الرئيسية / قصة / الجدة باكيزة/ بقلم: شارا رشيد

الجدة باكيزة/ بقلم: شارا رشيد

 

 

 

 

 

 

 

 

الجدة باكيزة/ بقلم: شارا رشيد

قصة قصيرة ..

 

تنازعتها رغبات عارمة استوطنت قلبها منذ أكثر من عقد، إلا إن زحمة الحياة كانت تقف حائلا بينها وبين ما يعتمل في صدرها من شوق إلى زيارة جدتها باكيزة في القرية ،كما وأن الوقت بخل عليها بيوم تسترد فيه حلماً حنوناً لتقف عاجزة كل مرة أمام رغباتها وجوعها، لكنها كانت في كثير من الليالي  تغمض عينيها على مشهد  ظل عالقاً في ذاكرتها ، مشهد جلوس جدتها (باكيزة) في باحة الدار متكأة على عمود مصقول من جذع شجرة جوز يرفع سقفاً طينياً لبيت ريفي بسيط  يلعب تحته أحفادها الذين يصعب معرفة عددهم أو التفريق بينهم ، تقضي وقت العصر بغزل الصوف المجتز من الخراف البيضاء تحيك منه (شالاً بلدياً) لأبنها الوحيد الذي أكرمها الله به  بعد سبع بنات، وكيف كانت عيون الجدة تلمع فرحاً برؤية حفيدتها المعلمة(آشنا) التي  حلت على جدتها وخالها الوحيد في القرية ضيفة عزيزة لتلك العامين حيث تعيينها الأول  وهي تأكل الخبز البلدي مغمساً باللبن الرائب المعد من حليب بقرتهم التي ظلت على سخائها وعطائها رغم الحصار الاقتصادي والجوع الذي أنهك البشر والحيوان لسنوات  طوال،  فتتذكر (آشنا )عينا جدتها اللتان كانتا مغمورتان بالحب وهي تتابعها تأكل

ــ جدتي لم لا تشاركينني الطعام ؟

ــ كلي يا حبيبتي ,فأنني والله أنا أشبع كلما رأيتك تأكلين  .

كانت الجدة تقول ذلك بصوت مرتعش مملوء بالمحبة، صوت ينم عن صدق لا مواربة فيه، كل مرة تتذكر(آشنا) ذلك الحوار تنهمر من عينيها دمعة ساخنة أو يكتنز قلبها نشوة ضائعة الضفاف. في إحدى الصباحات رن هاتفها ليلقي عليها أحد أولاد خالها خبر موت جدتها دون أن تحظى بذلك اللقاء وتخرج تلك الشوكة من قلبها. حالما سمعت الخبر أنتفضت من مكانها وبسرعة قصوى وكأنها تريد استباق النهار لملمت حقيبة سفر صغيرة، وقصدت ترمينال المدينة متجهة إلى القرية التي غادرتها منذ سنوات تاركة هناك عمراً جميلاً، وجدتها التي غادرتها على غفلة، تحمل على أكتافها حزنها على جدتها وشوقها إلى ذلك المكان وتلك المحبة التي كانت تحمل الناس على الشبع في أقسى أيام الجوع.

كيف ما أتفق أستقلت  سيارة تاكسي مع راكبين آخرين , وأنطلقوا نحو القرية التي تبعد مسافة تزيد على الثلاث ساعات ,من نافذة السيارة سرحت بخيالها تراقب هروب الأشجار على جهتي الطريق وكيف يغير السهل المنبسط لون ردائه بين الحين والحين , ذاكرتها المعبأة بالتفاصيل والأسماء أسعفتها في  استرداد الكثير من المشاهد والذكريات الحلوة والمواقف الساذجة تلك التي تعرضت لها معلمة المدينة الجميلة المتأنقة ذات العشرين عاماً وهي تطأ لأول مرة بحذائها الأنيق والنظيف تراب طرقات القرية غير المعبدة، زادها غروراً وثقة بالنفس تطلع عيون الأهالي اليها صغيرهم وكبيرهم وكأنها نجمة سقطت من كوكب آخر,  فتبتسم في سرّها دون أن تظهر أي ردة فعل ,طول الطريق تذرف الدموع وهي  تتخيل ما صارت عليه ملامح الأولاد الصغار وماذا حل بعمود البيت والباحة الواسعة ,والبقرة التي كانت تعيلهم أيام العوز … ترى هل أتوا بغيرها وأن اللبن المعلب أغناهم عن الحب الذي كانوا يرضعونه من أثدائها ! ماذا حل بالجيران وصديق العائلة المقرب (العم رسول) المختال بنفسه وهو الذي لا يفك الحرف، يرد عليهم كل ليلة بعد العشاء ليخسر جولتي طاولة ويغادر مبرراً خسارته كل مرة بطريقة ما مقتنعاً بذكائه حتى النخاع، يذكرها في ذلك بشخصية دون كيشوته بطل رواية السارفانتس، والبرية التي تطل عليها باحة الدار حيث مهربها وقت الضجر تجمع أزهار البابونج في باقة كبيرة وتضعها عند عودتها مساءاً في قدح كبيرفي محاولة تزيين نافذة الغرفة على عادة أهل المدينة.

ظلت نسرين سارحة بخيالها وبذاكرتها حتى أرتفع صوت السائق منبهاً الركاب الى أنتهاء الرحلة ,ترجل الركاب من السيارة وذهب كل منهم في أتجاه، لكن معالم القرية كانت قد تغيرت كثيراً فأدركت أن عليها أن تستعين بأحدهم  لتتعرف على الطريق المؤدية الى بيت جدتها ,لم يكن الأمر صعباً فسرعان ما عرض عليها ولد  بشوش من أهالي القرية المساعدة وبعد أقل من سبعة دقائق مشياً على الأقدام كانت سوزان أمام بيت كبير من ثلاثة طوابق مبالغ في زينته الخارجية وألوان الطلاء وتفاصيل  كثيرة لا مبرر لها .لا باحة ولا عمود ولا شباك يتسلل  منه نسيم البرية ,

الترحيب لم يفقد حرارته  لكنه لم يقوى على  كبت دموع تناثرت هنا وهناك أول طلب لها كان زيارة قبر الجدة رافقها المشوار زوجة الخال وأثنين من بناتها ,عادا من المشوار ممتلئ قلبها بغصة لكنها رغم ذلك كانت تحاول أن تضلل الآخرين عن حزنها متكأة على الحديث عن رحلتها المتعبة ومواضيع شتى تلائم من غاب أكثر من عشر سنوات ,تتبادل معهم الأحاديث متسآلة عن كل شيء وتحاول أن تشبع فضولها وشوقها, تستعيد مع أبناء وبنات خالها الذين غدوا شباباً وشابات تقرّ بهم العين أياماً جمعتهم على الضحك و اللعب والسمر حتى آواخر الليل , هكذا  حتى غربت الشمس وأعدت مائدة العشاء وكان عليها من أصناف الطعام والشراب ما جعلها تعتقد أنها في وليمة أعدت لجميع أهالي القرية ,التمّ جمع غفير من العائلة والأقارب حول المائدة وظل مكان الجدة فارغاً ,تلك التي  ما كانت تشبع جوعها برؤية أحفادها يأكلون , كانت عيون (آشنا)  تراقب شراهتهم وجوعهم، الكل يأكل بنهم شديد وما عاد أحد يخشى أن يبقى غيره جائعاً ,  ولكنها للمرة الأولى تشعر بأن لا  أحد  فيهم يشبع .

الكاتبة والتشكيلية / شارا رشيد

 

عن Xalid Derik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إلى امرأةٍ تُدعى “صوفي”/ بقلم: فراس حج محمد

إلى امرأةٍ تُدعى “صوفي“ بقلم: فراس حج محمد/ فلسطين ــــــــــــــــ امرأةٌ لم ...

قراءة في خريطة الإبداع الأدبي والنقدي للكاتب وليد أبو بكر / بقلم: فراس حج محم

قراءة في خريطة الإبداع الأدبي والنقدي للكاتب وليد أبو بكر بقلم: فراس ...

الرسالة 55 “كلّ شيءٍ مزحم على ما يبدو” / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الخامسة والخمسون كلّ شيءٍ مزحم على ما يبدو فراس حج محمد/ ...

صدرت حديثًا رواية (رائحة العندليب) للروائي السعودي عبد العزيز حسن آل زايد

صدرت حديثًا رواية (رائحة العندليب) للروائي السعودي عبد العزيز حسن آل زايد ...

تسألني من حبيبتي …؟/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

تسألني من حبيبتي …؟ بقلم: عصمت شاهين دوسكي ــــــــــــ تسألني من حبيبتي ...

كابوس …/ بقلم: أحلام محمود

كابوس …/ بقلم: أحلام محمود ـــــــــــــــــــــــ  الأمر مخيف هذه المرة أكثر مما ...

يصدر قريبًا ديوان “أَحببتُ أرنب” للشاعرة اليمنية العنود عارف

يصدر قريبًا ديوان “أَحببتُ أرنب” للشاعرة اليمنية العنود عارف ــــــــــــــــــــــ يصدر حديثاً ...

مهاجرون نحو الشرق… أول سلسلة روائيّة يصدرها الروائي عبد العزيز آل زايد

مهاجرون نحو الشرق أول سلسلة روائيّة يصدرها الروائي عبد العزيز آل زايد ...