الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / الأسرار المشفرة في نادرة المفتي/ رشا هلال السيد أحمد

الأسرار المشفرة في نادرة المفتي/ رشا هلال السيد أحمد

الأسرار المشفرة في نادرة المفتي

 

من خوارق الشعر العمودي التي كتبها الشاعر الشريف أسامة المفتي عام 1967

بعد سقوط القدس قصيدة بعنوان (هِمم) وهي من القصائد التي تقرأ طرداً من الأعلى للأسفل وتكون مدحاً وعكساً من الأسفل للأعلى وتكون ذماً وهي تعتبر من أصعب أنوع النظم العمودي لما تحتاجه من قدرة هائلة في ضبط المعنى وعكسه والموسيقا والوزن في الحالتين لذا نجد هذا النوع من نوادر الشعر:

هِمَمٌ

غَنِمُوْا فَمَاً حُطَّتْ لَهُمْ هِمَمُ … نُصِرُوْا فَمَا هُزَمَتْ لَهُمْ أُمَمُ

حَلِمُوْا الَّذِيْ نُلْنَا فَمَا وَهِمُوْا… صَبَرُوْا فَمَا صَدَّتْ لَهُمْ حِمَمُ

عَلِمُوْا فَمَا ضَلَّتْ بِهِمْ سُبُلٌ .. صَلُّوْا فَمَا ضَرَّتْ بِهِمْ صَنَمُ

حَسَمُوْا الَّذِيْ خُضْنَا فَمَا يَئِسُوْا … وَثَبُوْا فَمَا لَانَتْ لَهُمْ عَزْمُ

هَجَمُوْا فَمَا حَانَتْ لَهُمْ نَصْرُ… صَمَدُوْا فَمَا أرْدَى بِهِمْ حَطَمُ

نَقِمُوْا فَمَا غُصِبَتْ لَهُمْ قُدْسٌ … دَانُوْا فَمَا ضَاعَتْ لَهُمْ ذِمَمُ

قَسَمُوْا الَّذِيْ عَهْدِيْ بِهَا نُقِضَتْ.. حَفِظُوْا فَمَا نَقَصَتْ لَهُمْ شِيَمُ

قَامُوْا فَمَا غَطَّتْ بِهِمْ نَوْمُ …. قَصَدُوْا فَمَا عَرَجَتْ لَهُمْ قَدَمُ

عَزَمُوْا فَمَا حَلَّتْ بِهِمْ نُوَبٌ .. ظَفِرُوْا فَمَا خَارَتْ لَهُمْ هِمَمُ

عَشِمُوْا فَمَا خَابَتْ لَهُمْ رامُ … ذَكَرُوْا فَمَا حَلَّتْ بِهِمْ نِقَمُ

رَسَمُوْا الَّذِيْ رُمْنَا فَمَا تَاهُوْا .. عَبَرُوْا فَمَا مَنَعَتْ لَهُمْ قِمَمُ

لَزِمُوْا فَمَا سُلِبَتْ لَهُمْ أَقْصَى .. حَرِصُوْا فَمَا ضَاعَتْ لَهُمْ حَرَمُ

عَلِمُوْا فَمَا غَمَضَتْ لَهُمْ عَيْنٌ .. جَهِدُوْا فَمَا صَابَتْ بِهِمْ سَقَمُ

وهي من القصائد الفريدة بأسلوبها وروعتها وتشفيرها مدمجة بقصيدة أخرى معها , إنه خطاب شعري إخباري يستفزك لتقف عند كل كلمة وتتسأل بعين عميقة

ماذا يعني وإلى أي مدى بعيد يذهب بقصيدته العصماء هذه في الإخبار عما يريد هو وملايين من الشعب العربي ؟!.

إذ كتبها الشريف الشاعر أسامة المفتي بعد سقوط القدس بشهرين وبضعة أيام وكان حينها قد قاتل العدو الإسرائيلي بشراسة مدافعاً عن القدس وأرض فلسطين , وعاد ليلتحق بالجيش بعد أن بقي هناك ستين يوما ينتظر عودة الجنود لاستعادة القدس، و طال انتظاره ولكن لم يعودوا لاستعادة المدينة المسروقة، فعاد ملتحقا بكتيبته في الأغوار مثقلا بالقهر والوجع والخيبة الشديدة مما حدث يجر أحلام قتلها عربية مكسرة، وأي خيبة أكبر من سقوط قدس الأقداس، كان داخله يغلي غضباً وصمتا ً يحار بما حصل ككل شرفاء الأمة ومناضليها الأحرار اللذين خذلتهم الحرب.

 

زيارة الملك الحسين

في هذه الأثناء جاء لتفقدهم في الأغوار الملك حسين ملك الأردن بعد سقوط القدس وعودة الجنود خاسرين من أرض المعركة، حيث كان المفتي ضابطا في القوات الأردنية، فطلب منه (الشريف ناصر ابن جميل) إلقاء كلمة في استقبال الملك في غور الأردن، ولكن لم يبقى لوصول الملك حسين إلا أقل من ساعتين ولا وقت للكتابة المتأنية مع الاستعداد لاستقباله.

وحضر الملك حسين، واستقبلته الكتيبة كاملة كما أستقبله الضابط الشاعر المفتي مع بقية زملائه الضباط و الجنود في الموقع العسكري في الأغوار (( يقول المفتي في أحد مدوناته : كان الملك حسين مقهوراً جداً لاحتلال القدس شأنه شأن جنوده البواسل، لكن لم يكن بالمستطاع أكثر مما فعله هو وجنوده الأبطال , لأسباب عسكرية كثيرة وغيرها من الأسباب الخارجة عن إراداته، وآلمه أن تُحتل القدس كما ألم ذلك الشعب العربي كاملة، فالأمر كان يتعدى إرادة الملك وجنوده وإرادة الأردن قاطبة , وكان يعرف المفتي شعور ملكه ورأيه جيداً بمن تخلى عن القدس من الحكومات العربية الأخرى )) ووقف المفتي يلقي كلمته،  قصيدة عصماء ارتجالاً دون كتابة، ولحسن الحظ كانوا يستخدمون المسجلات الصوتية فسُجلت القصيدة، ثم دونها صديق له بعد تسجيلها ولو لم تسجل لما كتبت القصيدة و ربما كانت ستكون في طي النسيان

فكانت القصيدة درة شعرية فريدة، إذ تعد تجلّي رفيع المستوى وجدا وبكلمات جزلة تنث منها جزالة المعلقات القديمة

فحين قرأتها وجدتها تقرأ بوجهين متناقضين تماماً كعادتي حين أشاهد لوحة أقلبها على الجهات الأربعة لأرى ما أخفاه الفنان من رسائل مشفرة بالخفاء لدراسة الفن التشكيلي تأثير على الأدب لدي دون شك.

وجدت القصيدة تقرأ أفقيا أي من الأعلى للأسفل ورئسياً من الأسفل معكوسة للأعلى دون أن تختل القصيدة وموسيقاها ودون زحزحة للكلمات، فتقرأ أفقيا من الأعلى للأسفل فتكون مديحا، وتقرأ من الاسفل معكوسة للأعلى فتكون هجاء …. الله الله يا لهذا الجمال الفريد!

فأنا رغم إطلاعي الكبير على نفائس الشعر العربي والعالمي لم أرى مثل ذلك إلا عند سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجه جد المفتي، فقد قرأت في نهج البلاغة قصيدة تقرأ بنفس الطريقة أفقيا ورئسيا كمدح في القراءة الأفقية وهجاء معكوسة في الرَأسية وكأنه عارضها دون أن يدري، أورد بيتين لـ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نقرأها أفقيا ورئسيا ًمعكوسة ليتحول المدح ذم

((حلموا فما ساءَت لهم شيم ** سمحوا فما شحّت لهم مننُ

سلموا فلا زلّت لهم قــــدمُ ** رشدوا فلا ضلّت لهم سننُ ))

أما شاعرنا المفتي في مطلع القصيدة أفقيا يقول

غَنِمُوْا فَمَاً حُطَّتْ لَهُمْ هِمَمُ … نُصِرُوْا فَمَا هُزَمَتْ لَهُمْ أُمَمُ

حَلِمُوْا الَّذِيْ نُلْنَا فَمَا وَهِمُوْا… صَبَرُوْا فَمَا صَدَّتْ لَهُمْ حِمَمُ

لو قرأنا أبيات المفتي معكوسة وكتبناها تصبح

أممُ لهُم هُزَمتْ فما نُصُروا .. هِمَمُ لَهُم حُطّت فما غَنِمُوا

حِممُ لهُمْ صَدَّتْ فما صَبَرَوا .. وهِمُوا فَما نُلْنَا الذي حَلِمواٌ

ففي المعنى الأول للبيتين كان يقول مديحا ً يتغنى به بأمجاد الأمة وهي أنهم انتصروا وغنموا النصر قبل أي شيء، فارتفعت بها النفوس وتطلعاتها عالياً فوق كل ما يعيقها فانتصرت، وبارتفاع هممهم لم يستطع أحد هزيمتهم، وفوق نصرهم وغنيمتهم تدبروا أمر نصرهم وغنائمهم وما نالوه بحلم وتعقل كبير، فبهذا حفظوا قوتهم وجاههم وسلطانهم من التفرقة والغلبة، وفوق حلمهم صبروا في جهادهم ضد أعداء الأمة، فما ردت لهم ضربة ألا وكانت صائبة بأذن واحد أحد فكان النصر حليفاً لهم.

وما أراه هنا أن الشاعر في أرض الواقع كان قلبه مد كاسح من الغضب مثله مثل المليك مثل بقية الضباط والجنود، بعد الهزيمة التي مًنينا بها بعد احتلال القدس، أيعقل أن يكون هذا مدح جماعي لجماعة مهزومة مغلوبة تركت أرضها تُسلب ؟!! .

حتما ليسوا هم المقصودين أنما قصد العرب اللذين أمنوا بنصرهم وقاتلوا واستعادوا القدس، وكأنه يقصد صلاح الدين الأيوبي ومن رافقه للجهاد ومن سبقهم من أبطال الأمة، هؤلاء هم المجاهدون اللذين كانت لهم الفتوحات الإسلامية بحر لا يتوقف من الانتصارات رغم التعب والوصب الكبير، لكنهم بتوحيدهم وبصبرهم وحلمهم كانوا ينتصرون.

أولئك من قصدهم المفتي في مقدمة قصيدته أولئك وتابع بمدحهم حتى نهاية القصيدة بخطابه الشعري المتأجج بغضبه، حتى في البيت الثالث والرابع يقول لقد خططوا جيدا لحربهم فما ظل جهدهم أبدا واتقوا الله حق تقاته فما ضرتهم الأصنام، والمقصود بها أعداء الأمة التي تسير على ظلال.

أولئك هم الأبطال اللذين خاضوا حروب حاسمة، فما تباطأت لهم همة وما يأسوا من النصر، وتابعوا قتالهم رغم المخاطر دون أن ينال من عزيمتهم شيئا، أولئك من يُكتب لهم الله النصر وأولئك من مدحهم المفتي.

أنه يؤكد من جديد أن الذي هاجم الفرنجة وحرر القدس هو صلاح الدين الأيوبي وجنده اللذين هاجموا وبكل إيمان وبأس وتصدوا وصمدو فما تأخر عنهم النصر ويستمر برأيه الحق بهم

فيقول أولئك اللذين حشدوا داخلهم القوة والثقة بالله وبأنفسهم نصر القدس، فنصرهم الله ولم يضيع لهم جهداُ وكفاحاً وعملاً وحفظوا أرضهم فما سلب لهم بذلك مكرمة من مكارم أخلاقهم وعزتهم

أولئك اللذين لم يناموا عن الدفاع عن قدسهم ومقدساتهم وأرضهم وقصدوا باب الجهاد فما ردهم الله عن بابه إلا منتصرين

أولئك اللذين قاموا للجهاد بعزيمة لا تقهر وأملوا بالله فما ردهم خائبين

هم من كان يقصدهم حتى آخر القصيدة، وليس قادة تخلوا عن عن قدس مدائنهم وعن أرضهم وكرامتهم ورضوا بالسلب حياة، ولو جمعوا عزيمتهم ووثقوا بالله ناصرا لنصرهم، لكنهم ما وثقوا وما جاهدوا في سبيله حق الجهاد.

قراءة القصيدة رأسيا

ولو عدنا وقرأنا القصيدة معكوسة، بشكل رأسي من آخر كلمة لأول كلمة كما في البيتين الأولين لوجدنا قصيدة مشفرة بالأولى فكأنما عملة بوجهين

أممُ لهُم هُزَمتْ فما نصروا .. هِمَمُ لهم حُطت فما غَنِمُوا

حِممُ لهُمْ صَدَّت فما صبَرَوا .. وهِمُوا فَما نُلْنَا الذي حَلِمواٌ

أنها قصيدة هجاء لواقع مؤلم منكوب مسلوب مغلوب، فها هو يقول لقد هُزمَ لكم أيها القادة شعوبٌ وإخوانٌ هاهنا، لكنكم تخليتم عنهم وما نصرتموهم، وما صبرت على تصدي ضربات الحرب بل وليتم الأدبار، بعد أن هانت عزائمكم وخارت من ضعف إيمانكم، فما استطعتم تحقيق ما أملتم به من نصر، ويستمر الهجاء قويا من قلب شاعر محرق بالوجع على وطن سُلب حتى آخر القصيدة.

أني لأراها قصيدة من عيون الشعر العربي القديم حتى الآن لو نظرنا لبنية القصيدة:

لوجدناها مترابطة بقوة متسقة مع سردية الحدث وموسيقا متفردة بذاتها وكلماتها مختارة بعناية فائقة، وجاءت بأسلوب إخباري قوي استخدم بها ألفاظ جمعية جزلة تتحدث عن حالة شعور وقادة مثلا قال غنموا …. نُصروا …. حلموا …. صبروا

علموا …. صلوا …. حسموا …. يئسوا …. وثبوا

كلها أفعال ماضية جمعية إخبارية شرطية فعل يستوجب آخر (غنموا…. الجواب فما حُطت) كلها تتكلم عن واقع مر لأمة كاملة وبشكل قوي وحاد وغاضب، وكيف لا وهو المجاهد الذي ظل مرابطا ستين يوما في ساحة النضال بعد سقوط القدس على أمل أن تعود الجيوش العربية لاسترجاع حقها ولكنها لم ترجع !! .

في الختام

يظل الشاعر هو نبض الأمة المتقد وضميرها الحي الذي لا يرضى بالانهزام وصوت الحق لكل مواطن ولكل صاحب حق

لعمي المفتي صوت الأحرار أقول: صوتك الحر ما زال يتقد عالياً في قصائدك وسيظل أبدا الدهر عاليا فالشعراء لا يموتون فكيف إذ كانوا أحراراً مجاهدين.

 

بقلم: رشا هلال السيد أحمد

 

درزدن / ألمانية

الأحد

22 .10 .2017

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

” ِبساطُ الرِّيح وَالدَّواءُ العجيب ” قصة للأطفال من تأليف الأديب سليم نفاع 

” ِبساطُ الرِّيح وَالدَّواءُ العجيب ” قصة للأطفال من تأليف الأديب سليم ...

في ضيافة النحويين/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

في ضيافة النحويين بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ــــــــــــــــــــ   أشهر النحويين ...

حوار مع الشاعر السوري محمد زادة / أجرى الحوار: نصر محمد

حوار مع الشاعر السوري المغترب محمد زادة   أجرى الحوار: نصر محمد ...

تجليات إنسانية للشاعر عصمت دوسكي/ بقلم: أحمد لفته علي

حديث الشوق والحجر تجليات إنسانية للشاعر عصمت شاهين دوسكي * يصرخ في ...

قارئة الفنجان/ بقلم: مفيدة الوسلاتي

قارئة الفنجان/ بقلم: مفيدة الوسلاتي ـــــــــــــــــــــــــ هَذَا هو الزّمان الذي حَدّثتك عَنه ...

والنساءُ ظنونُ/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

والنساءُ ظنونُ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ـــــــــــــــــــــ ربما كان نزار قباني ...

عالم لا يصلح للملائكة/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

عالم لا يصلح للملائكة بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ـــــــــــــــــ   عندما ...

نصر محمد يحاور الشاعر السوري محمود زكي

حوار مع الشاعر السوري محمود زكي أجرى الحوار: نصر محمد ـــــــــ في ...