الرئيسية / قصة / الصبر الأصمّ في صلب الصخور/ بقلم: ياسمين خدومة

الصبر الأصمّ في صلب الصخور/ بقلم: ياسمين خدومة

 

 

 

 

 

 

 

 

الصبر الأصمّ في صلب الصخور/ بقلم: ياسمين خدومة

“أن تنظر إلى الليل وترى الفجر….

ولكي يصبح الهلال بدرا فهو يحتاج إلى وقت”.

جلال الدين الرومي

ـــــــــــ

يعيش أهل مدينة من العالم الشرقي حياة عادية، في بداية صيف حارّ، الكل متخوّف وفي الوقت نفسه غير مكترث مادام البديل غير ممكن، سكان العمارة ذات الأدوار الخمسة المطلّة على البحر دون أي مصعد تضج بساكنيها، رغم إسهام التقنيات الحديثة بشكل كبير في إضعاف العلاقات الخاصة بين الجيران فالكل يعرف الكل في هذه العمارة، إلا طالبتين جاءتا من الريف للتحصيل الجامعي في المدينة العريقة، لا شك أنهما انبهرتا بكل ما جد في المدينة، ولكن مع مرور الأيام بدأتا في التأقلم بتفاوت فيما بينهما، قليل خروجهما من الشقة إلا لضرورة، وأن تطلّب الأمر الخروج خرجتا معا. ساكنو العمارة من حين لآخر يقدمون لهما صحنا … لفتات لا يتوقع حدوثها في مجتمع غربي، الكثيرات يفعلنها بحكم العادة المتوارثة لاعتبارات كثيرة، شم الجارة الرائحة، من باب المعروف، أو عطفا منهن.

بمجرد بدء المساء يصبح فتح النوافذ حتميّا أو سيكون الضغط والحرّ خانقا… تسمع في بيت الميسورين أزيز مراوح السقف أو صوت مكيف مثبّت في جدار الغرفة، الميسورون قلة في هذا الحي، هنا أناس بسطاء من عامة المجتمع … وهما في غرفتهما المفتوحة نافذتها كامل المساء… بدأت الحركة تقلّ وغدا السكون ناقلا للصوت الوافد من بيت الجار الساكن بالطابق الأسفل، في تلك الأثناء ومصادفة كل منهما تربطه صداقة افتراضية مع هذا الجار دون علم أي أحد.

ليست هذه أول مرة يصلهما فيه نقاشاته الحادة مع زوجته وكانت دائما تدور حول ميزانية البيت والتأفف من أقل الأسباب. إحدى الطالبتين تجد متعة في المتابعة وصارت تنتظر كل يوم قاموسا جديدا من الكلمات النابية أما الأخرى فكانت تستنكف من ذلك، ولكن الليلة الأمر اختلف فالزوجة تصرخ بلهجة باترة حاسمة وهي تستشيط غضبا، بعثرت كل أغراضها بالغرفة وحشت حقيبتها بالبعض منها عازمة على الرّحيل بلا عودة، تأخذ عاصفتها معها، تلطم الباب وتغادر مخلفة وراءها سكونا، هذه المرة قرّر السكوت كأفضل حل حين يتفاقم غضبه … لاذ بصمت مفعم بالحزن عصر قلبه، لم يحاول أن يردعها عن قرارها، ولم يعد له أي اعتراض بعد أن قرأ على وجهها عدم أي اكتراث، تعدى الأمر كل إمكانية للصلح وشعر أن مدة صلاحيته معها انتهت بعدما أغلقت الباب تاركة النوافذ مفتوحة، فاندفع عبرها غبار الهجر وسط الشقة ويأس مستشرٍ والبحر المطل على المكان يبدو هادئا وجميلا.

بعد ساعة من انتهاء الحرب القائمة بينهما ودخول فصل المرحلة النهائية لحياتهما معا، فتحت إحدى الطالبتين النت ودخلت بدافع الفضول لمدونة جارها الشخصية.

 

تفاجأت عندما وقعت عيناها على نص نشره لتوه يقول فيه: يتكدّس في صدري حشد من الكلمات التي تنتظر أن أحكيها مع تنهيدة كبيرة تتسلق بتكاسل، كنت صغيرا ولم أكن أعي جيدا ما كان يحكي لنا العم صابر من حكايات كما أعيها الآن.

كنت أستمع إليه لأنه لا ينتظر مني سوى ذلك … يبهرني فيورّطني في حلقات سلسلة اصطباره التي لا تستطيع الاستغناء عن وضعها في رقبة حياتي أواجه بها ضربات الزمن الموجعة.

يتابع العم صابر صاحب الروح الطاهرة التي تشعّ من كل مسام كيانه حديثه بنبرة بريئة فيها نغمة موسيقية نقيّة: عتقوني عندما أسموني صابر منذ صيحتي الأولى الثاقبة بأولى دهشاتي من لسعة صقيع حين رموني في عالم غريب إثر صرخة أمي المدوية التي سرعان ما تلاشت في أرض فضاء وهي تصارع لتعطي حياة .. الحياة التي تؤلف قصصا بسلسلة من الغصص.

نصارع كي نلد، ونصارع كي نولد، ونلد بصرخة، ونولد بصرخة ونحن نشعر بلمسة الموت نصارع، وتبقى معنا صرخة أخرى مكتومة، تموت معها الكلمة الأخيرة بداخلنا … نخاف من العيش منفصلين ومبعدون في الخارج.

صيحتي كانت مفرحة لقلوبهم الحزينة منذ زمن لا يمكن حسابه.

قالوا حدود الصبر ما احتمل البشر من عناء وبرد ووجع من قوّة خارجة عن سلطانه، فالصبر للاحتمال رديف، والصبر عند المصيبة إيمان ولا رادّ لقضاء كان مقدّرا.

علّموني أن الصبر عند الأكل قناعة، أتساءل أيقصدون البائس المسكين الذي لم يجد ما يسدّ به رمقه فيورّثه الجوع المذلة ومعرفة الشيطان، أم الغنيّ الذي ترك الأكل من أجل الرشاقة تحسينا للمزاج، تنعيما للجسم بالصحة خوفا من مرض السمنة؟

فلو قنع أغنياؤنا بالقليل ما بقي بيننا محروم أو فقير ونحن في بلاد المسلمين والملايين غائرين من شدة الجوع.

قال لي صديق ذات يوم، إن أردت نشر خبر على أوسع نطاق قله لشخص وأوصيه بكتمانه، ما أن يطلع عليه النهار الجديد إلا ويكون قد عمّ البلاد لأنه سرّ … فصدر غيرك أضيق به من صدرك.

الصبر عندما تصيّر للسرّ من حشاك مستقرّا ومن صدرك له قبرا.

الصبر عند حفظ السرّ كتمان والكتمان أسيرك وإذا تحدثت به صرت له أسيرا ومن جميل ما قيل عنه ” لا تفشي سرّك إلا إليك فإن لكل نصيح نصيحا … فإني رأيت وشاه الرجال لا يتركون أديما صحيحا”.

أما الصبر على المحبوب فوفاء وثبات، إلاّ أن المطلوب من المحبوب عدم العصر ولا الكسر والعاشق معذب صبرا بتحمل ما لا يطاق من أثقال تتماوج في الصدر ونحن دائما نحمد ونذم على إرادتنا.

الصبر بحلاوة شدّته تتغنى به القلوب العطشى بأنين جميل للحظة أمل.

إنّه تجرع كأس المرارة والوجد حدّ الثمالة. حدّ أن يثمل معك الليل فيسقط مغشيا عليه فتغتصبه شمس الصباح بجمر واقعها . مرارة حد البكاء… تبكي معك السماء فتخفي سيولك بدموعها. حدّ الضحك بصوت عالٍ كصوت ريح مجنونة تسابق مسافة في إحدى الجيوب دون معطف. حدّ الدهشة، يندهش منها الصخر من الموج وهو ينحته ويمارس عليه جبروته. حدّ الرقص كرقصة زوربا على ذلك الخراب الجميل الذي بقي أسطورة من ضمن الخالدين.

يبقى الصبر أرقى أنواع الوجع في زمن تأخذ فيه الأقدار كل شيء مأخذ جد في الدائرة المضطربة.

هو وقوف على البلاء بلباقة وحسن الأدب في عالم قلّ فيه الأدب.

تلك كانت إحدى حكايات العم صابر المعذب صبرا، صابر كالجمل.

– استمع إلى صراخ الأم وهي تضع وليدها، انظر إلى صراع الرجل مع الموت وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثم أخبرني: هل من يبدأ هكذا وينتهي كذلك يكون قد خلق للسعادة؟ عن – سورين كيركغارد ….

كان ذلك تعليق إحدى الطالبتين تحت نص المنشور، في ذلك العالم الأزرق الذي لا يختلف بدوره عن الواقع الرمادي.

 

ياسمين خدومة

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“ملائكة في غزة” عمل روائي جديد للدكتور محمد بكر البوجي

“ملائكة في غزة” عمل روائي جديد للدكتور محمد بكر البوجي كتب: شاكر ...

يا دمعَ المراكبِ / بقلم: مرام عطية

يا دمعَ المراكبِ / بقلم: مرام عطية ـــــــــــــــــ يا ساكن ضلوعي يا ...

امرأة أعشقها حقا/ بقلم: عبد الباسط الصمدي أبو أميمة

امرأة أعشقها حقا بقلم: عبد الباسط الصمدي أبو أميمة ــــــــــــــــ يحدث أن ...

دراسات في أدب الأطفال المحلي للكاتب سهيل عيساوي/ بقلم: د. روز اليوسف شعبان

دراسات في أدب الأطفال المحلي للكاتب سهيل عيساوي بقلم: د. روز اليوسف ...

قاب قوسين/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

قاب قوسين/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ………………. حينَ عانقني همسُ النوافذِ ...

واحدٌ نبضي/ بقلم: عبلة تايه

واحدٌ نبضي بقلم: عبلة تايه/ فلسطين ـــــــــــــ وأقولُ يخطئهُ الظلامُ  وشايةً فالليل ...

إستعراض لقصَّة ( عفيف يُحبُّ الرَّغيف ) للأديب سهيل عيساوي/بقلم: د. حاتم جوعيه

  إستعراض لقصَّة ( عفيف يُحبُّ الرَّغيف ) للأطفال  للأديب  سهيل  عيساوي   ...

كتاب “الأسد الذي فارق الحياة مبتسما” والنهايات المدهشة للكاتب سهيل عيساوي/ بقلم: السيد شليل

الأسد الذي فارق الحياة مبتسما والنهايات المدهشة   بقلم: السيد شليل -مصر ...