الرئيسية / قصة / البحر والنورس/ السيد الزرقاني

البحر والنورس/ السيد الزرقاني

البحر والنورس

 

 

– كانت الغيوم تغطي سماء المدينة ،كان المطر ينهمر بشدة ،المياه تغطي مساحات كبيرة من أرصفة الشارع ، المارة يتسابقون في الهروب من غزارة الأمطار ،الكل يبحث عن مظلة يختبئ أسفلها لحين توقف المطر ،كان الشيخ “محمود “يحاول أن يفرش غطاء بلاستيكيا علي بضاعته ، خوفا من أن يصيبها العطب بفعل مياه الأمطار ،اقتربت منه ” هدير ” تلك الفتاة  التي جاوزت العشرين عاما تحاول الاختباء في مدخل المحل حيث كانت في طريق عودتها إلي منزل زوجها في حي ” العجمي ” استأذنت منه فسمح لها بالوقوف  تحت مظلة المحل  ، أخذت تنظر إليه فهو جاوز السبعين عاما ويمارس تجارته دون مساعد منذ زمن طويل ، تذكرت والدها الذي رحل في حادث سيارة حيث كان يعمل في إحدى الشركات التجارية ويسافر إلى القاهرة والمدن المختلفة ليحضر البضائع ، كانت تجلس بجوار أمها في حالة انتظار دائم في كل سفر له ، كان يعانقها في كل عودة ويمنحها بعض من الهدايا أو الأموال حتي كبرت وأصبحت هداياها ملابس وفساتين ، كان يلقبها دائما بالعروسة ، وكانت هي سعيدة بتلك المداعبات الابوية ، كان يحلم بها في ليلة الزفاف إلا ان الموت حال دون حضوره حفل زفافها علي الشاب الذي ظل أعوام كثيرة يطاردها بحبه وكانت تتمنع منه وتسوق الدلال عليه إلا ان إصراره عليها وتمسكه بها كان هو السبب الاساسي الذي جعلها توافق علي الارتباط به  ، بكت في ليلة الزفاف ، كانت تطمع في تواجد أبيها ، انه الموت الذي يفرق الاحباب ، لمحت  الشيخ “محمود “وهو علي وشك الانزلاق بفعل المطر وهو يفترش الغطاء علي البضائع  نادت عليه إلا انه سقط علي الارض وقد ارهقه  التحرك والتنقل ليتأكد من احكام الغطاء جرت اليه لتأخذ بيده وتساعده علي النهوض مرة اخري ، كان الالم شديداً لقد التوت قدمه تحته اثناء  الانزلاق ، لمحت الالم في عينه حاولت اخذ يده لتعيده الي داخل المحل  الا انها فشلت ، لمحت شاب يجري في الشارع هربا من الامطار  نادت عليه  ليساعدها في رفع الشيخ محمود الي داخل المحل ، جاء الشاب مسرعا اليها ، حمل الشيخ وادخله الي المحل ن كان الالم شديد ، طلب الشيخ منهم الاتصال بالإسعاف لأنه يشعر يان قدمه انكسرت  او لحق بها شيء من هذا القبيل ، سالته والمحل ؟

 

– سأتصل بابن اخي ليحضر ويشرف علي المحل حتي اطمئن علي قدمي ، المطر بدء في الانحصار شيئا فشيئاً، تركته بصحبة الشاب وخرجت الي منزلها وهي تفكر في هذا العجوز الذي يصر علي البقاء في دائرة العمل والاجتهاد وهناك ألاف من الشباب يتنكر لمهنة التجارة او اي عمل حر ، حاولت اسراع الخطوات حتي لا يلاحقها المطر مرة اخري ، وصلت الي منزلها وجدت ابنها في الانتظار خلف باب الشقة ضمته في حضنها واخذته الي غرفة نومها حتي تخلع ملابسها المبللة  من ماء المطر ، الطفل يلاحقها طمعا في الهدايا او الشكولاتة التي طالما حضرت تخرجها من حقيبتها ، اعتذرت له فلم تتمكن من احضار أي شيء اليوم بسبب المطر ، اخبرته بانها ستتصل بابيه يحضر معه الحلوى فهي لا تسطيع الخروج مرة اخري ، وقفت امام المرايا تنظر الي جسدها فردت شعرها الذي بدي كثيفا علي كتفها  رفعت حمالة الصدر قليلا وشدت بطنها فبدي  جسدها ممشوق في نضارة الشباب  ، أحست  برغبة في حضن زوجها الغائب كم كانت تحلم قبل الزواج بالانتظار خلف باب الشقة في انتظار زوجها حبيبها حين عودته من العمل لتحتضنه وتتعلق برقبته في حب واشتياق  ، الا ان كثير من تلك الاحلام تبخرت في غياهب العمل المتواصل منها ومنه فهو يعود كل مساء منهك من العمل في تركيب البلاط والقيشاني والخناقات مع الزبائن او الانفار معه هو بالفعل  في طحونه العمل منهك فلا تجد منه ما تبتغي من حنان ودلع المراءة في حضن زوجها ، حيث يأتي المساء منهك من العمل  نجهز له حمامه الدافئ يأخذه ويلحق الفراش في استرخاء النوم المتعطش له من المجهود الذي يبذله طوال اليوم  الا في بعض الليالي  يطلبها في تودد بعد ان يشعل سيجارته المعتادة  والتي لا تخلوا في بعض الايام من بعض المخدرات  التي زادت من ضياع صحته رغم تحذيرها له منذ اليوم الاول لزواجها منه فهي لم تكن تعرف انه يتعاطى تلك المكيفات  والتي تسرف الكثير من دخلة مما اضطرها الي الاستمرار في عملها خصوصا بعد انجابها ابنها  الاول وطلب منها كثيرا ان تأتي بطفل ثاني الا انها رفضت  معللة بانها لا تستطيع رعاية طفلين في هذا الوقت وطلبت منه الصبر حتي يكبر ابنهما الاول ، تركت المرآة وجلست علي اطراف السرير وطفلها مازال يعبث في حقيبتها  بحثا عن الحلوات وهي مازالت تبحث بداخلها عن رغبة تكاد تفقدها العقل ، القت بجسدها علي السرير في امتداد طولي  وحاولت الاسترخاء والنوم الا ان طفلها ابي ذلك فصوته يرن في أذنيها يطالبها بالحلوى ، قررت ان تذهب الي المطبخ  لتعد له شيء من الطعام او الشراب يلهوا فيه لينسي تلك الحلوى التي حالت الظروف  عليها شراءها اليوم ، امسكت الهاتف وطلبت زوجها  لتخبره ليأتي بالحلوى لابنهما  رد علها في تودد بالقبول  فهو يحبها ولا يرفض لها طلب من ان رآها وهي عائدة في ذات الايام من المدرسة وعينه لم تري سواها  وكانت سعادته لا توصف عندما وافق علي الارتباط به  هو عطوف خجول حنون ولكن العيب الوحيد الذي ينغص عليها راحة البال وعدم الامان هو المخدر الذي  يتعاطاه  مع السجائر  التي يدخنها بشراهة، طلبت منه مرار عدم شرب تلك الاشياء في المنزل استجاب لفترة الا انه عاد مرة اخري الي سابق عهده وان أعصابه التي ادمنت تلك المادة  اصبحت عاصية علي الامتناع عنها لفترة ، نصحتها بعض الصديقات بترك البيت إلا انها رفضت الفكرة نهائيا لأنها اعتادت علي وجوده في حياتها وان امها المسكينة قالت لها يوم زواجها بيتنا مفتوح لك ضيفة ام بيتك من الان هو مملكتك الخاصة كوني انت الملكة وزوجك هو القيصر ، اغمضت عينيها وفردت طولها علي السرير وتذكرت اول ليلة لها علي هذا الفراش  في احضان زوجها ،  وظل النورس علي شاطئ البحر ينشده  الفوران والبقاء وظل البحر يسأل النورس الا مللت من طول الانتظار

إجابه النورس لا حياتي هنا والبقاء؟

 

بقلم: السيد الزرقاني

 

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ريبر هبون يباغت العتمة بالنور / بقلم: حمود ولد سليمان

ريبر هبون يباغت العتمة بالنور بقلم: حمود ولد سليمان “غيم الصحراء” ـــــــــــــــــــ ...

الأمطار اللامبالية تزيل مستحضرات التجميل للشاعر تانغ تشنغ ماو/ ترجمة: شروق حمود

, THE CARELESS RAINS WASH AWAY THE COSMETICS الأمطار اللامبالية تزيل مستحضرات ...

شوق يشدني من قلبي/ بقلم: جودي قصي أتاسي

شوق يشدني من قلبي بقلم: جودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــــ شوق يشدني من ...

إلهام…/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

إلهام… بقلم: عصمت شاهين دوسكي ـــــــــــــ صوت الحرمان يملأ جراح الظلام الشوق ...

ومنذ أول قُبلة فيها/ بقلم: زهرة الطاهري

ومنذ أول قُبلة فيها/ بقلم: زهرة الطاهري ـــــــــــــــــــــــ راق لي أن أبعثرك ...

أنشودة ماء / بقلم: نرجس عمران

أنشودة ماء / بقلم: نرجس عمران ـــــــــــــــــــــــــ بين حقول العمر تجري كساقية ...

لم يبق مني/ بقلم: أمل نصر الدين

 لم يبق مني بقلم: أمل نصر الدين ـــــــــــــــــــ كرحمٍ موبوء يسلح فيه ...

هلال الحبّ / بقلم: أميمة يوسف

هلال الحبّ / بقلم: أميمة يوسف ـــــــــــــــــــ هلال الحبّ    في   عينيكَ   منه ...