الركن المسكوت عنه/ بقلم: الصديق بودوارة المغربي

 

 

 

 

 

الركن المسكوت عنه

بقلم: الصديق بودوارة المغربي

ـ 1 ـ

مجرد صفاء الجو، وخلو سماء عينيك من الغيوم، لا يعني وضوح الرؤية
أحياناً تضطرب مفاهيمك ، وتغيب عنك واضحات الحقائق، وتحتاج في لحظة بعينها إلى أن ينير لك غيرك الدرب، كي لا تتمادى في الخطأ.


                                      ـ 2 ـ

دائماً يُطرح نفس السؤال، ونحن نتابع ” تسونامي” التجهم عبر الفضائيات، ونراقب الوجوه العابسة وهي تشرعن للقسوة والشر، ثم تصنع من الاسلام مشجباً تعلق عليه الرؤوس المقطوعة، دائماً تطرح علامة الاستفهام نفسها، ويطل من جديد ذلك السؤال: لماذا يحرص الكثيرون على إخفاء تعاليم الرحمة من أدبيات الإسلام؟ وكيف تمكن سادة الاستبداد الجدد من مواراة آيات المودة والرحمة والتعايش بين البشر؟ وبأي قدرة خارقة استطاعوا أن يطمروا من كتب السيرة آلاف الروايات عن قصص مذهلة للتراحم والتسامح بين الناس؟

                                     ـ 3 ـ

((الجهل ليس شراً مطلقاً .. أحياناً نبني من جهلنا بيتاً نأوي إليه، نوقد نار التجاهل، ونتكئ على لامبالاتنا بكل شيء، أثناء ذلك، نعيش سعداء، إلى أن نتعلم من جديد. ))

ـ 4 ـ

شخصياً، اعترف لهؤلاء ” الأشاوس ” بقدرٍ مذهلة على ” التجهيل” وليته هذه المر تجهيلاً إجبارياً، إنهم ” يجهلونك” باختيارك وبرضاك الكامل، والوسائل بلا عدد.

قد يجهلونك بمسابقةٍ جائزتها الأولى سيارة فارهة، أو يجهلونك بآخر إصدارات “آيفون”، وربما يجهلونك حتى بمجلدٍ كامل من سلسلة    ” عالم المعرفة “، من قال إن المعرفة لا تكون أحياناً طريقاً ملوناً يقودك إلى الجهل؟

ـ 5 ـ

ولكي لا تخدعنا جوائز السيارات الفارهة، ولا آخر إصدارات الآيفون دعوني أخبركم شيئاً عن مثالٍ رائع للتعايش، لم يتطوع أحد المنظرين وجهابذة الكراهية بإخبارنا عنه ولو بنصف حرف، دعوني أخبركم شيئاً عن ” باقول الرومي “.

ـ 6 ـ

((باقول الرومي، مولى سعيد بن العاص كان نجاراً بالمدينة، روى عنه صالح مولى التوأمة: “أنه صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم منبره، من طرفاء، ثلاث درجات: القعدة ودرجتيه”.
أخرجه الثلاثة، وقال أبو عمر: إسناده ليس بالقائم.))

في “أسد الغابة في معرفة الصحابة ” لابن الأثير نكتشف ــ بعد أن نعرف أن “الطرفاء” هي نوع من خشب شجرة معينة ــ أن بصيصاً من النور يكمن هنا، بالتحديد، في باب الباء والألف، وغاية بداية المعرفة هنا هو موت الجهل، ذلك الجهل الذي يحكم فيما يحكم باستعباد غيرنا من الأمم، وهوانهم علينا، فها هو رسول أمة الإسلام وقد عاش معه في نفس المدينة نجار ماهر، فلم ير فيه سوى صاحب صنعة يمكن أن ينتفع الناس بصنعته.

لم يتعرض الرجل لخطرٍ يتهدده، ولم يدس له أحد على طرف رداءه ولا شرفه ولا عقيدته، بل أن رسول الأمة شخصياً يستعين به ليصنع له منبره الذي يخطب عليه للناس.

أحياناً يزول جهلك، أو ينحني قليلاً لبصيص نور المعرفة، فقط، لو كنت راغباً بأن يزول الجهل !!

ـ 7 ـ

لكن ” باقول ” ليس وحده مثال التسامح في الموروث الاسلامي، فأنت لو تحليت بروح التسامح في داخلك، فإنك توجد تتلمس بإحساسك تلك الرعشة الودودة التي تخبرك أن الكراهية هي ثقافة خراب، وأن الحقد والتوتر هما ” سلاح كيمياوي” يحرق جذور الابداع في صدرك، فهل يمكن لنا أن نحارب سلاحك الكيماوي البشع بقليلٍ من الحديث الودود عن ” سفيان بن حرب “؟

ــ8 ــ

من نهايات الجهل أن ينتهي بك اعتقادك إلى طريقٍ مسدود، وأن ترى في خصمك كائناً لا نهائي العداوة، وأن تحتكم في علاقتك به إلى حد السيف وحده، وأن تمضي طوال عمرك في مشوار الكراهية هذا، غير أنك سترجع في نهاية المطاف خائباً، وسوف تكتشف ذات يومٍ بعد أن تخسر كل شيء، أن الطرق المسدودة لا تؤدي إلى طريقٍ بعدها.

ــ9 ــ

وتمعن الكراهية في دهاليز الجهل، وتغفل عن حقيقة التاريخ التي تخبرها بكل مودة أن رسول الاسلام شخصياً قد استعمل “سفيان بن حربٍ” على “نجران”، وولاه الصلاة والحرب.

إن رسول السماء لم يكن يصغي لثقافة البغض بأي حال. فالسماء التي يمطر غيمها على الجميع بلا تمييزٍ، لا تقيم للتعصب وزناً، ولا تساوم الكائنات من تحتها بقطرات المطر.

ــ10 ــ

إن “معاوية بن أبي سفيان”، ورغم تاريخ والده الحافل في الحرب على الدين الجديد، آنذاك، يجد نفسه وقد استلم مهمة رسمية بالغة الخطورة، فلم يُدرج اسمه ضمن قوائم “أزلام النظام السابق”، ولا ضمن “فلول” الحزب المنحل، لقد كانت ثقافة التسامح تنتصر على الكراهية، ربما لأن رغبة البناء كانت أصدق وأكثر حضوراً من رغبة الانتقام آنذاك.

ـ 11 ـ

ويوجه الرسول الكريم مع أبي سفيان، رجلاً شاعراً يدعى “راشد بن عبد الله السلمي”، وحدث أن راشداً هذا وقع له أمر، فأنشد ابياتاً ذاع صيت أحدها، وهو ذلك الذي يقول:

وألقت عصاها واستقر بها النوى / كما قر عيناً بالإياب المسافرُ

أنشد “السلمي هذا البيت، في حادثةٍ تخصه، وفي مناسبةٍ بعينها، لكن جهل من بعده بالمصداقية، ومعرفتهم بمعنى التقرب، وواسع علمهم بحكمة التزلف للقوي كي لا تنال منهم قوته، قدمت لنا نماذج تدعو للتأمل في فضيلة الجهل عندما يُذعن لسلطان المعرفة.

إن بيتاً في التاريخ لم يُستعمل بمقدارٍ من الجهل كما استعمل هذا البيت، والأمثلة بلا حصر. وبيتاً من الشعر لم يحظ بتسامح المعنيين به كما حظي هذا البيت أيضاً، فكيف نال هذا البيت كل هذا الكنز من نيل الرضى وافتعال السبب لكي تقر عين القلق، وتهدأ ثائرة المتشائم، وتلين قناة المضطرب؟

ـ 12 ـ

يخبرنا “أبو الفرج الرومي” أن الخليفة السفاح كان يخطب يوماً على المنبر، فسقطت منه العصا، موقفٌ محرج بلا شك، يتطير منه الأحباب، ويتشاءم من حدوثه الأعوان، وتنشرح له صدور الكارهين، لكن المعرفة الواسعة بجدوى الجهل تنقذ الموقف، إن أحد أفراد القطيع يقف فجأة وينشد البيت المسكين:

وألقت عصاها واستقر بها النوى / كما قر عيناً بالإياب المسافرُ.

هذا مثل من أمثلة، ولنأتي إلى الثاني قبل أن نغادر بيت القصيد.

ـ 14 ـ

“عبد الملك بن مروان”، يرسل “قتيبة بن مسلم” والياً على خراسان، فيدخل الوالي الجديد مسجد المدينة ويصعد المنبر مفتتحاً عهده مع الولاية، وأثناء ذلك تسقط من يده العصا، فيبدأ الهمس، ويتداول بين الحضور الغمز واللمز، يبدو أن العصى المتساقطة لا تخشع للولاة كما ينبغي.

لكن المعرفة القديمة تستيقظ من جديد، هنا، يسميها البعض سرعة البديهة، متجاهلين أنها علامة ومبعوث خفي للحاكم كي لا يستبد، ولكن، من يقرأ العلامات التي تأتي بها عصا تسقط فجأة من يد صاحبها؟ إن “قتيبة” يتدارك الأمر، ويعالج موقفه المحرج بمجرد بيتٍ من الشعر، هو ذاته نفس البيت:

وألقت عصاها واستقر بها النوى / كما قر عيناً بالإياب المسافرُ.

يا سرعة البديهة، كم تسرعين أحياناً نحو جهلٍ نستلذ به كالخدر قبل نومٍ طويل !!

 

ــ 15ـ

ولكن، هل كانت هذه ” الحيلة اللفظية ” ستجدي لو أن الصدور خلت من مودة القبول ونية البعد عن التطير، وإحساس التجاوز وتهوين العظيم من النوازل؟ لا اعتقد، ولكم فيما يحدث اليوم ما لا يُحصى من العبرة والدروس.

 

د. الصديق بودوارة المغربي/ ليبيا

 

عن waha alfikir

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خارطة الطريق/ بقلم: سالم الياس مدالو

خارطة الطريق بقلم: سالم الياس مدالو ـــــــــــــــــــــــــــــــ نرسم في قلوبنا خارطة الطريق ...