الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / غراب لا حمام لشاعر إبراهيم يلدا/ عصمت شاهين دوسكي

غراب لا حمام لشاعر إبراهيم يلدا/ عصمت شاهين دوسكي

غراب لا حمام لشاعر إبراهيم يلدا 

 

الأمر الخفي وراء أقنعة البراءة قد يلتهب.

لا رحمة ولا شفقة بين سرب الغراب

من يشفي الجراح إن غاب الجراح؟

 

الاستهلال الأولي لقصيدة ” غراب لا حمام ” للشاعر إبراهيم يلدا، استهلال تساؤلي بعد حياة هادئة وجنان خضراء وبساطة رائدة وفرح غامر بالآتي من بعيد وقريب، من زمن عتيق عميق، إلى أن ظهرت جماعة وظهورهم جماعات مختلفة بين أوجه غراب أو حمام بين هبوب حرب أو سلام بين أحلام وآلام، والجهل بالأشياء يفرز القلق والحيرة وعدم الاطمئنان وكأن هناك أمر خفي وراء الأسوار وقد دبر ونظم يا ترى هل ذئاب ام أثمار من الأطياف، يلبسون أقنعة البراءة والنقاء والصفاء، ما هذه الفئة الغريبة؟ ما هذه الجماعة التي هبت؟ ينيرون الشموع أم يطفئون الشموع؟ هل يتولاهم الحق أم يقطعون الرمق؟ هذه التساؤلات تراءت حينما جد الجديد وحمى الحديد وخلق السهم والوعيد، ومن الطبيعي في وعي لهذه الحركات والخطوب إن هالت الوقائع بين حلم مجهول ومصير أمر مقصود.

((كنت أحيا حياة هادئة

   بسيطة كالأطفال

   يفرحون مع البعيد والقريب

   في بلادنا بلاد آشور الصغيرة منذ زمن بعيد

   إلى أن قدم الأخوة من بعيد

   جاءوا طائرين مبشرين

   لم نكن ندري كانوا غراب لا حمام

   أو ذئاب متوشحين بالخراف)).

 

ومن وصف الشاعر إبراهيم يلدا البديع ظهروا إنهم قطيع ، قطيع من السفاحين والطاغين ، يلهثون وراء رغباتهم وشهواتهم وملذاتهم ، لم يجدوا مانعا أن يقتلوا ويذبحوا ويغتصبوا ويدمروا ويخربوا ويثكلوا ويرملوا ويفرقوا ” ألقوا الشقاق بين الآباء والأبناء ” هم وحوش العصر غسلوا أدمغة الناس لا باللين بل بالمجل والفأس ” جعلوا من الجيران كلابا قذرة ” فالشيطان بينهم إله وطاغوت كبير في دعواهم يقربون له الرؤوس قرابين ويرونه بدماء الضحايا والمساكين والأبرياء ، دمارهم يمتد حتى يصيب الحجر والأوراق والشجر ، اغتصبوا الأعماق واحرقوا الديار واطفوا ضوء النهار.

((القوا الشقاق بين الآباء والأبناء

   وجعلوا من الجيران كلابا قذرة

   ومدوا معاولهم صوب جذوع الأشجار

   ليتركوا جذورهم تبكي على الأوراق))

 

إنها صور من قيامة الاضطهاد والرعب والهول مستخدمين كل الوسائل القديمة والحديثة لدمار الأرض والإنسان بشعور وحشي يدفع إلى الانهيار ، خلقوا التشرد والتهجير والنزوح واللجوء والتدمير ، هربت القلوب وراء الحدود والأسوار وأصبحوا في تيه بين أوطان صغيرة وكبيرة بعيدة عن الحقول الخضراء والبيوت والأعشاش الطرية الملساء ، بين قطرات الندى والصفاء في غربة قاسية ولوعة شقية فلا رحمة ولا شفقة ولا حنان في سرب الغراب ، ينهش الجثث والقلوب على الأرصفة وبين الأزقة المرمية بين الخضوع والانكسار والاستسلام المر والانهيار .

((بددونا أبناء الشياطين

   مثلما تبدد الرياح الغيوم الممطرة

   فتوزعنا في كل الأوطان الصغيرة منها والكبيرة

   بعيدا عن الحقول والبيوت والأعشاش)).

 

هذه الصور المهارة التي مر ذكرها بدخول الجماعة تتكرر في كل عصر بصور مختلفة ولو كتب التاريخ عنها لاحتاجت إلى مجلدات من جوف وهول المستبدين الطاغين بمناهجهم الهوجاء أثاروها وبانقلاباتهم الرعناء دمروها ، دمروا كل الجنان والبنان والعمران والأبدان ، فليس البسطاء والفقراء خلقوا ووجدوا هذا الأمر ، بل تفشي الأنانية والفساد والرماد وكثرت الصراعات على المناصب والحداد وغياب الأبطال والقادة وغياب الحكماء والعلماء والأدباء وهذا يعطي سببا لضياع أي بلد في العالم ، ولا يقدر أي مسئول ضعيف الإرادة والسياسة والاقتصاد حتى لو ملأت الترسانة الحربية وحتى لو كان أشدهم استبداد على تأجيل الخراب والدمار والانهيار لأنهم أصلا ضعفاء وفي بطونهم السحت والحرام والغباء ، فهم بجهلهم يجددوا الواقعات وتنفعل النازلات ومحركها هوج الجماعات وشروخ الأسوار والحدود والمعاناة .

((فأين هم من يحملون

   أسماء آشور وسركون

   فلم يبقى لدينا سنحاريب

   ولا من يحملوا اسم شميران

   فقدنا الأمل أن يبعث لنا من جديد قاطيني

   أو تاريخا يصنع لنا الأحلام

   من الذي سيردد أن لم يكن هناك من يسمع

   ومن الذي سيسمع أن لم يكن هناك من يردد)).

 

هذه الجماعة تفكر وتنظم وتقود بأساليب شتى من الاعتقادات لعوامل بعيدة وقريبة مدركة للشر والظلام، وتربة النهرين تربة خصبة غنية نفيسة تنبت فيها ما ترم من البذور بقوة جديدة تدهش الرائي تشبه في ولادتها ووجودها انقضاض الصاعقة، في خضم كل هذه التراكمات والإرهاصات والغزوات والآلام والجراح، يتجلى هاجس فمن يشفي الجراح إن غاب الجراح؟ الكل هاجر لم يبقى طبيب ولا مداوي ولا حبيب، فكيف لا يلعب الموت لعبته الخاصة بالأجساد ” سيلعب الموت في كل الأجساد ” أين الخلاص في معترك الهول والرعب والسراب؟ ” انهضوا – اغرفوا – استفيقوا – ارحموا ” موجات من الغضب يطلقها الشاعر بأوامر إنسانية وفي نفس الوقت صور من التوسل والرجاء لكي يظل حلم الوجود وتحيي الأرواح على يد المرسلين.

((طالما لا أطباء لنا ليشفوا مرضانا

   سيلعب الموت في كل الأجساد

   مثلما تلعب الحياة في جثة الأموات

   انهضوا أيها الرجال الباقون

   اغرفوا من حب أولئك غيارا

   استفيقوا لحالنا قبل فوات الأوان

   ارحموا آشور يخلص القادمين

   ويحمي وجودنا على يد المرسلين)).

 

هكذا يوصف الشاعر إبراهيم يلدا ويفرق بين الغراب والحمام بين الطواغيت والأنبياء بين السفهاء والشرفاء بين الأجداد والآباء بين الولادة والأبناء بين الماضي والحاضر ومصير المستقبل في خانة الوجود وتلبية النداء ، غنها صور من ملحمة شعرية حضارية إنسانية لا تقيد بل تفتح نوافذ للفضاء والنقاء ، نلاحظ في هذا النص تأثيرات وتصورات لبناء المعنى التاريخي للوصول إلى نتيجة مرضية فليس هناك غموض في الصور الشعرية في زخم الأفعال الدالة على الحركة ودلالات ضمن روح النص ” غراب – حمام – آشور – جاءوا – ألقوا – جعلوا – مدوا – تركوا – بددوا ” وفي المقابل وحدة من الأوامر الأكثر فعلا وحركة ” انهضوا – اغرفوا – استفيقوا – ارحموا ” دالة على بناء النص وتماسكه ووحدته من الاستهلال إلى نهاية النص الشعري بفضاء فكري تأويلي يستند إليه أي قراءة حالية أو مستقبلية مع الإيحاء المشترك المنطوي تحت تلك الأفعال ، تمكن الشاعر إبراهيم يلدا من الوصول إلى وحدة متوازية مركزة بين نقيضين ” الغراب ، الحمام ” الحرب والسلام لتكون صورة إنسانية حضارية عصرية راقية تبقى أثرا لمدى الأجيال .

 

 

بقلم: عصمت شاهين دوسكي

 

***********************************

اسم الكتاب: الموت والميلاد للشاعر إبراهيم يلدا

اسم المترجم: نزار حنا الديراني

الطبعة الأولى بلغتها الأصلية: مطبعة نينوى ـ شيكاغو 1995 الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الثانية (ترجمة): 2017 دار الأمل الجديدة ـ سوريا / دمشق

……………………………………………………………………………………..

نبذة عن حياة وأعمال الأديب الشاعر

عصمت شاهين دو سكي

 

ـ مواليد 3 / 2 / 1963 دهوك كردستان العراق

ـ بدأ بكتابة الشعر في الثامنة عشر من العمر، وفي نفس العام نشرت قصائده في الصحف والمجلات العراقية والعربية.

ـ عمل في جريدة العراق، في القسم الثقافي الكردي نشر خلال هذه الفترة قصائد باللغة الكردية في صحيفة هاو كارى، وملحق جريدة العراق وغيرها.

ـ أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدينة الموصل

ـ حاصل على شهادة المعهد التقني، قسم المحاسبة -الموصل

ـ شارك في مهرجانات شعرية عديدة في العراق

ـ حصل على عدة شهادات تقديرية للتميز والإبداع من مؤسسات أدبية ومنها شهادة تقدير وإبداع من صحيفة الفكر للثقافة والإعلام، وشهادة إبداع من مصر في المسابقة الدولية لمؤسسة القلم الحر التي اشترك فيها (5445) لفوزه بالمرتبة الثانية في شعر الفصحى، وصحيفة جنة الإبداع، ومن مهرجان اليوم العالمي للمرأة المقام في فلسطين ” أيتها السمراء ” وغيرها.

ـ حصلت قصيدته (الظمأ الكبير) على المرتبة الأولى في المسابقة السنوية التي أقامتها إدارة المعهد التقني بإشراف أساتذة كبار في الشأن الأدبي.

ـ فاز بالمرتبة الثانية لشعر الفصحى في المهرجان الدولي ” القلم الحر – المسابقة الخامسة ” المقامة في مصر “.

ـ حصل على درع السلام من منظمة أثر للحقوق الإنسانية، للجهود الإنسانية من أجل السلام وحقوق الإنسان. في أربيل 2017 م

ـ حصل على شهادة تقديرية من سفير السلام وحقوق الإنسان الدكتور عيسى الجراح للمواقف النبيلة والسعي لترسيخ مبادئ المجتمع المدني في مجال السلام وحقوق الإنسان أربيل 2017 م

ـ حصل على درع السلام من اللجنة الدولية للعلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان للجهود الإنسانية من أجل السلام وحقوق الإنسان. أربيل 2017 م

ـ تنشر مقالاته وقصائده في الصحف والمجلات المحلية والعربية والعالمية.

ـ غنت المطربة الأكاديمية المغربية الأصيلة ” سلوى الشودري ” إحدى قصائده ” أحلام حيارى ” . وصور فيديو كليب باشتراك فني عراقي ومغربي وأمريكي، وعرض على عدة قنوات مرئية وسمعية وصحفية.

ـ كتب مقالات عديدة عن شعراء وأدباء الأدب الكردي

ـ كتب مقالات عديدة عن شعراء وأدباء المغرب

ـ كتب مقالات عديدة عن شعراء نمسا، ((تنتظر من يتبنى هذا الأثر الأدبي الكردي والمغربي والنمساوي للطبع.)) .

ـ كتب الكثير من الأدباء والنقاد حول تجربته الشعرية ومنهم الدكتور أمين موسى، الأستاذ محمد بدري، الأديب والصحفي والمذيع جمال برواري الأديب شعبان مزيري الأستاذة المغربية وفاء المرابط الأستاذة التونسية هندة العكرمي والأستاذة المغربية وفاء الحيس وغيرهم.

ـ عضو إتحاد الأدباء والكتاب في العراق.

ـ مستشار الأمين العام لشبكة الأخاء للسلام وحقوق الإنسان للشؤون الثقافية.

ـ صدر للشاعر

ـ مجموعة شعرية بعنوان (وستبقى العيون تسافر) عام 1989 بغداد.

ـ ديوان شعر بعنوان (بحر الغربة) بإشراف من الأستاذة المغربية وفاء المرابط عام 1999 في القطر المغربي، طنجة، مطبعة سيليكي أخوان.

ـ كتاب (عيون من الأدب الكردي المعاصر)، مجموعة مقالات أدبية نقدية، عن دار الثقافة والنشر الكردية عام 2000 بغداد.

ـ كتاب (نوارس الوفاء) مجموعة مقالات أدبية نقدية عن روائع الأدب الكردي المعاصر – دار الثقافة والنشر الكردية عام 2002 م.

ـ ديوان شعر بعنوان (حياة في عيون مغتربة) بإشراف خاص من الأستاذة التونسية هندة العكرمي – مطبعة المتن – الإيداع 782 لسنة 2017 م بغداد.

ـ رواية ” الإرهاب ودمار الحدباء ” مطبعة محافظة دهوك، الإيداع العام في مكتبة البدرخانيين العام 2184 لسنة 2017 م.

ـ كتب أدبية نقدية معدة للطبع:

ـ اغتراب واقتراب – عن الأدب الكردي المعاصر.

ـ فرحة السلام – عن الشعر الكلاسيكي الكردي.

ـ سندباد القصيدة الكورية في المهجر، بدل رفو

ـ إيقاعات وألوان – عن الأدب والفن المغربي.

ـ جزيرة العشق – عن الشعر النمساوي.

ـ جمال الرؤيا – عن الشعر النمساوي.

ـ الرؤيا الإبراهيمية – شاعر القضية الآشورية إبراهيم يلدا.

ـ كتب شعرية معدة للطبع:

ـ ديوان شعر – أجمل النساء

ـ ديوان شعر -حورية البحر

ـ ديوان شعر – أحلام حيارى

ـ وكتب أخرى تحتاج إلى المؤسسات الثقافية المعنية ومن يهتم بالأدب والشعر لترى هذه الكتب النور في حياتي.

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جَمْرَةُ الفَقْد/ بِقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

جَمْرَةُ الفَقْد/ بِقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ………………..   ليسَ هذا يومكَ ...

سفرٌ…/ بقلم: شاكر فريد حسن

سفرٌ… بقلم: شاكر فريد حسن ــــــــــــ أسافر ما بين خطوط الحلمِ وأشواق ...

امرأة… مسافرة / بقلم: خديجة بن عادل

امرأة… مسافرة / بقلم: خديجة بن عادل ــــــــــــــــــــــــــ كلما جُنَّ الليل همست ...

ثلاث تحويمات جمالية تشد وثاق ديوان (ما كان حلما يفترى) للشاعرة المغربية فوزية رفيق/ بقلم: د. مصطفى غلمان

ثلاث تحويمات جمالية تشد وثاق ديوان (ما كان حلما يفترى) للشاعرة المغربية ...

يا أقرب النبض/ بقلم: ليلاس زرزور

يا أقرب النبض/ بقلم: ليلاس زرزور ــــــــــــــــــــــــــ يا أقرب النبض في كُلِّي ...

 تسألني عني/ بقلم: ريم النقري

 تسألني عني بقلم: ريم النقري ـــــــــــــــــــــ أنا التي أكرهك اعشوشبت بأنحائي أفقدتني ...

بنادقُ الفِكرِ/ بقلم: علي موللا نعسان

بنادقُ الفِكرِ/ بقلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــــــ بنادقُ الفكرِ تقفو المشاعرْ رصاصُها ...

هنا دفنت الرسالة/ بقلم: نجاح هوفاك

هنا دفنت الرسالة/ بقلم: نجاح هوفاك ……… تحت الأنقاض شفاه لثمت التراب ...