الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / قراءة في ديوان الشاعر أحمد حميد الخزعلي “ألسِنَـــــــةُ الضَّـــــــوء والمُقدّمَــــــــــة” / بقلم: مـــــــــنذر عبد الحــــــــــر

قراءة في ديوان الشاعر أحمد حميد الخزعلي “ألسِنَـــــــةُ الضَّـــــــوء والمُقدّمَــــــــــة” / بقلم: مـــــــــنذر عبد الحــــــــــر

 

 

 

 

 

 

قراءة في ديوان الشاعر أحمد حميد الخزعلي “ألسِنَـــــــةُ الضَّـــــــوء والمُقدّمَــــــــــة”

بقلم: مـــــــــنذر عبد الحــــــــــر

 

أَلسِنَـــــــةُ الضَّـــــــوء

(تَوهُجُ الرؤى في رَهافةِ المعنى)

لا ريب أن الشعر مدى واسع من التأمل والبوح والإفاضة الروحية، وهذا السحر الذي ظلت أمة العرب تردد إيقاعاته، وهي تؤرخ فخرا وتشدو أحداثا وتؤكد وقائع، هو السحر الكلامي الأكثر جدلا بين الفنون التعبيريّة.

وهذا الجدل ارتبط بطبيعة التجديد التي اجترحت ثبات شكله عبر قرون ، ليشهد حركة تحويله إلى نمط قصيدة التفعيلة أو ” الشعر الحر” الذي جاء على يد رواده السياب ونازك والبياتي وبعض الشعراء الذين عاصروهم ، ورغم التزام قصيدة التفعيلة ببحور الشعر ، إلا أنها واجهت ردود أفعال متشنجة من شعراء العمود ، الذين اعتبروا الخروج عن الإطار الفراهيدي عبثا لا مبرر له ، و لا أريد الخوض هنا في تفاصيل هذا الصراع الذي كتبت عنه مؤلفات ونوقشت فيه رسائل جامعية عديدة ، حتى صار واقع حال وشهد انتشارا وفرسانا أبدعوا وجددوا في جسد قصيدة التفعيلة.

وفي العقود الأخيرة ، أخذ الشعراء يشتغلون على تجربة “قصيدة النثر” التي مازالت حتى هذه اللحظة مثار اختلاف وجدال ، بين اعتراف بها كَلون من ألوان الشعر ، وبين رفض لها كونها خالفت شروط الفراهيدي في العروض والإيقاع وبحور الشعر العربي الستة عشر ، وكذلك اجترح شعراؤها لأنفسهم منابر تعبير مختلفة ، حتى غدت قصيدة النثر بسبب غياب الضوابط المنظورة ، ميدان واسعا ضم الجميع، بجيدهم ، ورديئهم ، بمن يتمتع بموهبة استثنائية واضحة ، وبمن لا يعرف من الشعر غير رصف كلمات معينة ، الهدف منها الإثارة أو الاختلاف ، أو تحقيق هدف شخصي ما.

ولكوني أحد المتابعين للشعر والشعراء، ولاسيّما من يكتبون في مجال قصيدة النثر، فقد استوقفني قليل من شعراء هذا اللون الصعب جدا، لا كما يبدو في ظاهره بسيطا متمكنا منه، سهل الأداء، وهذا القليل من الشعراء، يعرفون أسرار الاشتغال ضمن مضمار هذه التجربة، التي تبدو بلا محددات أو ضوابط واضحة، لكنها مع شعرائها المتمكنين من أدائها أداءً مبدعاً جاداً، تجد ضوابط وإن كانت خفية أو غير مؤشرة في قالب أو إطار، إلا أنها تتضح مع حرفية وخبرة وجدية من تعاملوا معها من الشعراء.

 

أقفُ اليوم مع شاعرٍ شاب، أعجبتُ بوعيه وجديته في تعاطي القصيدة الجديدة، وعندما قرأتُ مجموعته الشعرية الأولى ” ألسنة الضوء”، وجدتُ في لغته ثراءً، وفي جملته حدة وتوتراً، وفي موضوعته تحليقاً في فضاء من التخيّل المنطلق من

هموم الإنسان وأوجاعه وقضاياه المختلفة، فالشاعر أحمد حميد الخزعلي، قادم بقوة، وبخطوة واثقة ليضعها في طريق الشعر المعبّد بالآمال والطموحات، التي أراه مؤهلا لها.

في قصيدة (ابتسامة الوجع) يقول الخزعلي:

 

أذرع الشوارع مزيّتة بساعات المتعبين

حينما ولدت الحروب من أضلاعهم

كأنهن بنات ليل

يغرين هامش الحياة

لمقايضة خاسرة

 

في مثل هذه الأرضية الشعرية، تمتزج المشاعر والأحاسيس، بالفكر والمعرفة، والرؤية الصادمة والمفارقة أيضا، في لحظة مشحونة التقطها الشاعر من غمار الواقع، ليبوح ويتأمل ويطلق تعبيراته موجزة واخزة، فينجح في رسم لوحته، رغم أنها قاتمة إلا أنها جاءت منسجمة مع الحال الذي نعيش تفاصيله الموجعة، من خلال ابتسامة معبّرة، وهكذا تتهادى القصيدة راصدة أفعالا حياتية، تنطلق في فضاء شعريّ خالص.

موضوعات عديدة تبثّ في قصائد تحمل دلالاتها بدءا من عناوينها الملفتة حقا، مثل: دوبلير وكابوس وربوة الانتظار وغيرها، من العناوين التي لا تعد تقليدية، هي موضوعات منتزعة من جسد الحياة، ومنتخبة لأنها تمثل الوتر الحساس في الهاجس الإنساني …

 

وإذا أردتُ الإطلالة على جميع قصائد المجموعة، فإني سأمضي في قراءة مطولة، تفصيلية، قد أؤديها بعد صدورها بإذن الله، لكنني هنا وحتى أكون منصفا في تقديمي، سأؤشر بعض النقاط التي وجدتها في شعر الخزعلي، وهي جميعها علامات مهمة على تَمَكُن الشاعر من أدواته، ومعرفته الواضحة بجوهر الشعر وأسرار بلوغ مناطق تعبيره الأكثر دلالة وعمقا وصناعة أيضا.

ولعل توقفي الأول عند قصيدة ابتسامة الوجع، فلأنني وجدت فيها بؤرة مضيئة ورؤية دقيقة لطبيعة اشتغال هذا الشاعر، ولعلي أتوقف عند نصوص أخرى، لها أبعاد فنية ودلالية مختلفة.

 

فقصيدة (دوبلير) مثلا هي قصيدة قناع وتقمّص بامتياز، فهي تأتي على لسان وعي الشاعر حين يستعير البديل، فيبوح قائلا:

 

الندب التي أحدثتها مغامراتي اللعينة

لا تزال شاخصة في جسدي

حاولتُ أن أصنع من ضمادها سيكارا

وأدخنها بهدوء

لأنتزع هذا الكم الهائل

من الخيبات المتكررة

إلى آخر القصيدة حيث يقول فيها:

كان عليّ ألا أتمرّغ في الظل

أنا لا أشبه أحداً

 

نتأمل هنا الوجع الإنساني والدور البديل، الذي يضطر كل فرد في المجتمع بسبب الضغوط الحياتية والوجودية إلى تقبّل هذا الدور وتحمّل وجعه، وهكذا يرصد الشاعر بإحساس عالٍ من الرهافة، التحولات التي يعانيها الإنسان وهو بموقع الدوبلير، لينتهي أخيرا بنتيجة صادمة تمثّل صرخة، تصلها القصيدة بحدة وإشارة ذكية للذات التي تأبى إلا أن تكون كما يراها الفرد الشاعر، الذي استعار قناعا، ليدلي ببوحه وينسج نصا متوترا جميلا، يعد من نصوص قصيدة النثر المؤثرة حقا.

 

وفي قصيدة (ربوة الانتظار) يعطي الشاعر استنتاجه عند مطلع النص، ليبدأ من النهاية، حيث إبصار كلّ شيء، في لحظة تماهٍ، مع رؤية كلكامش الأسطوري التي يعشق الشاعر مساراتها، فينطلق من قوله وهو الذي رأى كل شيء، ناسجا نصا متقنا وصانعة ربوة لانتظاره وهو يقول:

 

أبصرتُ كلّ شيء

عندما حرستُ الظلّ في هزيع الليل

تقاسمتُ الكأس مع ذات الصمت

ورأسي المحمّل بنشوة الحنين

مازال محتفظاً بتلك الخرائط

المرسومة على وسائد الذكرى

 

وهكذا يمضي النسج النصي ليعبر بدقة وأناة عن رحلة نُبصِرُ فيها كل شيء ، لكننا نباغت بالحياة وقوانينها ، وهو صراع وجودي ، ومعادلة مهمة تتوزع على معظم قصائد الشاعر ، فتمنحها بعدا دراميا ذا أهمية واضحة ، من أجل السير بالقصيدة في تصاعد فني ملفت حقا ، وهكذا مع القصائد الأخرى في المجموعة ، حيث تستدعي قراءة منفصلة ، لما تحمله من غنى فني ودلالي ، ربما لا يتسع المجال هنا للاستفاضة فيه ، لذلك سأتوقف عند باقة من القصائد ، لا لأنها أهم من القصائد التي لم أتوقف عندها ، بل لأن كل وقفة مع قصيدة ، تمثل عندي مثابة تجتمع إليها مجموعة من القصائد التي تنتمي لذات البعد الفني والدلالي.

وعليه تكون مجموعة (ألسنة الضوء) تشتمل على مفاصل فنية موضوعية، كل مفصل، توقفتُ عند نموذج مختار منه، وبالتالي تكون هذه المفاصل الفنية مجتمعة، هي الحقل المثمر الجميل، لإبداع الشاعر أحمد حميد الخزعلي.

في قصيدة (مشهد) يرسم الشاعر بحركات أرى فيها إيقاعا مختلفا، يرسم عالما من الأشياء المتصارعة من أجل خلق بعد تصوري، أعطاه الشاعر مفردات نسقها غريب، مبررا ذلك بطبيعة الصراع والاحتدام النفسي، حتى إنه يلجأ للهوامش موضحا مفردات اختارها في جسد مشهده، ليرصد طبيعة وجسامة الحدث في مشهد يبدأ بتمهيد ملحمي، ترافقه موسيقى تصويرية، ثم لوحة نشيج مشترك وهكذا وصولا إلى صحو ذي دلالة بيئية واقعية تنزل الستار على الحدث فيقول:

 

في عزلة الأرض الهادرة

تعزف أوركسترا الوجع

قطعة موسيقية

لتعجّ الصدور بنشيج عال

وترقص الأجساد رقصة الباليه

بعيدا عن أبالسة الحي.

 

ولعل قصيدة (أَلسِنةُ الضّوء) تأخذ منطقة أخرى في البوح المنساب برقة ودفء

وشجن، تعطي لهذا النص نكهة خاصة في التلقي، لأنه منسوج من شحنة جياشة

يرصد الشاعر آفاقها حيث يقول:

 

تراءت صور الماضي

كألسنة الضوء

تبحث عن أحلام هجرت مضجعها

قبالة فجر كاذب

 

حتى تنتهي بذروة الحزن والقلق، والإحساس بجسامة وفجيعة الواقع حيث يقول:

 

أنا قلق جدا

أخشى من غرق آخر

سفينة نوح لم تكتمل بعد.

 

إذن هناك تجربة في الغرق، والحروب والمآسي والأشجان العاطفية والإنسانية المتلاحقة، والقلق مازال مهيمنا طالما فكرة المنقذ مازالت بعيدة عن متناول اليد، لذلك يكون هذا النص شهادة فنية ناجحة في الحياة والتجربة التي صاغها الشاعر بمهارة وتقنية تستحق الإشادة حقا.

من القصائد ذات الدلالة المباشرة في كونها رسائل مأخوذة من الواقع ومبثوثة إلى ذوات بعينها قصيدة (رسالة إلى ضمير) وهي تخاطب وتشير، وتنبه، بلغة حادة، تأخذ حدتها من طبيعة الموضوع، فتكون خطابا شعريا صادما له وقعه الوجداني المؤثر.

كذلك تأتي قصيدة (مرشح آخر) مستبطنة مما يعانيه الناس من نتائج تحملنا معاناتها بألم شديد فتبدأ هذه القصيدة بعبارة واخزة هي ” كاذب هو ” ثم يسترسل في تداعيات هذا الكذب ….

 

ومن مفاصل المجموعة الشعرية الممتعة للشاعر أحمد حميد الخزعلي، القصائد

التي اخترت نموذجا لها قصيدة (لعينيك) ذات الإطلالة العاطفية الرقيقة والغزل

المبثوث بوحا غنائيا مدعما بالوجع والشجن والمعاناة، لتكون الحبيبة معادلا

موضوعيا للعديد من الرؤى والإحالات

يقول الشاعر فيها:

 

تشتعل في أعماقي ثورة هوجاء

أحاول تمالك بعضي

أركن لسريري الشاحب

إلى أن يقول:

هكذا أبدو حين ألمحك

منتحبا

مشاغبا

 

وهكذا تفعل الأحاسيس المتفاوتة في ذهن الشاعر فيلقيها على جسد البوح ليعبر عن ذاته المهتاجة عشقا وولعا واضطرابا سببه الحزن، والعالم المحيط بأي حبيبين، حتى ” يصاب بالتوحد ” كما يقول في هذه القصيدة.

سأكتفي بهذا القدر من إشاراتي لبعض مفاصل المجموعة الشعرية المبدعة

(أَلسِنَــــــــــةُ الضَّــــــــــوء) وأحيي الشاعر أحمد حميد الخزعلي، الذي أرى فيه شاعرا ذا قدرة طيبة في أداء نص مهم له وقعه.

مع أصدق وأجمل تمنياتي له بالتواصل والعطاء المتجدد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: الشاعر العراقي 

مـــــــــنذر عبد الحــــــــــر

 

عن Xalid Derik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهاجرون نحو الشرق… أول سلسلة روائيّة يصدرها الروائي عبد العزيز آل زايد

مهاجرون نحو الشرق أول سلسلة روائيّة يصدرها الروائي عبد العزيز آل زايد ...

قراءة في رواية “يس” للروائي أحمد أبو سليم/ بقلم: صفاء أبو خضرة

قراءة في رواية “يس” للروائي أحمد أبو سليم بقلم: صفاء أبو خضرة/ ...

  أبدأ بنفسك أولا / بقلم: :إبراهيم أمين مؤمن

أبدأ بنفسك أولا                                           «من رواية قنابل الثقوب السوداء» بقلم: :إبراهيم أمين ...

برق أزرق وذكريات/بقلم: سالم الياس مدالو

برق أزرق وذكريات بقلم: سالم الياس مدالو ــــــــــــــ حول مدارات الليل يتكاثر ...

قمر و”كوفيد الاحلام” / بقلم: زياد جيوسي

قمر و”كوفيد الاحلام” بقلم: زياد جيوسي ــــــــــــــــــــــــــــــ    قمر عبد الرحمن.. هذه ...

الروائي آل زايد يصدر أول إنتاجاته الروائيّة

الروائي آل زايد يصدر أول إنتاجاته الروائيّة ـــــــــــــــ صدر حديثًا عن دار ...

طبعة وإصدار شعري جديد: “أنفاسٌ تحتَ كِمامَة” للكاتب محمد آيت علو.

طبعة وإصدار شعري جديد: “أنفاسٌ تحتَ كِمامَة”  للكاتب محمد آيت علو.  ــــــــــــــــ ...

الرسالة 54 “كم أنا رجل محظوظ بك” / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الرابعة والخمسون كم أنا رجل محظوظ بك فراس حج محمد/ فلسطين ...