الرئيسية / قصة / اختفاء/ محمود شقير

اختفاء/ محمود شقير

اختفاء

 

تجلس في الناحية اليمنى من المقعد الخلفي للسيارة الفارهة، يرسل السائق المتمرس بين الحين والآخر نظرات خفيّة صوبها عبر المرآة، فلا تعيره انتباهاً، غير أنها تعجب من جرأته ولا تسقطه في النهاية من حسابها، فقد تحتاجه ذات يوم، تتفحّصه خفْية، فلا تنفر من هيئته، ولا تفكر فيه الآن.

تجلس في مهابة واتزان، عليها جاكيتة حمراء تنفتح على تنورة سوداء مشقوقة من كلا الجانبين، فهي حريصة على أن يبدو شيء من بياض فخذيها كلما مشت أو جلست، لأنهما متعة للناظرين وفق شهادة صديق زوجها الموظف الكبير في إحدى السفارات، الذي باح بهذا الأمر بعد أن تعتعه السكر في إحدى السهرات.

ترنو عبر زجاج السيارة الملون إلى الخلق الذين يتكاثرون في طرقات الحي القميء الذي لا بد لها من اجتيازه، كلما غادرت بيتها الريفي الأنيق، إلى قلب المدينة لزيارة أرقى محلات الأزياء، أو للمشاركة في حفل خيري تقيمه سيدات المجتمع بين الحين والحين، للظهور على شاشة التلفاز، ولاستعراض أجسادهن أمام أعين الفضوليين والفضوليات.

ها هي ذي الآن تتأفّف من روائح الحي، والسائق يشاركها التأفف، فكأنه كان ينتظر الفرصة السانحة للدخول معها في حديث، غير أنها تصدّه، تأمره بأن يسرع قليلاً قبل أن يبدأ الاحتفال، ثم تنهمك في التفكير: غداً صباحاً ستدعو سائقها القديم، طبيب المستشفى الأهلي، ومراسل المجلة المصورة للمثول بين يديها في الحال، فقد أصبح في حكم المؤكد أن يتبوأ زوجها منصباً مرموقاً سيعلن عنه هذا المساء. الموظف الكبير في إحدى السفارات طمأن الزوج منذ أيام حول هذا الأمر بالذات، لذلك ستخبر سائقها القديم بأنها ستقطع لسانه إن هو باح بشيء مما يعرفه عنها فيما مضى من أيام، ستأمر طبيب المستشفى الأهلي أن يطوي إلى الأبد أمر قضائها ليلتين في مستشفاه قبل عام، حينما كان زوجها في بعثة طويلة خارج البلاد، فلم تسافر معه لأمر ما، أما مراسل المجلة المصورة، فسوف تغدق عليه مالاً لكي ينشر تحت صورتها أحلى كلام، كلّ أسبوع أو أسبوعين، أو كلما دعا إلى ذلك داع.

تصغي إلى نشرة الأخبار قبيل بدء الاحتفال، فلا يظفر زوجها بالمنصب الموعود، تبكي وتبكي معها الصديقات، تغادر الاحتفال بعد بدئه بلحظات، تجلس في المقعد الأمامي للسيارة، تمعن في البكاء وقتاً، ثم تميل على كتف السائق، تريح رأسها هناك لعلها تنسى بؤس العالم وشروره، والسائق المذهول أمام ارتعاشات الجسد، يرتبك، يركض مبتعداً عن المرأة، ويختفي دون أن يعرف أحد عنه شيئاً حتى الآن.

 

 

بقلم: محمود شقير

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يا لخسارة العشاق ما أكثرها! (الرسالة 41) / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الحادية والأربعون يا لخسارة العشاق ما أكثرها! بقلم: فراس حج محمد/ ...

وأرتوي حتى الظمأ / بقلم: جودي قصي أتاسي

وأرتوي حتى الظمأ / بقلم: جودي قصي أتاسي ــــــــــــــــــــ اسكب حروفك فوق ...

صدور العدد العاشر من مجلة شرمولا الأدبية

صدور العدد العاشر من مجلة شرمولا الأدبية ـــــــــــــــــــ صدر العدد العاشر من ...

اللحن ودواعيه السردية في رواية “مأساة كاتب القصة القصيرة”/بقلم: فراس حج محمد

اللحن ودواعيه السردية في رواية “مأساة كاتب القصة القصيرة“ بقلم: فراس حج ...

الروح الأدبية في كتاب “الإصحاح الأول لحرف الفاء”/ بقلم: رائد محمد الحواري

الروح الأدبية في كتاب “الإصحاح الأول لحرف الفاء“ بقلم: رائد محمد الحواري/ ...

الهروب اللاواعي/ بقلم: يونس عاشور

الهروب اللاواعي..! بقلم: يونس عاشور ـــــــــــــــــــ   لا تتوارى هَرباً عنّي.. أو ...

قصة وفاء للعمالقة/بقلم: زياد جيوسي

قصة وفاء للعمالقة بقلم: زياد جيوسي ـــــــــــــــ    فن السيرة الذاتية ابداع ...

استقراء الفني للوحات الفنانة التشكيلية جاناريتا العرموطي/ بقلم: عبد الله اتهومي

استقراء الناقد الفني المغربي عبد الله اتهومي للوحات الفنانة التشكيلية الأردنية جاناريتا ...