الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / أدعياء الثقافة“المثقف بين الأنا والابتعاد عن قضايا المجتمع” / محمد حماس

أدعياء الثقافة“المثقف بين الأنا والابتعاد عن قضايا المجتمع” / محمد حماس

 

أدعياء الثقافة

المثقف بين الأنا والابتعاد عن قضايا المجتمع:

مدخل لمقاربة دور المثقف السلبي التقليدي النفعي …. المنافق ….

 

أعتقد، أو أكاد أجزم، أن العديد من المحطات في تاريخ الشعوب والمجتمعات، والتحول الذي تعرفه هذه المجتمعات، كفيلة بأن تكشف الوشاح عن أشخاص توهمنا لزمن طويل أنهم أهل مواقف يمكن للمجتمع التعويل عليهم لملامسة قضاياه وترجمة معاناته وتبني انتفاضاته والدود عن القيم التي من دونها يمكن لهذه المجتمعات، أفرادا وجماعات، انتظار الساعة … حيث يتجلى للعيان مدى الخذلان والتعاسة والخيبات التي يمكن أن يتسبب فيها تموقع المثقف، أو من اعتقدت الجماهير أنه مثقف، في خندق الذئب، ليحسب بني البشر نعاجا.

وأجزم أيضا، أن مأساة المثقف أن يعيش بدون مواقف ومبادئ، بمعنى مجردا من مشاعر الحب والفرح والتضامن ووخز الضمير، وهو الأمر الذي يجعل المثقف أمام مرآة ذاته الأمارة بالانزلاق وراء الأهواء والركوع والانبطاح وعبادة “النيكل” والنياشين والتصفيق والربت على الكتف والهدهدة ومنصات التتويج …. إلى أن يتحول إلى عبد يحمل عقلية العبيد، ولا يمكنه العيش بدون سيد يرضى عنه …. “هذي فولة وهذي ختها .. بامبارا حب الفولة” ..

وأجزم كذلك أن مثل هؤلاء المثقفين هم من ساوم على مآسي الجماهير وبث العجز في أنفسهم واستعلاء الباطل وتحويل الانتصارات إلى هزائم، لأن دور المثقف لو تعلمون عظيم. طبعا لا شيء مطلق غير النسبية في كل شيء، وإلا صرنا نطلق أحكام قيمة على الجميع من باب التعميم، فالمثقف ظل طليعيا عبر مراحل التاريخ البشري، أما النذل فمعلوم وموسوم بالخزي، تذكره الأجيال عارا ما بعده عار، مثل قواد الاستعمار الذين لا وطن لهم، وهم الذين قال عنهم المثل الشعبي: “قياد الاستعمار للنار وخا يصلليو الليل مع النهار” …

نستحضر هنا، في سياق الكلام عن المثقف، أحداث ماي 1968 بفرنسا الدغولية، حين قاد طلاب الجامعات انتفاضة تاريخية كانت بمثابة ثورة ثقافية من أجل مستقبل أفضل، فلم تستطع الثورة إسقاط النظام، بعد أن أرغمت دوغول على المغادرة، لكنها وضعت أسس القيم الجميلة، سياسيا واجتماعيا، بعد أن ساد النفاق والرياء، وأضحى المجتمع مهددا في عمقه الثقافي، فكانت انعكاسات أحداث ماي 1968 إيجابية رغم كل الخسائر البشرية، لأن الهدف كان إخراج فرنسا من بوثقة الهزال الفكري والأيديولوجي نحو التحرر في أبعاده الإنسانية ومناصرة الشعوب المستضعفة والمستعمرة، وبالتالي نصرة الإنسانية وقضايا الإنسان متجاوزة بذلك الطروحات التقليدية للحزب الشيوعي. وقد سجلت أحداث ماي 1968 مشاركة وتفاعل إيجابيين للعديد من المثقفين، ومنهم الفيلسوف جون بول سارتر الذي تم اعتقاله ليثبت النظام العسكري بلادته، ثم نزل الفيلسوف ميشيل فوكو للشارع أيضا، والفنانين جيل دولوز وإيف مونتان وغيرهم، وعيا منهم بأن المجتمع في حاجة لمثقفيه دوما، خاصة في مثل هذه المنعطفات التاريخية ليشارك في تأطير صناعة المستقبل، هذا وقد شهدت فرنسا إبان هذه الانتفاضة إصدار عدد من البيانات تعبر عن مطالب الشعب، وقد كان الطلبة يجتمعون داخل الحرم الجامعي بجامعة السربون، ومن أهم هذه البيانات، البيان 121 المناهض للمشاركة في الحروب وتحريض الفرنسيين على عدم الانصياع لقوانين الجندية وعدم المشاركة في الجيش، وهو البيان الذي صاغه الروائي والناقد والفيلسوف الفرنسي Maurice Blanchot ووقعه عدد كبير من المفكرين منهم، سارتر …

وأجزم أن عددا كبيرا من المثقفين، عبر العالم، وخلال مشوار الحضارة الإنسانية، وعبر تاريخ الشعوب، أخلصوا لقضايا الجماهير التي ينتمون إليها، رغم ما كانوا يشعرون به، بين محطة وأخرى، من خذلان وعدم اعتراف بالجميل، وهم كثر ….

صمت المثقف المغربي تجاه القضايا والتحولات التي يعرفها مجتمعه، دليل علة فاشية فيه، هي كونه منكمشا سطحيا ضيق الأفق لا يحمل مشروعا، وبالتالي لا يمكن أن يعول عليه، فمهما بلغت درجة معرفته، إن لم ينصهر ويتفاعل مع قضايا مجتمعه، فلا فكر له، تحكمه عقلية السفسطائية، فيوجه سلاحه “المعرفي” و”الإبداعي” نحو خدمة من يمتلك السلطة والمال ضد الجماهير ومواقفها، وبالتالي، فالمثقف بهذا المعنى لا يحمل رسالة، في الوقت الذي يمكن للمثقف، داخل إطاره، أن يكون ذا حظوة ومكانة رفيعة تغنيه عما سواها بفضل الدور التاريخي الذي يمكن أن يلعبه داخل المجتمع، فالذي جعل من الفلسطيني محمود درويش شاعرا كبيرا، هو القضية والمشروع الفكري الذي استمر في حياته وبعد مماته، ثم المصري فرج فوذة وزميله حامد أبو زيد، لأن هؤلاء حملوا قضايا شعوبهم، تواقة للتحرر، وغيرهم كثر ممن حملوا على عاتقهم هم زرع القيم مبثوثة بين ثنيات المجتمعات. وفي المغرب نجد ثلة قليلة جدا من المثقفين الذين يعبرون عن مواقف واضحة تجاه قضايا المجتمع، سواء من داخل هيئات محسوبة على الفعل الثقافي، والتي أضحت مثل العجوز الشمطاء التي لم يعد ينفع معها ماكياج ولا مساحيق، مثل اتحاد كتاب المغرب الذي أصابه الهزال منذ زمن غير بعيد وأضحى يقوم بدور وكالة الأسفار وينوب عن الجهات الرسمية بدعوى تمثيل الوطن، تقوده كمشة من المثقفين الذين ضربنا بهم الأمثال للناس في هذا المقال المتواضع …

ذات السياق يدعونا لاستحضار مواقف المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي الذي يعتبر أحد قياديي الحزب الشيوعي البارزين، وهو الذي نظر لمثقف العضوي، ومع ذلك ثار ضد تسلط الحزب الشيوعي وغطرسته ودغمائيته الماركسية، فعرف فكره التغييب عقودا، ولم ير النور إلا في وقت متأخر في عدد من دول أوروبا وأمريكا اللاتينية، وفي وقت لاحق بين أحزاب اليسار بالدول العربية ليتقهقر في وقت جد وجيز. والمثقف العضوي، حسب جرامشي، صاحب مشروع ثقافي يتمثل في الإصلاح الثقافي والأخلاقي، عكس المثقف التقليدي. هذا هو المثقف صاحب الرؤيا، يلامس قضايا المجتمع ويتنبأ بما ستصل إليه الأوضاع، فيترجم ذلك عبر منتوج معرفي وفكري وأدبي، ونضرب مثلا بالروائي العربي عبد الرحمن منيف وصديقه جبرا إبراهيم جبرا من خلال أعمالهم الروائية …. لأن دور المثقف هو الرفع من مستوى الوعي بين أفراد الجماهير الشعبية بعيدا عن الهيمنة الحزبية وتأثير السلطة بشتى تجلياتها والطرقية التي تبثها الزوايا …

يجرنا الكلام هاهنا للحديث عن المثقف المغربي وموقعه من قضايا مجتمعه؟ كيف يتفاعل معها؟ العديد من المثقفين تشرئب أعناقهم نحو كراسي السلطة فينأون عن دورهم في الإنتاج المعرفي والفكري والإبداعي الخلاق؟ أين هو المثقف المغربي من دوره في إلهام الجماهير؟ كتابات كثيرة بسطت بظلالها على فكر المجتمعات وغيرت من عقلياتها وأنارت طريقها نحو التفكير الحر الموضوعي؟ لماذا يكتفي المثقف المغربي بالصمت والحياد السلبي؟

يتمثل لي المثقف المغربي، من هذه الطين، وكأنه يسعى لإقناع من حوله بأن “البهموت” حقيقة وليس خرافة، وهو اسم لحوت كبير يحمل الأرض، يشبه فرس النهر.

 

 

بقلم: د. محمد حماس

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رسالة إليّ/ بقلم: أميمة يوسف 

رسالة إليّ/ بقلم: أميمة يوسف  ــــــــــــ ضاع   الطريقُ  فلا   لومٌ  ولا   عتبُ ...

هَمَساتٌ في صَدْرِ السكون/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

هَمَساتٌ في صَدْرِ السكون/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ……………………………… وأنا مُستلقٍ ...

رحيل دون وداع / بقلم: ربى محمود بدر

رحيل دون وداع / بقلم: ربى محمود بدر ــــــــــــــــــــ داخلي حروفٌ تحتضر ...

حوار مع الشاعرة السورية رُبا مالك وقاف/ أجرى الحوار: أحمد السلايطة

حوار مع الشاعرة السورية رُبا مالك وقاف/ أجرى الحوار: أحمد السلايطة ــــــــــ ...

أبتاه…/ بقلم: نرجس عمران

أبتاه…/ بقلم: نرجس عمران ــــــــــــــــــــــــ وهذا العمر إذ يقسو يقول  بغير أبيك ...

أنطون شماس الشاعر والمعرِّب/ بقلم: شاكر فريد حسن

أنطون شماس الشاعر والمعرِّب بقلم: شاكر فريد حسن ـــــــــــــــــــــــــــــ عرفنا الشاعر والمعرِّب ...

عظماء من بلادي(طه حسين)/بقلم: د. منى فتحي حامد

 عظماء من بلادي بقلم: د. منى فتحي حامد ــــــــــــــــــــــــــــ عميد للأدب بالوطن ...

صدور ديوان “في ضِيافة غودو” للشاعرة والأديبة والدكتورة الجزائرية نُسيبة عطاء الله

صدور ديوان “في ضِيافة غودو” للشاعرة والأديبة والدكتورة الجزائرية نُسيبة عطاء الله ...