الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / محطات روائية… لماذا بكى ماركيز بعدما قتل العقيد بوينديا؟!/ كريم السماوي

محطات روائية… لماذا بكى ماركيز بعدما قتل العقيد بوينديا؟!/ كريم السماوي

محطات روائية… لماذا بكى ماركيز بعدما قتل العقيد بوينديا؟!..

 

بعدما أنهى غابريل غارسيا ماركيز روايته ” مئة عام من العزلة ” جاء إلى زوجته مرثيدث بوجه مكفهـّـر وعيون مُـثقلة بالحزن وقال:” لقد قتلتُ العقيد بوينديا.. لقد قتلت العقيد بوينديا “. ثم صعد إلى غرفته وبكى بنحيب ثم نام.

وقد يبدو السؤال التالي ساذجا:” لماذا بكى ماركيز “؟!..

والحقيقة أنّ الكاتب وهو يخلق عالـَـمه بعدما ينضجُ في أعماقه ببطء، يبدو أنـّـه يتحكم بذلك العالـَـم، وبعدما تكتمل صورته الخارجية ويخرج إلى الوجود يعتقد الكاتب أنّ هذا العالـَـم الذي بناه ينتمي إليه كخالق له، ولكنّ الحقيقة الكبرى التي تبرز حينها هي أنّ الكاتب ينسل شيئا فشيئا مع نهاية اكتمال عالـَـمه إلى داخله ويصبحُ جزءا منه، ومن حيث يدري أو لا يدري يصبح الكاتب نفسه ينتمي إلى ذلك العالـَـم، بعدما كان ذلك العالـَـم ينتمي إليه كخالق له .. بل إنّ ذلك العالـَـم الجديد يمارس ” فعل الجبر ” على الكاتب، وهو ما انطبق على ماركيز هنا! فاضطر إلى قتل بطل روايته ” بفعل الجبر ” وهو الأمرُ الذي جعله يندم، ويحزن، ثم يُفجّر حزنه في بكاء مُر مصحوبا بتأنيب ضمير وعذاب، ولكن الكاتب فيما بعد وعندما يُشاركه آخرون في التأسف وربما البكاء على نفس الحدث يشعر بالانشراح والثقة لأنه أنهى روايته كما يجب أو قل كما فرضه عليه ”  فعل الجبر”.

وهذه التجربة مرّ بها غير واحد من الروائيين، وحتى كاتب هذه السطور مرّ بالتجربة، وها أنا أعترف أنها كانت تجربة مريرة وأقر أنـي بكيتُ طويلا بعيدا عن عيون الآخرين، بكيتُ بحرقة وألم، ولنفس الأسباب السابقة التي مرّ بها ماركيز بعدما أنهيت روايتي ” سلوبودان ” الصادرة سنة 1988 والتي تدور أحداثها في يوغسلافيا ولبنان، فقد قتلت بطلها ” سلوبودان. ” بما يتطلبه فعل الجبر كسياق منطقي بل وحتمي للرواية.

ففي الفصل الأخير من الرواية الذي امتد على مدى 12 صفحة وحمل الرقم 26 من الرواية، وجدت أن بطل الرواية ” سلوبودان ” الصحافي اليوغسلافي الذي جاء ليغطي أخبار الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد أن أنجز مهمته، وعلم بخبر تدهور صحة جدته فيرا، البطلة التي يكن لها الشعب اليوغسلافي احتراما كبيرا لمساهمتها في تحرير يوغسلافيا التي دفعت مليون ونصف المليون شهيد لتتحرر من نير الاحتلال، أراد بعدها سلوبودان أن يغادر لبنان في أسرع وقت، ليلتقي بجدته قبل أن تموت، وبينما هو يتجول في بيروت عند خطوط التماس للمرة الأخيرة، ويشاهد كل ذلك الخراب الذي خلفته الحرب، شاهد رجلا جريحا يوشك على الموت، فأراد مساعدته، وحين احتضنه ليبعده خلف المتاريس القريبة أولا، انطلقت فجأة رصاصة أصابت سلوبودان نفسه، وصار يحتاج إلى المساعدة أيضا، ظل طوال الليل ينزف، دب في جسده الوهن، وأحس أن كل شيء من حوله ينزف، ظل هكذا حتى سمع آذان الفجر الذي عرفه أول مرة في قريته المتسامحة دينيا، تذكر خلالها أمه التي تنتظره، وأبو الشهيد، وجدته المريضة التي أحبها كثيرا، وكان يخشى أن ترحل وهو بعيد عنها، كما تذكر ابنه زوران وهو ينطق جمله الأولى التي يخاطبه بها.

نظر سلوبودان طويلا إلى الجهة التي انطلقت منها الرصاصة، خاطب القنـّـاص كأنه يحاوره:” يا ترى كم عمرك أيها الوحش؟ لم أكن أتصور أن يحقد إنسان على آخر لا يعرفه كل هذا الحقد، أنت أيها القابع هناك لابد أن روحك ماتت مع موت أول ضحية! هل يمكن أن تشعر بحزن ما؟! ما أتعس الأمة التي تعيش وحفنة من أبنائها هوايتها القتل!!.. “.

.. تذكر جدته وهي تقص عليه حكاية عن الحرب، وبصوتها الناعم حكت له عن جنون الحرب، عن جندي ألماني تشبعت غرائزه بحب القتل، بعد أن أصبح ذلك عمله اليومي، وعندما لم يجد أحدا يقتله، قتل رفاقه، ثم قتل نفسه.  قالت له:” هكذا هي الحرب يا ولدي يمكن أن تدمر الإنسان من الداخل أيضا!!..”.

وفي الصباح وبعد أن غمر المكان بضوء النهار، وجدوا سلوبودان ميتا، وخلفه خيط من الدم، وبدمه كتب على الأرض كلمة ” السلام.. “. هنا بكيت أنا كاتب هذه السطور بحرقة، بكيت طويلا، ولكني بعد أن وجدت العديد من القراء وهم يخبرونني بأنهم بكوا أيضا، وأعادوا قراءة الفصل الأخير للرواية مرارا، عندها أيقنت أني كماركيز دفعني ” فعل الجبر ” لأنهي روايتي تراجيديا.

وقد يكون ” فعل الجبر ” هو الخلود كنقيض للموت والقتل كما في حالة ” طرزان ” حيث أصرّ أدغار رايس بوروز مؤلف روايات طرزان، أصرّ أن يكون ” طرزان ” خالدا، ليس هذا فحسب، بل طلب ضمانات كافية من كل من يريد أن يحوّل رواياته إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية أن يبقى طرزان مفعما بالشباب والحيوية والقوّة والجمال وأن لا يصيبه أي مكروه، حتى أنه احتجّ مرّة لأن طرزان صُوّر وهو يضحك.

جريدة السماوة الدولية – العدد الحادي والعشرون

بقلم: كريم السماوي

 

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثورة الإحساس وصرخة الضمير، والشاعر عصمت دوسكي/ بقلم: أحمد لفتة علي

ثورة الإحساس وصرخة الضمير والشاعر عصمت شاهين دوسكي … * الطاقة الفكرية ...

المنفى والاغتراب في قصيدة ” أضاعوني” للشاعر عزّ الدين المناصرة/ بقلم: د. روز اليوسف شعبان

المنفى والاغتراب في قصيدة ” أضاعوني” للشاعر الفلسطيني البروفيسور عزّ الدين المناصرة ...

شجرة المانجا/ بقلم: محمود العياط

شجرة المانجا/ بقلم: محمود العياط  ــــــــــــــــــــ وعلى طلعك يا شجر المانجا ويا ...

أتدلى من قلبك / بقلم: جودي قصي أتاسي

أتدلى من قلبك / بقلم: جودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــ أملك التفاتة النهرِ ...

حلم تحول لذكرى/ بقلم: نجاح هوفاك

حلم تحول لذكرى/ بقلم: نجاح هوفاك ـــــــــــــــــــــــــــــــ أنا… سليلة تلك الدمعة التي ...

سابينس: موجز تاريخ الانسان وترجمة مميزة للدكتور جكر عبدالله ريكاني/ بقلم: جوتيار تمر

سابينس: موجز تاريخ الانسان وترجمة مميزة للدكتور جكر عبدالله ريكاني بقلم: جوتيار ...

حوار مع مدربة التنمية البشرية سحر عبد المجيد/ مقدم الحوار: أحمد سلايطة

حوار مع مدربة التنمية البشرية سحر عبد المجيد، مقدم الحوار أحمد سلايطة ...

دروبُ الحبِّ/ بِقَلم: علي موللا نعسان

دروبُ الحبِّ/ بِقَلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــــــــــــ جاسَ الورى سهرُ الأجفانِ في ...