الرئيسية / مقالات / لماذا الكورد وليس الأكراد/ بقلم: جوتيار تمر

لماذا الكورد وليس الأكراد/ بقلم: جوتيار تمر

 

 

 

 

 

لماذا الكورد وليس الأكراد/ بقلم: جوتيار تمر

جوتيار تمر/ كوردستان

22-9-2018

تتشكل معالم التاريخ الكوردي الحديث ضمن مسارات متنوعة، ويخوض الكورد صراعاً ونضالاً منقطع النظير على جميع تلك المسارات من أجل الحصوص على حقوقهم كاملة، ولا يخفى على أحد أن الصراع السياسي محتدم بصورة كبيرة في الأجزاء الكوردستانية الأربع، وهو الصراع الذي يحمل مع السعي السياسي الحثيث الكفاح المسلح، وبعيداً عن النتائج التي حصل الكورد عليها من تجربتهم السياسية والمسلحة، فإننا نعيش وقع صراع آخر ضمني وترافقي، وهو الصراع الذي بات يشكل معالم الرؤية الكوردية للآخرين، ورؤية الآخرين للكورد أو كما يقول د. حيدر لشكري ” جدلية النحن والآخر “، وذلك عبر استقراءات مختلفة ومنوعة، فالكورد ينظرون إلى من حولهم بالأخص إلى مضطهديهم من دول الجوار على أنهم لايسعون فقط لإبادتهم قومياً، بل أصبحوا يؤمنون بأنهم يسعون لطمس معالم وجودهم الحضاري والإنساني واللغوي والجغرافي والاثنوغرافي، وهذا ما يدفع غالبية الكورد الى رفض تلك السياسات الدكتاتورية، ورفض التفاعل والتعامل مع الأجندات الخارجية تلك حتى ثقافياً، حيث ليس بغريب أن نسمع بين فترة وأخرى جدالاً وسجالاً مثلاً حول تسمية الكورد، حيث يصر  أعداء الكورد على فرض ايديولوجيتهم الناقصة ” ذات الطابع العنصري”  على الواقع الكوردي من باب السلطوية وباب أن الكورد خاضعين لحكمهم، دون أي اعتبارات تاريخية ليس فقط لجذور التسمية التي لا تمت إلى أي أصوليات لسانية ولغوية متعلقة بالكورد ، وأنما إلى حيثيات تاريخية وتلازميات اشتقاقية يراها غيرهم بصورة تتناسب أكثر مع الرؤية الكوردية نفسها، في حين ينظر أصحاب الفكر القومي العدائي للكورد على أنها من صميم لغتهم القومية، وذلك بالضبط ما يشكل نقطة صراع أخرى بينهم وبين الكورد.

 

يصر كل من الأعراب والأتراك والفرس على تسمية الكورد بالأكراد، أو حذف الواو وكتابتها بما يتناسب قواعد لغاتهم، وفي اصرارهم هذا لا يؤكدون عدائيتهم فقط أنما يؤكدون أن تمسكهم بلغتهم وجذورها وأصولها هي أساس تقدمهم، في حين ينكرون على الكورد من الجانب الآخر على تمسكهم أيضا بتسميتهم التاريخية الأصلية والمنسجمة تماما مع رؤيتهم لكينونتهم ووجودهم القديم والوسيط والحديث والمعاصر، وهذا ما فرض على المدافعين عن الكورد بهذه الصيغة على خوض السجال مع الآخرين، وهذا ما فرض أيضاً انقساماً كوردياً حول استخدام الأبجديات نفسها، فغالبية الكورد الآن يستخدمون الأبجدية اللاتينية والتي يقول عنها بولات جان ” الأبجدية الكوردية اللاتينية هي ضمن محاولات عديدة لإيجاد أبجدية تتناسب مع اللغة الكوردية بأصواتها وخصوصياتها وحركاتها، وكانت الأبجدية اللاتينية الأوفر حظاً فهي متداولة منذ أكثر من 2700 سنة، وكذلك فهي كانت لغة التجارة والتقنية والسياسة ومظهر من مظاهر التطور الحضاري نهاية القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى احتكاك المثقفين الكورد بالحضارة الغربية..”، وحين نقول بالأغلبية ذلك إذا اعتبرنا أن الكورد في شمال كوردستان وغربها معا يشكلون النسبة الأكبر  أو النصف على أقل تقدير، في حين أن الكورد في الجنوب والشرق يستخدم غالبيتهم وليس كلهم الأبجدية العروبية والفارسية ( مع خصوصية حذف بعض الأحرف المهمة، مثلا من الأحرف العروبية – ص- ط،ض، ظ  وإضافة أحرف كوردية – پ – چ – ژ – گ ) متأثرين بالانتماء الديني أكثر فحين اقتحم المسلمون الأعراب البلدان والأمصار سواء بدافع الفتوحات أو السيطرة والاحتلال “هجرت الأمم لغتها وألسنتها في جميع تلك الأمصار والممالك واتخذت اللسان العروبي لسانا لها ” كما يقول ابن خلدون،، وهذا ما فرض عليهم اتباع اصوليات لسانية تخضع لقوانين القوميات الحاكمة –  في حالة الكورد اقحمت بعض الاحرف في الابجدية الكوردية (ح – ع – غ) – ، تلك القوميات التي لا تتميز بتعصبها اللغوي فقط انما القومي والمذهبي الديني ايضاً،

كما تتميز بالانظمة الدكتاتورية التي تحكمها منذ تأسيس دولها، فضلاً عن كونها تتميز بالارهاب الفكري والعداء المستمر للكورد ومحاولة فرض ايديولوجيتها على الواقع الكوردي حتى في التسميات التي يطلقونها على الكورد، فمن خلال استقراء الإعلام العروبي  والتركي مثلاً نجدهم يصرون على تسمية الكورد بالأكراد متجاهلين ردود الأفعال الكوردية تجاه الكلمة حيث اصرارهم ليس مبني على اصول قواعد لغوية فحسب انما على نظرتهم للكورد ومحاولة اثبات أن الكورد هم مجرد بدو بعيدين عن التحضر ( اكراد تلائم رؤيتهم للاعراب الذين بنظرهم بدو وأقل حضارة )، وهذا ما يحاولون اثباته من خلال تعنتهم واصرارهم في حين يرفضون ان يسمهيم الكورد اعراب واتراك ومجوس لان في ذلك عنصرية قومية متوحشة من الكورد، وليس مخفياً إلا على أعمى ان النظرة العروبية الاسلامية الاممية -“نظرياً” فقط لانها لم تتحول الى فعل عملي واقعي مستقر الا لفترات متقاطعة – كانت تعتمد على التسمية العرقية الاثنونوميكية في حين نجدها فيما يتعلق بالكورد حملت مفهوما ودلالات اجتماعية شمولية تعدت تلك التسمية التي تطلق على مجموعة بشر ية معينة، فلم يطلق الاعراب المسلمين والفرس المجوس تلك التسمية على الكورد فقط انما وكما يذهب اليه المؤرخ ابو الحسن حمزة الاصفهاني كانت الفرس تسمي الديلم اكراد طبرستان وتسمي العرب اكراد سورستان،وذلك بسبب تشابه البناء الاجتماعي لهذه المجموعات وفي المقابل كان الاعراب المسلمين يطلقون على غيرهم أيضا اسم الاعراب تنقيصاً من شأنهم وتأكيداً على بدويتهم كما فعل اغلب المؤرخين المسلمين وهذا ما يتضح من خلال رواية حادثة حرق النبي ابراهيم حين سال احدهم عبدالله بن عمر”……. فاكد الاخير بان الكورد هم اعراب فارس..”، وهذا ما جعلنا نجد ترادفاً غرضياً مقصوداً وقسرياً لاسم الاكراد والاعراب مما يجعل الامر وكأنه حتمي ديني، وفي الحقيقة ان الامر كله نابع من المحددات المعرفية التاريخية الاسلامية نفسها، وكما يقول لشكري ان ” تعيين بداية التسمية بال (كُرد) ياتي استجابة لحاجة آنية الى معرفة اصل التسمية ، اي بمعنى آخر محاولة اعطاء اصل للتسمية كي يتسنى لهم بعد ذلك صياغتها وفق مآربهم واغراضهم ومعتقدهم سواء القومي الفوقي او الديني الاممي، حيث من هذا المنظور تجعل من تسمية الكورد لفظاً عربياً، وهي بلاشك كانت ضمن المحاولة الشمولية الرامية الى رؤية العالم والتفكير به عربياً اي قولبتها خاصة فيما يتعلق باشتقاقات الاسماء كي تكون معروفة ضمن تلك اللغة، ومن ثم تصبح جزءاً مقبولاً في الواقع الاجتماعي.

 

وتثبت الدراسات التاريخية ان الكورد لم يكونوا بعيدين عن سمات التحضر والاستقرار خلال تاريخهم بالعكس تماما فحين ظهرت معالم الحضارة لديهم وعلى ارضهم كانت اغلب الحضارات المتاخمة تعيش حالة الترحال المستمر، فقد ضمت الجبال والاودية والسهول بين رحابها تكوين اولى المجتمعات الحضرية المعتمدة على الزراعة والرعي والانتاج معاً ” جرمو” ، كما اصبح التداول الارضي سمة عصرية فحين تجبر الثلوج الاهالي للنزول من الجبل وتجعلهم يستقرون في السهول والادوية كان السعي لحياة اكثر انتاجاً ومحصولاً يجعلهم يعودون للجبال في اوقات الحر، مما يعني تنوعاً في توظيف الجغرافية حسب حاجاتهم ومتطلبات حياتهم دون هجر مراعيهم وانما الابقاء عليها وفق منظومة اجتماعية صالحة للعودة اليها، وذلك ما يفرض رؤية اكثر نضجاً على غرضية التسميات التي اطلقها المجوس والاعراب المسلمين على الكورد والتي كانت مبنية فقط على اصوليات ابجدياتهم بعيداً عن التصور التاريخي الواقعي للاسم نفسه ضمن السياقات الاكاديمية التي لا تتأثر بالمؤثرات العرقية واللسانية لأن النظر بتمعن الى الواقع نجد بان لفظة الكورد (الواو بعد الكاف) تناسب الاستخدام الكتابي واللفظي بشكل افضل ولا تضر بقواعد اللغة لاسيما ان المصادر التاريخية غير الاسلامية العروبية  قد اوردت اللفظة بشكل يلائم استخدام الواو بعد الكاف ( KURD-KARDU)، متجاوزين تلك القولبة الحتمية التي فرضتها الاداة المعرفية العروبية الاسلامية والمجوسية والفارسية.

لقد اثبتت الدراسات التاريخية الاكاديمية أن الكورد استعملوا ابجديات كثيرة في مراحل مختلفة من تاريخهم ، وتلك الدراسات اثبتت في الوقت نفسه ان الكورد اضافوا الى تلك الابجديات احرف تناسب لغتهم وواقعهم المعيشي ومع الاعتقاد بان اللغة المنطوقة والمسموعة المتداولة في الحياة اليومية لاي مجتمع انساني تختلف الى حد ما عن الكتابة باللغة ذاتها باعتبار النطق الشفهي ظاهرة صوتية اما الكتابة فهي وسيلة تقريبية للتعبير عن تلك الظاهرة بمعنى ان الكتابة لم تصل بعد الى مستوى التعبير عن كل الاصوات فانه يبقى ان اللغات الحية استخدمت نوع من الكتابة ومن بين هذه اللغات كانت للغة الكوردية باعاً طويلاً في محاولات الكتابة.

وذلك ما يفسره الاضافات التي اقحمها الكورد على الابجديات المستخدمة لديهم، فحين استخدم الميديون الابجدية المسمارية ذات (36) حرف اضافوا اليها احرفاً اخرى لتصبح (42) حرف ، وكذلك فعلوا مع اغلب الابجديات الاخرى ، وذلك ما جعل الكورد في محاولتهم لخلق ابجديتهم ان يستعينوا  بما يلائم ويتناسب مع القدرات اللفظية لديهم وفي الوقت نفسه نجد سعيهم ذاك يؤكد اختلاف لغتهم مع اقرانهم من الشعوب المعاصرة لهم، لذا نجد الميديين انفسهم استخدموا ايضا الابجدية الافستائية ذات (48) احرف، كما استخدم الكورد الابجدية الارامية والازداهية وماسي سورتي والارمنية والكريلية والعربية واللاتينية.

 

عن Xalid Derik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهاجرون نحو الشرق… أول سلسلة روائيّة يصدرها الروائي عبد العزيز آل زايد

مهاجرون نحو الشرق أول سلسلة روائيّة يصدرها الروائي عبد العزيز آل زايد ...

قراءة في رواية “يس” للروائي أحمد أبو سليم/ بقلم: صفاء أبو خضرة

قراءة في رواية “يس” للروائي أحمد أبو سليم بقلم: صفاء أبو خضرة/ ...

  أبدأ بنفسك أولا / بقلم: :إبراهيم أمين مؤمن

أبدأ بنفسك أولا                                           «من رواية قنابل الثقوب السوداء» بقلم: :إبراهيم أمين ...

برق أزرق وذكريات/بقلم: سالم الياس مدالو

برق أزرق وذكريات بقلم: سالم الياس مدالو ــــــــــــــ حول مدارات الليل يتكاثر ...

قمر و”كوفيد الاحلام” / بقلم: زياد جيوسي

قمر و”كوفيد الاحلام” بقلم: زياد جيوسي ــــــــــــــــــــــــــــــ    قمر عبد الرحمن.. هذه ...

الروائي آل زايد يصدر أول إنتاجاته الروائيّة

الروائي آل زايد يصدر أول إنتاجاته الروائيّة ـــــــــــــــ صدر حديثًا عن دار ...

طبعة وإصدار شعري جديد: “أنفاسٌ تحتَ كِمامَة” للكاتب محمد آيت علو.

طبعة وإصدار شعري جديد: “أنفاسٌ تحتَ كِمامَة”  للكاتب محمد آيت علو.  ــــــــــــــــ ...

الرسالة 54 “كم أنا رجل محظوظ بك” / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الرابعة والخمسون كم أنا رجل محظوظ بك فراس حج محمد/ فلسطين ...