الوعي الاختياري لشعوب دول الجنوب/ بقلم: جوتيار تمر

الوعي الاختياري لشعوب دول الجنوب/ بقلم: جوتيار تمر / كوردستان

18-11-20018

لم يعد خافياً على أحد بأن الشعوب التي لا تمتلك أنظمة حكم ديمقراطية تعيش في حالة من الفوضى على جميع المستويات الداخلية والخارجية، فضلاً عن كونها تعيش حالة من ضياع الأمن والاستقرار بدرجة أن فوبيا الأزمات تلاحقها في كل لحظة تمر من تاريخها، ولا ولا تقتصر الأزمات على صعيد محدد أنما تُطال جميعها خاصة حين يتعلق الأمر بحاجيات الشعب، وذلك ما يفرض بقوة قضية الاختيار الشعبي لقادته ولمن يتحمل مسؤولياته أمامهم.

 إن تلك الفرضيات التي دائما نتناقلها عبر الكتابات ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة تعد في الكثير من الأحيان رسائل مبطنة إلى الشعب كي يدرك بأن الوقت قد حان لفهم العملية الديمقراطية وفق معايير مغايرة، مفاهيم تستند على العمل لا على الأقوال، على المنطق لا على الشعارات، فعلى الرغم من إيماننا بأننا نعيش في واقع نحتاج فيه إلى قاعدة متلاحمة وسلطة منظمة، نجدنا في الوقت نفسه نحاول تجاوز الكثير من الأمور التي هي في مضمونها تشكل معالم السلطة وملامحها،

وبنظرة سريعة إلى الأنظمة السلطوية في الشرق الاوسط وغالبية دول الجنوب التي تتميز بتعدد مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وعلى هذا الأساس سميت بدول الجنوب وفق خط  وهمي  يفصل الدول المتقدمة عن الدول الفقيرة منذ السبعينيات من القرن الماضي ، نجد هذه الدول تعيش حالة من الفوضى السلطوية بجميع تصنيفاتها سواء العلمانية منها أو الثيوقراطية ” الدينية ” ، فليس هناك أية ضوابط تتحكم بها هذه الدول وهي منغمسة تماما في العدمية السلطوية ولا يمكن اعتبار الدكتاتورية والقمع وحتى الاحتلال ” الاستعمار ” هي فقط الأسباب التي جعلت هذه الدول تعيش في تلك الدوامة الفوضوية، لأن الشعوب أيضًا تساهم وبشكل كبير ومباشر في ترسيخ تلك الأنظمة وفق مسارات قد تكون مخططة لها من قبل تلك السلطوية أحياناً، ومسارات أخرى تتعلق بوعي الشعوب بمفهوم السلطوية ضمن دائرة النعرات القبلية والانتماءات المذهبية والدينية .

ولو قارنا بين تلك الأنظمة وبين غيرها في دول الشمال سنجد فارقاً واضحاً في البنية الأساسية التي تعتمدها الشعوب لمفهوم السلطوية، بحيث يكون الوعي في الاختيار هو الأساس في الشمال، والانتماء القبلي العشائري أو حتى الجغرافي هو الأساس في الجنوب وبين الوعيين يكمن القيمة الفعلية للسلطوية نفسها، فحين تكون مختاراً لأنك أو حزبك يملك مشروعا قوميا يحافظ به على قوة الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وقتها سيكون ذلك الوعي الاختياري كالرقيب على جميع أفعالك وأعمالك وعلى ما تقدمه للدولة وما تنتجه للشعب،   وسيكون لديك اعتبارات قد يراها البعض قمعية لكنها تخدم في الأساس المصلحة العامة للدولة والتي هي فوق جميع الاعتبارات الأخرى فالأمن القومي مثلًا، لا يمكن المساومة عليه في هذه الدول، وقد تمارس الدولة أحيانا قمع فيئة أو جماعة أو حزب أو شخصيات من أجل تثبيت دعائم الأمن القومي، وهذا ما قد يراه الآخرون لاسيما في دول الجنوب بأنه أيضا قمع ودكتاتورية ولكنهم يتجاهلون تلك القاعدة الأساسية التي تبنى الدول المتقدمة عليها فيما يتعلق بالأمن القومي لديها، فهذا الأمن لا يمس السيادة السلطوية فقط أنما يمس الدولة بأكملها وهذا ما يعني بالتالي أن حماية الشعب ” الدولة ” هي القيمة الفعلية للأنظمة لديها، في حين تتجاوز دول الجنوب تلك القيمة الفعلية لأنظمتها، التي الأساس الفعلي لديها هي قوام السلطوية وقدسية الأشخاص والأحزاب السلطوية بعيداً عن المعايير التي يمكن تتماسك بها الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، ومن ذلك يظهر ماهية الاختيار لدى شعوب الجنوب بحيث اللاوعي الاختياري يتسبب في خلق جدران وهمية يتم من خلالها تقديس الأشخاص ” السلطوية ” وتمجيدهم بشكل يتنافى كلياً مع ما تقدمه السلطوية للشعوب ، فالشمالي يختار السلطة وفق معايير ما تقدمه السلطة للشعب لاسيما في أهم حقول الحياة لديهم ولدى جميع المجتمعات ،المؤسسات التعليمية والمؤسسات الصحية باعتبارهما أهم عنصرين لبناء الفرد والشعوب والأوطان، والتي تعتبر أكبر فارق بين كل من دول الشمال و دول الجنوب حيث شعوب الأخيرة تختار وفق مسار لا يخدم إلا فيئة صغيرة من فيئات المجتمع، ناهيك عن تجاهلها لأهم مقومات الحياة لدى الشعوب لاسيما على الصعيدين التعليمي والصحي.

إن تلك الفوارق ليست عرضية أو هامشية يمكن تجاوزها من أجل سيادة السلطوية، وليست منعدمة القيمة للشعوب، بالعكس تماما فهي التي ترسخ مبدأ الديمقراطية الشعبية قبل السلطوية ومن خلالها يتم غرس المفاهيم الأخرى التي تعطي الدولة قيمتها الفعلية سيادياً وشعبياً، فالفرد في دول الشمال يعيش مقتنعاً بالسلطوية لديه لأنه في الأصل صحياً مُهيأ وذهنياً ونفسياً مؤهل،  وهذا ما تفتقر إليه دول الجنوب حيث الأولوية لديه تقديس السلطوية الدكتاتورية” القومية ”  أو الدينية، حتى أن خروجها أحياناً على السلطوية ليس إلا لترسيخ قيمة انتمائية حزبية أو عشائرية أو مذهبية دينية أخرى تأخذ مكان الاولى، مما يعني الخروج من دائرة دكتاتورية قديمة إلى خلق وصنع دائرة دكتاتورية جديدة وفق معطيات مستحدثة ظاهرياً، لتحقيق أهداف ومصالح فيئة على حساب الفيئات الأخرى داخل المجتمع الجنوبي.

جوتيار تمر / كوردستان

 

عن waha alfikir

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خارطة الطريق/ بقلم: سالم الياس مدالو

خارطة الطريق بقلم: سالم الياس مدالو ـــــــــــــــــــــــــــــــ نرسم في قلوبنا خارطة الطريق ...