الرئيسية / قصة / ما معنى هذا/ عزة بو قاعدة

ما معنى هذا/ عزة بو قاعدة

ما معنى هذا؟

قصة قصيرة ….

 

 

أخرج علبة السجائر من جيبه الخلفي، نظر إلي وهو يشعل السيجارة بولاعة والدي!

أتذكرها جيدا؛ استعملتها ذات مرة في حرق دميتي (باربي)،

أخذتها من غرفة أمي خفية، تعثرت في حذائها الأسود ذي الكعب العالي؛

كادت أن تسمعني لولا أنها مشغولة كالعادة بالحديث على الهاتف، فقد منعتني من إخراج أشياء أبي!

“باربي” لن تغفر لي حرقي لشعرها الطويل وتشويه وجهها الجميل، ولم تغفر لي أمي كذلك، إذ كدت أن أتسبب بحرق المنزل الذي تعرضه للبيع منذ عام واحد،

اجتهدت كثيراً في ترميمه وإعادة طلاءه؛ لم يهتم أحد بشرائه؛ تقول دائما كلما جاءه زبون ثم ذهب من غير رجعة….

_ تبا وألف تب، كأن لعنة تحيط بهذا المنزل!

وكنت أفرح في سري.. لم أشأ يوماً مغادرته،

صفعتني يومها كثيراً حتى شعرت بحرارة تلفني؛ لم أستطع النهوض من مكاني لساعات طويلة، حينها كنت أفكر لم كانت تضربني وتبكي!

حتى أنني لم أذرف دمعة واحدة، أثارت ضجة كبيرة بصراخها ونحيبها حتى دق الجيران بابنا، فظلت تشكو لهم سلوكي حتى غفوت.

_ أنت ِ فعلا يا مرام فتاة ظريفة ومهذبة ولستِ بالثرثارة أبداً كمعظم المراهقات، ولكنكِ فعلاً لا تعرفين شيئاً عن أزمتنا المالية!

قطبت حاجبي وواصلت تحضير واجباتي، كانت العاصفة قد هدأت لتوها، الجو العاصف يجعلني كئيبة وصامتة وكأنني الوحيدة على هذه الأرض!

_ أيتها الفتاة: حاولي التخلص من كماليتك المعهودة!

في هذه الظروف نحن نحاول أن نأكل طعاما شهيا فقط،

في هذه اللحظة سمعت والدتي تدخل البيت الذي غادرته منذ السابعة صباحا!

اغتسلت واستبدلت ثيابها وتناولت الطعام؛ حينها فقط تخلصت من إزعاج زوجها الشاب الذي يجيد استقبالها كل مساء ويجيد الحديث أيضاً، وحتى الطهي،

في الآونة الأخيرة بدت أحاديثها معي كثيرة، طيبة وتعاملني بلطف مزعج للغاية،

_ مرام حبيبتي كيف حالك، هل تريدين نقوداً، كيف دروسك، هل وهل وهل…؟ أسئلة تجعلني مدهوشة!

أعود من الثانوية أجدها تنتظرني وقد أعدت كل ما لذ وطاب تستقبلني بذراعيها المشرعين،

حتى زوجها الشاب الأخرق أصبح لا يزعجني بغبائه،

كنت ابنة أبي، وكان حبيبي الذي فقدته منذ عشرة أعوام، كلما حلت ذكرى وفاته أشعر بأنه عاد إلي، عاد من قبره… دق الباب ثلاث مرات بخاتم زواجه، أهرع لفتحه بعد أن أطلق صرخة مدوية

_ بابا… بابا…

أقفز مباشرة إلى عنقه أقبله من أنفه ويعضني من أذني اليسرى كالعادة وهو يقول: مرام هذه الأذن أطول من الأذن اليمنى سأخذ منها قضمة!

وأضحك ويضحك بصخب، يستعمل أبي عطراً قوياً جداً، لم يغادر أنفي الصغير منذ الطفولة، أشمه كلما زاد شوقي وعصفت بي رياح الحنين!

السابعة عشر من شهر أكتوبر مات والدي، بعد أن صار مختلفاً، هزل جسمه وسقط شعره؛ كنت أقبله على رأسه الأصلع فيبكي ويضحك بصخب ويقول: قبلتك ِ تدغدغني أيتها الشقية وكنت أصدقه، بشكل هستري كان يضحك حتى تدمع عيناه، كان أبي كاذباً ومخادعاً في كل شيء، فقد كان يحتضر في تلك اللحظة ويدعي الفرح والضحك فيما كان يتألم وهو يذهب إلى مستشفى المدينة لجلسات الكيمياوي!

حينما عاد ذات مرة أصلعاً؛ أصابني الذعر من منظره، هدأ من روعي حينما أخبرني أنه ينوي تمثيل دور في فيلم تلفزيوني سيعرض قريباً!

لطالما كان أبي فناناً مسرحياً ورساماً في الصباحات الماطرة، خدعني والدي بابتسامته التي انكمشت مع مرور الأيام، ظلت عيونه التي ترمش لي بأن اقتربي؛ فأقترب وأنا خائفة من شيء ما، لم أعرف ما هو بالضبط ولكنني عثرت على الجواب يوم سمعت صرخات أمي تدوي كالرصاص تحت أقدامه، جلست لا أملك دموعاً ولا صراخاً، كان سؤالاً واحداً فقط يرميني إلى اللا شيء، ماذا يعني هذا، ماذا يعني كل هذا؟

هذا العويل وهذا اللحاف الأبيض وأبي النائم الذي أرخى جسده ولم يعد يكلمني ولا يرمشني، ماذا يعني هذا؟!

الآن، أبصرت ماذا كان يعني كل ذلك يومها؟!

كان أبي طعاما للموت!

الميت الوحيد الذي رأيته وأنا في ذلك العمر، وتعرفت على ماهية الموت وأنا في السابعة عشر، إنه البداية يا سادة، أيها الأموات هو بدايتكم إلى الحياة وهو نهايتنا إليكم!

يا سادة إننا وجبات غذائية فلا تبتأسوا…  وموتوا سعداء!

اكتشفت أن أبي لن يعود منذ أعوام قليلة فقط، اكتشفت أننا لم نعد نعني له شيئا، تخلى عنا لرجل آخر أخذ مكانه في كل شيء، في كرسيه الهزاز وعلى مائدة الطعام وفي المكتبة وفي مشغله الصغير الذي يرسم فيه،

كان يمنعني من اللعب هناك، ويأمرني بعدم إحضار دميتي باربي، يقول إن شعرها الجميل سيتسخ!

وها هو قد حولها هذا الرجل إلى غرفة يلعب فيها البلياردو كل مساء وأمي تشاركه اللعب وتضحك كلما تصادمت الكرات ببعضها.

أمي بكتّ الدمع الغزير حين شخصوا حالتي مؤخراً، الإغماء الدائم كشف أنني ابنة أبي فقد ورثته في كل شيء، صمته وذكاءه، عيونه وشعره، ورثت عنه حسن خطي العربي والرسم وكتابة الخواطر، جمعتها مؤخراً تحت عنوان ماذا يعني هذا؟!

 

 

 

بقلم: عزة بو قاعدة

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رواية ” المطلقة ” لجميل السلحوت: احتفاء بالرواية أم بالكاتب؟! / بقلم: شاكر فريد حسن 

رواية ” المطلقة ” لجميل السلحوت: احتفاء بالرواية أم بالكاتب؟! بقلم: شاكر ...

حبيب الروح/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

حبيب الروح بقلم: عصمت شاهين دوسكي ـــــــــــــــــــــــــ حبيب الروح .. يا نسمة ...

مع الشاعرة السورية ريما محفوض/ أجرى الحوار: نصر محمد

حوار مع الشاعرة السورية ريما محفوض أجرى الحوار: نصر محمد ـــــــــــــــــــــ في ...

في جموحك القد ممشوق وضاع/ بقلم: محمود العياط

في جموحك القد ممشوق وضاع/ بقلم: محمود العياط ـــــــــــــــــ العشب يجرى ويطير ...

أيائل عيناك…/بقلم: خالد ديريك وجودي قصي أتاسي

أيائل عيناك… بقلم: خالد ديريك وجودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــ خالد: يبدأ توقيت ...

 تأملات شاعر في قصيدة (رسالة إليّ) للشاعرة أميمة يوسف/ بقلم: محمد العياف العموش

 تأملات شاعر في قصيدة (رسالة إليّ) للشاعرة أميمة يوسف بقلم: محمد العياف ...

 دروب العقل/ بقلم: علي موللا نعسان

 دروب العقل/ بقلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــــــــ حاسَ القلوبَ دموعٌ صبَّها البشرُ ...

المواطن الرقمي/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

المواطن الرقمي بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ــــــــــــــــــ من هو المواطن الرقمي ...