الرئيسية / قصة / انكسار …/ فداء الحديدي

انكسار …/ فداء الحديدي

بقلم: فداء الحديدي

 

 

 

 

 

 

 

 

انكسار …

قادني القدر إلى ذاك الطريق الخالي، رأيته كما هو منذ سنوات يجلس وحيداً، خلال كل تلك السنوات التي مضت، لم أفكر يوماً أو حتى أحاول الاقتراب منه ومجاذبته أطراف الحديث، حاولت جهدي أن أترك له خصوصية ألا أقحم نفسي في فسحة المكان الذي اختاره لنفسه.

اليوم كان قراري المفاجئ، أن أكون بقربه، أن استمع إليه، أرتوي من سنين العمر التي ارتسمت على جبينه، وخط الزمن الذي رسم على يديه أوردة زرقاء قاحلة، ظهرت أمام عيوني وأنا أصافحه.

كان يجلس على ذات المعقد الخشبي القديم، متكئاً على جدار في الحي القديم، جلست بقربه، حاولت أن أستمع إليه … كان يقلب قصاصات من الصحف القديمة بين يديه، مبتسماً، وجوه تكررت في صفحات الصحف القديمة منذ تاريخ جلوسه على هذا المقعد الخشبي، مّد يده باتجاهي لأقرأ بعضاً منها.

لم أحاول أن أستفسر أكثر، دهشتي كانت أكبر وأنا أرى دمعة تسقط تلو الأخرى على كفيه وهو يحضن وجهه يحاول أن يخفيها عني، أشار بإصبعه على الطرف المقابل، القصر المشيّد في أعلى الجبل.

حتى هذه اللحظة، لم أكن على يقين ماذا تعني كلمة على الطرف المقابل، كلمات نرددها، نعني بها ما نعني، لكن أن تكون على الطرف المقابل للحياة شيء مختلف، شيء جديد، ربما كانت أسهل لو أنني عرفت أن الطرف المقابل هو الموت. ربما سيكون استيعابي لها أكثر من أن الطرف المقابل هو الحياة لعمر قضى ومرّ وانتهى منذ سنوات وهو ينتظر على نفس المقعد.

الغروب يأتي ببطء، مثل حال هذا الرجل، ينتظر منذ سنوات خلت ومضت أخفت الشمس خدودها في كنف السماء، هّم بالوقوف، بيده عكّاز أبيض حاول أن يستند عليه، كانت المرة الأولى التي أرى بها عكازا أبيض، سمعت كثيراً عنها من قبل، لكنها كان هذا اليوم، المرة الأولى في حياتي أراه بقرب.

 كان يقبضه بقوة شديدة، يثّبت قاعدته على الأرض بشدّة، يحاول النهوض من انتظار سنوات، لكن أزيزاً أثار سمعي، جعلني أنحني إلى الأرض إلى منتصف عكازه الأبيض، أنظر بحذر، بحزن، بثورة أيقظت روحي من سبات الحب والأبوة الشاردة في سنين العمر وفي طي النسيان، أيقنت أن الطريق التي نسير بها قد تخذلنا في منتصف العمر، أو حتى في نهايته.

 نظرت إلى منتصف العكاز الأبيض، كان يتمزق، حواف حادة تظهر، أصبحت عكازاً هشة لا تسند صاحبها، لا تعينه في مسيره، نهضت من جديد، أنظر إلى عينيه التي كاد بريق دمعته الأن يخطفني من عمري حتى أنا.

 الشارع الخالي، أمتلئ بالعابرين، مددت يدي إليه، حتى أعينه، قبل أن يعطيني يده إرتدى معطف الفراء فوق لباسه الرث، وقبل أن يحكم إغلاقه حول جسده النحيل، أخرج من جيبه شاشة بيضاء كبيرة، وضعها في منتصف صدره أثار دماء لم تجف …

 

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلام أحمد: اللوحة كلمة ولغة يمكن تفكيك بنيتها بامتلاكنا مفاتيح متاهتها/ حوار أجراه: خالد ديريك

سلام أحمد: اللوحة كلمة ولغة يمكن تفكيك بنيتها بامتلاكنا مفاتيح متاهتها  (أحمد) ...

هكذا أنا / بقلم: ندوة يونس

هكذا أنا… بقلم: ندوة يونس ـــــــــــــــ هكذا أنا في كل يوم أتوجك ...

ثورة الإحساس وصرخة الضمير، والشاعر عصمت دوسكي/ بقلم: أحمد لفتة علي

ثورة الإحساس وصرخة الضمير والشاعر عصمت شاهين دوسكي … * الطاقة الفكرية ...

المنفى والاغتراب في قصيدة ” أضاعوني” للشاعر عزّ الدين المناصرة/ بقلم: د. روز اليوسف شعبان

المنفى والاغتراب في قصيدة ” أضاعوني” للشاعر الفلسطيني البروفيسور عزّ الدين المناصرة ...

شجرة المانجا/ بقلم: محمود العياط

شجرة المانجا/ بقلم: محمود العياط  ــــــــــــــــــــ وعلى طلعك يا شجر المانجا ويا ...

أتدلى من قلبك / بقلم: جودي قصي أتاسي

أتدلى من قلبك / بقلم: جودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــ أملك التفاتة النهرِ ...

حلم تحول لذكرى/ بقلم: نجاح هوفاك

حلم تحول لذكرى/ بقلم: نجاح هوفاك ـــــــــــــــــــــــــــــــ أنا… سليلة تلك الدمعة التي ...

سابينس: موجز تاريخ الانسان وترجمة مميزة للدكتور جكر عبدالله ريكاني/ بقلم: جوتيار تمر

سابينس: موجز تاريخ الانسان وترجمة مميزة للدكتور جكر عبدالله ريكاني بقلم: جوتيار ...