الرئيسية / ترجمة / (السلاح) من روائع الكاتب الروسي المعاصر دميتري باكين/ تحسين رزاق عزيز

(السلاح) من روائع الكاتب الروسي المعاصر دميتري باكين/ تحسين رزاق عزيز

(السلاح) من روائع الكاتب الروسي المعاصر دميتري باكين

 

أول ما قام به، هو حرق جميع الكتب واللوحات ونماذج اللوحات المقلدة والصورة مفترضاً أنها قد تربك، عندما تقع عليها العين، أو أن تعيق، عندما تصل القضية الى الحصار. قضى النهار كله على هذا الديدن، ليس لأنها كانت كثيرة، بل لأنها احترقت ببطء. فقد أوصلته أغلفة الكتب الجلدية وإطارات اللوحات المذهبة الى اليأس. ووقف جامداً أمام الموقد في رداءه المنزلي البني الطويل ونعاله المخرم، وفكر أن لديه قليل من الوقت، ونظر كيف تأكل النار الأغلفة الجلدية لمجلدات الكتب القديمة، كالكلب، الذي لا يقدر على ابتلاع عظمة متوقفة في بلعومه. سرت النار بجانب الإطارات المذهبة كالماء، واعتقد هو انها ليس من الخشب أو خشبية لكنها مطلية بطبقة سميكة من العجينة المتحجرة. اللوحات نفسها احترقت منذ زمن طويل. وأخيراً تحولت الأغلفة الجلدية الى رماد. والإطارات المذهبة، التي لم تمسها النار، أخذت تلتهب تحت بصره المحترم -آنذاك القى بجسده على الكرسي منهار القوى وشعر انه يسقط من علوّ لا يُدرك مداه، وكأن إله سقط على الأرض، أحس بنفسه ثقيلاً ومنهكاً للغاية بحيث لا يستطيع أن يقوم بما عليه فعله.

وعندما عادت قواه إليه، كانت في الخارج عاصفة رعدية. خرج الى الشرفة واخذ ينظر الى الغابة وفكَر، إذا ما جاءوا إليه الآن، يكون كل شيء قد انتهى ولا تكن هناك حاجة لحرق أي شيء.

حاولَ ألا يفكر بهذا.

وهنا فكر: إذا ما ضربوه بالمدافع والدبابات والمدافع الذاتية الحركة لكي يسوّى بالأرض كل ما هو قديم قِدَم الأرض، لن يكون بوسعه أن يفعل شيء. وهذا قاده نحو اليأس، يأس أعمق من ذلك الذي عاناه عندما لم تحترق بالنار الأغلفة الجلدية والإطارات المذهبة.

حاول ألا يفكر بهذا.

وعندما فكر: انهم قد يغيرون بالطائرات التي تدمره وتدمر كل شيء خاص به بدائرة ألف ميل.

لكنه قال: كلا، انهم لا يضربونني بالدبابات ولا يغيرون عليّ بالطائرات.

إن هذا يشبه إطلاق سفينة مجهزة لحرب ذربة في البحر لكي تُقطِّع بمجاذيفها أوصال قنديل البحر.

وحاول ألا يفكر بهذا.

دخل الى غرفة النوم، وفتح خزانة الملابس وأخرج البدلة العسكرية القديمة. ورداء التمويه، الذي يموه في الحشائش فقط تحت بقع الشمس. ووجد تحت السرير فرشاة ملابس، نقعها بالماء ونظف بعناية البدلة والحذاء الثقيل ذا المسامير. نزع ملابسه واخذ دوشاَ بارداً. ثم ارتدى البدلة والحذاء، اللتين ثقلهما سَمَّرَ قدميه بالأرض ولبس فوق البدلة رداء التمويه وأحس بنفسه كشجرة ينبغي عليها أن تسير. شيئاً فشيئاً اعتاد على السير بالحذاء واعتاد ألا يولي اهتماماَ ببطء مسيرة مفترضاً أن السلحفاة مدانة بطول عمرها لبطئها. وقال في نفسه إن التفكير ضروري أن يكون ببطء كذلك، كالحركة، وإلاّ ستموت من الداخل قبل أن تموت من الخارج بكثير. إضافة لذلك ينبغي إبطاء جريان الدم في العروق-ليكون الاستهلاك اقل لأن الاحتكاك أضعف؛ وإبطاء ضربات القلب، لأن المطرقة التي تدق ألف مسمار تُسْتَهلَك قيل المطرقة التي تدق مسماراً واحداً؛ وإيقاف اندفاع التفكير الى حد بطء رقاص الساعة -وهنا بالذات يكمن السر.

نام على الكرسي في ساعة متأخرة بعد منتصف الليل وأفاق عند الظهيرة بالتفكير حول الدبابات والطائرات. ولاحظ عند التفكير بالدبابات والطائرات أن رجليه ويديه ترتجفان، ويتساقط شعره ويضعف بصره ويتجمد مخه رعباً. وفهم: إذا ما فكرت دائماً بالدبابات والطائرات-فلن تعيش عمراً أطول من عمر الفراشات. ثم قال مع نفسه ان هذا في متناول أيديهم منذ زمان طويل. واخذ ذلك بنظر الاعتبار وجر نفساً عميقاً. كان كل شيء هادئاً، وعندها تذكر عمليات القتل الهادئ؛ وبعدها امتنع عن الأكل والشرب، لأن كل شيء يمكن ان يكون مسموماً، وأدرك ان في نهاية المطاف ينبغي التخلي عن النوم، لأن الإنسان عند النوم يكون عاجزاً كالجمادات.

حاول ألا يفكر بهذا.

نزل الى الطابق الأول وتفحص إن كانت الأقفال ومزاليج باب المدخل مقفلة. وبعد أن أيقن انهم لا يستطيعون اقتحام الدار من هنا من غير ضجة، تفحص مزاليج دُرَف جميع نوافذ الطابقين الأول والثاني.

وهنا فكر بالشرفة التي تؤدي الى الغابة. لقد أدرك في أعماق وعيه انهم سيأتون من الغابة وسيحاولون في البداية أن يستولوا على الشرفة الفسيحة. والآن فهمَ أنه كان يعرف هذا، دائماً، وانه وِلِدَ اعمى وأبكم وأصم، لكنه مدرك انهم سيأتون من الغابة وسيستولون على الشرفة الفسيحة، نصب على الشرفة رشاشتين ثقيلتين، ولكي يوصلهما الى هناك فقط، تطلب منه نصف النهار. ثبتهما بإحكام، بعد أن ربط صفائح المنصة الحديدة الملحومة بأرضية الشرفة بواسطة براغي تثبيت هائلة من النوع الذي تُربط بواسطته أعمدة الفولتية العالية، لكي لا توجه الرشاشات ضده إذا ما احتلت الشرفة على كل حال. وفي حاله احتلال الشرفة نصب في الغرفة المقابلة رشاشة خفيفة مخزنها محشو بإطلاقات انفجارية ذات حز على شكل صليب وتجويف في الجزء الأمامي. ونصب رشاشات خفيفة في كل غرفة ورفع الأمان، لأنه ربما لا يكون هناك متسع من الوقت للقيام بذلك. وفكر من جديد بالطائرات والدبابات، وطَرَقَ اليأسُ دماغه.

لكنه قال، كلا، انهم لن يضربوني بالدبابات، ولن يغيرون عليّ بالطائرات. إن هذا يساوي إطلاق سفينة مجهزة لحرب ذرية في البحر لكي تقطعّ بمجاذيفها قنديل بحر.

 

وقف على الشرفة ووجهه نحو الغابة، بين الرشاشات الثقيلة، التي كانت حواضنها مثبتة بمسامير محورية حديدية يساراً ويمنياً بدوران أفقي للسبطانات بنصف قطر مقداره ثلاثين درجة. وقال في نفسه: إذا ما جاءوا الى الشرفة على شكل إسفين، سيعزز الرشاشة الثقيلة اليسرى، بعد أن يحول السبطانة الى اقصى اليمين ويضع قطعة من قضيب تضغط على الزناد، وسيقف هو خلف الرشاشة الثقيلة اليمنى، لأن المسافة من الرشاشة الثقيلة اليمنى أقرب الى باب الغرفة المقابلة للشرفة، التي سينسحب إليها. وبهذا الشكل سيصد هجوم العدو مخروط نار المدفع الرشاش من نقطتين، أي إسفين مقابل إسفين. ولكن إذا اشتغلت الجوانب الخارجية لإسفين نار الرشاشة، سيكون داخل الإسفين فارغاً. وآنذاك حسِبَ بالخطوات المسافة من إحدى الرشاشتين الثقيلتين الى الأخرى، واستخرج حساب قطر حدود تأثير الرشاشتين، وحسب الى النقطة التي تتقاطع فيها رشقات الرشاشتين مكونة مخروطاً. وبعد ذلك اخذ ساطوراً ونزل من الشرفة الى الأرض وقاس بالخطوات المحسوبة المسافة الى النقطة وحزّ شقاً في جذع الشجرة -وهذه كانت النقطة التي تتقاطع فيها رشقات الرشاشتين.

وعند اجتياز إسفين العدو الى الفضاء الخارج عن تأثير نار الرشاشتين الثقيلتين في المخروط الكامل، تفْقِدْ الرشاشتان كلتاهما الأهمية وسيكون مجبراً على الانسحاب الى الغرفة المقابلة للشرفة والوقوف خلف الرشاشة اليدوية ذات الإطلاقات الانفجارية والبدء بالرمي، من خلال الباب المؤدي الى الشرفة فوق سور الشرفة. وفي هذه الحالة ستكون الرشاشة اليدوية المنصوبة في الغرفة أهم من الرشاشتين الثقيلتين المنصوبتين في الشرفة والمخصصتين لقتل وإصابة الأفراد فقط بالقدر الذي يستطع أن يفعله، ما داموا لم يندفعوا خلف الشجرة المعلَّمة بالحز.

ولكنه قال انهم لن يأتوا على شكل إسفين.

وإذا ما جاءوا على شكل كتيبة -بترتيب مرصوص -بعد تطويق المنزل، ستفقد أهميتها تقريباً الرشاشات الثقيلة، بصورة أدق، الرشاشة اليسرى ذات السبطانة التي بدون مؤشر المثبتة في وضع واحد، لأن من السهل تفادي إطلاقاتها. وإذا ما تخلو لبعض الوقت عن احتلال الشرفة، يبقى انتظار الهجوم من جانب باب المدخل، بعد أن يطوقوا المنزل، لكنه لا ينبغي ترك الشرفة.

حاول ألا يفكر بهذا ولا يفكر بالجوع والعطش، بعد أن فهم جيداً ان من الغباء تسميم نفسه بعد أن فعل كل ما يريد فعله، ويلزم الانتظار فقط.

سار مرة ثانية بالغرفات وتفحص الرشاشات وقبّلَ سبطانة كل واحدة منها وقبّل السكين التي حملها معه والتي رنت شفرتها كالكريستال.

رسم برماد من الحجر سهام على جدران الغرفات، بعد أن حدد مسبقاً وبيَّن لنفسه طريق الانسحاب -من غرفة الى غرفة، وفكر ان هذا المسلك فعال إذا ما باشر الدفاع عن المنزل، بدءً عن الشرفة. إضافة لذلك، رسم على جدران الغرفات سهام مائلة -هي طريق الانسحاب الذي يجب أن يسلكه إذا ما هجموا من جانب باب المدخل ويتوجب الانسحاب بدءً من المدخل. وتلك السهام وهذه تؤدي الى أبعد غرفة في الركن، التي لم تكن فيها لا أثاث ولا رشاشات، التي ولد فيها قبل سنين طوال.

 

 

ترجمة:

د. تحسين رزاق عزيز

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ريبر هبون يباغت العتمة بالنور / بقلم: حمود ولد سليمان

ريبر هبون يباغت العتمة بالنور بقلم: حمود ولد سليمان “غيم الصحراء” ـــــــــــــــــــ ...

الأمطار اللامبالية تزيل مستحضرات التجميل للشاعر تانغ تشنغ ماو/ ترجمة: شروق حمود

, THE CARELESS RAINS WASH AWAY THE COSMETICS الأمطار اللامبالية تزيل مستحضرات ...

شوق يشدني من قلبي/ بقلم: جودي قصي أتاسي

شوق يشدني من قلبي بقلم: جودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــــ شوق يشدني من ...

إلهام…/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

إلهام… بقلم: عصمت شاهين دوسكي ـــــــــــــ صوت الحرمان يملأ جراح الظلام الشوق ...

ومنذ أول قُبلة فيها/ بقلم: زهرة الطاهري

ومنذ أول قُبلة فيها/ بقلم: زهرة الطاهري ـــــــــــــــــــــــ راق لي أن أبعثرك ...

أنشودة ماء / بقلم: نرجس عمران

أنشودة ماء / بقلم: نرجس عمران ـــــــــــــــــــــــــ بين حقول العمر تجري كساقية ...

لم يبق مني/ بقلم: أمل نصر الدين

 لم يبق مني بقلم: أمل نصر الدين ـــــــــــــــــــ كرحمٍ موبوء يسلح فيه ...

هلال الحبّ / بقلم: أميمة يوسف

هلال الحبّ / بقلم: أميمة يوسف ـــــــــــــــــــ هلال الحبّ    في   عينيكَ   منه ...