشفت،  كشفت معها الملامح الحقيقية للكثير من هذه المكونات التي كانت تنادي بالأخوة والتعايش السلمي.

شكل الإعلام اللاوعي حلقة وصل سلبية في هذه المسألة حيث سلطت الأضواء على كل ما هو تنافري ضدي من خلال نشرها لوقائع وأحداث تساهم في تفاقم الأزمة الحاصلة بين الكورد وبغداد، وجاءت المواقف لتؤكد ذلك، وتبشر بزوال الدولة العراقية الطائفية، زوالها في قلوب الغالبية العظمى من الكورد، لأنهم في هذا الأمر لن يخضعوا مرة أخرى لأية سلطة من بغداد، بل ستنعكس الأمور سلباً على العلاقات العامة، ولا اظن بان الكوردي بعد اليوم سيتعامل مع العربي العراقي بدون حساسية، والعربي أيضاً لن يتعامل مع الكوردي بدون حساسية، وبالتالي فإن المجتمع قد قرر حل المشكلة السياسية بنفسه، وكأنهم يقولون بوضوح الأمر لا يحتاج إلى استفتاء لأن الاستقلال قد حصل فعلياً ولم يعد أحدنا يتقبل الآخر بأي شكل من الاشكال، ومهما أتت المقولات والتصريحات سواء من القادة السياسيين أو رجال الدين وأصحاب اللحى من كل الأديان والمذاهب والطوائف والأعراق أو العسكريين او المنظمات الدولية فإن الأمر بات محسوماً تماماً، فالشارع العربي امتهن السب والشتم والتنقيص من القيادات الكوردية وعمد الساسة العرب إلى تأجيج ذلك الموقف من خلال خطاباتهم العنصرية القومجية المذهبية الطائفية البعيدة كل البعد عن القيم الأخلاقية والقيم الإنسانية الساعية للتعايش، وبالتالي فإن تصريحات القادة الكورد في عدم التعامل مع العرب بحساسية أو تهديدهم وسبهم لم يعد مفعوله سارياً وجارياً، لان الشعب لا يحتكم في علاقاته الاجتماعية الى الاصوليات والرسميات السياسية، فالطلاق قد حصل، ولم يعد بالإمكان الرجوع الى ما كان ظاهريا موجوداً.

ولعل ابرز مسارات الطلاق التي حدثت هي التي اشعلتها تصريحات بعض قيادات  الحشد الشعبي الذين توعدوا الكورد والبيشمركة عبر فيديوهات مسجلة مستعينين بأبشع الألفاظ بحيث أصبحت مثار سخرية عند الكورد في كل مكان، وبالتالي جاءت ردود الأفعال حاسمة تتوعد هي الأخرى، فضلاً عن ما فعله السنة الذين لجأوا الى كوردستان عندما اجتاحت داعش أمصارهم ومدنهم، وعاشوا خلال هذه الفترة العصيبة تحت حماية الكورد الذي تعاملوا معهم بكل احترام، وقدموا لهم يد العون، بل ان الحكومة الكوردية على الرغم من الضائقة المالية صرفت من قوت الشعب عليهم، ولكنهم في أول فرصة سنحت  – للبعض منهم – توجهوا الى بغداد وصوتوا ضد الاستفتاء وبذلك خانوا كما هي عادتهم اليد التي مدت اليهم( الكثير من العشائر العربية خانت البيشمركة وطعنتها من الخلف ومهدت لداعش الاستلاء على قراهم)، وبنفس الوقت حملوا نعش اخوتهم التي كانوا يتخفون ورائها بيدهم، وقضوا على اي آمال بان يتعامل الكوردي معهم بعد اليوم بحسن نية، بل لولا  قرار رئاسة الاقليم بعدم التعرض للعرب لكان للشعب تعامل آخر معهم، وهذا التعامل الذي اتحدث عنه ليس منتهياً او يمكن القول بأنه قد تم وأده، لكنه فقط مؤجل الى وقت اخر، وقد ينفجر بأية لحظة كالبركان حيث ستعصف بالخونة الذين اداروا ظهورهم للكورد حين كانوا يقتاتون من قوت الشعب الكوردي داخل كوردستان بأمان وسلام.

ان الموقف الشيعي الموالي تماماً لإيران الرافض للاستفتاء هو الآخر  تحول الى بغض وكره ونفور شديد بين الكورد وغالبية الشيعة، لاسيما الشيعة المتمثلة في بعض رموزها التي سبق وان ذكرناهم بأسمائهم، ولم يتبقى منهم الا قلة ممن مازال خيطه مع الكورد غير مقطوع، وفي المقابل ان الخيط السني انقطع  تماما هو الاخر ماعدا مع بعض العشائر التي مازالت تحافظ على اصالتها ولا تقدم على خيانة من مدوا اليهم يد العون، تلك العشائر التي اعلنت موقفها المؤيد للاستفتاء بل قالت انها ستشارك بنعم في العملية الاستفتائية، في حين البقية او الغالبية من السنة اصبحوا في عداد الموتى عند الكورد، بحيث لن تعود العلاقة معهم الى مساراتها الطبيعية حتى لو  لم يتم الاستفتاء.

ان جملة الامور هذه توضح بشكل نهائي وقطعي ان القطيعة حاصلة واصبحت واقعاً ملموساً ستتشكل من خلالها ماهية العلاقة بين الكورد والشيعة والسنة والمكونات الاخرى في الحاضر، والتي تحولت الى بركان غير خامد هائج، قد ينفجر في اية لحظة فيحرق الاخضر واليابس، وهذا ما يدفعنا الى القول ان الاستفتاء تحول ذاتياً الى استقلال، هذا الاستقلال قد لا يكون من المنظور السياسي بشكل دولة فيدرالية او كيان كوردي كونفدرالي، لكنه سيكون استقلالاً اشد تأثيراً على الحكومة العراقية في بغداد لكونه سيخلق ممرات تصادم مستمرة، فالجيش العراقي لن يدخل كوردستان الا بموافقة القيادة الكوردية مهما توعد بعض اشباه الرجال فيهم، والاوامر الصادرة من بغداد لن تنفذ في كوردستان، والصراع سيستمر  وستبقى المناوشات الكلامية واحيانا الميدانية حاضرة في نقاط التماس، ولن تحل مشكلة المادة 140 باي شكل من الاشكال لأنها ستظل عالقة وستبقى الحكومة الفيدرالية تتلكأ وتبحث عن الاعذار لعدم تنفيذها بحجج واهية وفي المقابل سيتصلب الموقف الكوردي اكثر، وستزداد الحساسية تجاه الشيعة والسنة والمكونات التي دعمت بغداد ضدهم، واذا ما تمت الانتخابات العراقية ووصل المالكي واتباعه للحكم فان القطيعة حتمية، ولا اعلم كيف يمكن ان تطلق اسم دولة على منطقة تأوي مثل هذا البركان وهذا التضاد السياسي والاجتماعي والعسكري والاقتصادي والنفسي وحتى الجغرافي .. وبالتالي فان مقولة لا للاستفتاء هي ممر لمقولة أكبر نعم للاستقلال الذي بنظري قد تم ولعل الكورد سيشكرون ذات يوم هذا الحقد العربي السني الشيعي تجاههم وسيشكرون هذه الاوضاع التي كشفت الغطاء عن اوجههم، لأنهم قدموا للكورد الاستقلال دون اية مناورات سياسية او حتى تحالفات دولية او معارك دموية، فالدولة لا ترسمها الحدود وبعض المؤسسات الادارية بكل اصنافها، انما الدولة هي ولاء والكوردي الغالبية العظمى من الكورد ولائهم لن يكون لبغداد حتى لو بقوا كرهاً وقسراً حاملين لجوازات سفر تحمل اسم العراق عليه.

ان ما اقوله هنا ليس بداعي الكره، او بداعي التعصب القومي، انما انقل الصورة بوجهة نظر خاصة اتعايش معها واقعاً واسمعها اعلامياً واراها قادمة، والكل قد ساهم بشكل واخر في خلق هذا الانموذج للاستقلال، لذا سواء أكانت دول الجوار بالأخص تركيا وايران مع الاستفتاء ام لا، واذا بالغت بعض القوى العظمى في ردت افعالها بوجوب عودة الحوار بين بغداد وهه ولير _ اربيل – فان الحتمية هي التي تسبق الان، والحتمية اوجبت ان الحوار والوعود والمواثيق والاتفاقيات كلها مجردة من قيمها ومن فعاليتها امام الواقع الذي خلفته الاوضاع وكشفت مدى الحقد الذي يكنه هؤلاء للكورد، لذا لا عودة من هذا الواقع، والامر سواء حسم بالاستفتاء أم لم يحسم فإن الاستقلال محسوم تماماً.

 

 

بقلم: جوتيار تمر/ كوردستان

20/9/2017

 

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يا أقرب النبض/ بقلم: ليلاس زرزور

يا أقرب النبض/ بقلم: ليلاس زرزور ــــــــــــــــــــــــــ يا أقرب النبض في كُلِّي ...

 تسألني عني/ بقلم: ريم النقري

 تسألني عني بقلم: ريم النقري ـــــــــــــــــــــ أنا التي أكرهك اعشوشبت بأنحائي أفقدتني ...

بنادقُ الفِكرِ/ بقلم: علي موللا نعسان

بنادقُ الفِكرِ/ بقلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــــــ بنادقُ الفكرِ تقفو المشاعرْ رصاصُها ...

هنا دفنت الرسالة/ بقلم: نجاح هوفاك

هنا دفنت الرسالة/ بقلم: نجاح هوفاك ……… تحت الأنقاض شفاه لثمت التراب ...

نرجس عمران: جعلت قضية وطني قضيتي الأهم فكانت روحي هي الدواء الذي أبلسم فيه جراحه/ نهاد الحديثي

نرجس عمران: جعلت قضية وطني قضيتي الأهم فكانت روحي هي الدواء الذي ...

أقف على ضفاف الرحيل/ بقلم: منى بعزاوي

أقف على ضفاف الرحيل بقلم: منى بعزاوي ـــــــــــــــــــــــــــ نطقت في حضرة الصمت ...

حوار مع الشاعرة السورية رودي سليمان/ حاورها نصر محمد

حوار مع الشاعرة السورية رودي سليمان أجرى الحوار: نصر محمد ــــــــــــــــــــــــــ   ...

صرخةُ الرّوح/ بقلم: خولة عبيد

صرخةُ الرّوح/ بقلم: خولة عبيد ـــــــــــــــــــــ كانتْ نبضةً مختلفةً سرتْ في عروقي ...