ليلة رأس السنة/ بقلم: لمياء نويرة بوكيل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ليلة رأس السنة/ بقلم: لمياء نويرة بوكيل

………………………

من حسن الحظّ أنّ طاولة غرفة الأكل الكبيرة كانت قابلة للطي، ما يجعلها تبدو حافلة – وهي مطوية – بصنوف الطعام. لم تكن حالتهما الصحية لتسمح بالبذخ والدلال: فلا دهون ولا لحوم زائدة ولا مشروبات غازية ولا مقليات. فقط سلطة مطبوخة تلائم ما بقي بالفك من أسنان وحساء نافع وخبز أسمر قليل الحريرات وسمكتان مشويتان.

كانت الحاجة فاطمة تكره التشبه بالنصارى. لكن عادة الاحتفال بليلة رأس السنة تقليد قديم دأبوا على إحيائه منذ أن كان البيت عامرا يضج صخبا وحركة ومرحا وكلاما وعراكا لطيفا، وقبل أن يصير لكل بيته الخاص مستقلا بذاته، يحيي حفله مع عائلته الصغيرة أو ربما خارج بيته. فما عادت هي وزوجها قادرين على فرض إرادتهما عليهم أو حتى مجرد التلميح بانتقاد اختياراتهم.

جلس الزوجان أحدهما قبالة الآخر، وراحا يتعشيان صامتين راضيين. يزداد تدليل الحاجة فاطمة لزوجها أكثر كلما تقدمت به السن وازداد وهن جسمه وضعف بصره وقلة شهيته، مع أنها كانت لا تفوقه عافية. أما هو فينظر إليها بحنان، ويقول: “ما يدوم في الواد كان حجره، ربي يهنيهم في بيوتهم ويسعدهم ويسترهم،” ثم يضيف ” الحمد لله على صحة الأبدان وربي يحفظ لي عجوزي”.

بعد العشاء ينتقلان إلى غرفة الجلوس فيستقر كل على متكإ قبالة شاشة التلفاز. كان الجهاز يتغير والشاشة تكبر على مر الأعوام. وكان ابنه الأكبر هو من يتولى تلك المهمة بتفان.

يُكشف عن طبق السهرة، فواكه جافة وكعكة صغيرة كانت قد أعدتها بنفسها. من عادتها أن تسمح في هذه الليلة ببعض التجاوز، تقول:” لن يقتلنا السكر الزائد هذه الليلة، فلا بد من بعض الحلاوة نبدأ بها العام الجديد “.

يتقدم الوقت ببطء ويبدأ ذلك النعاس اللعين يغالب كليهما، ترتخي الجفون ويميل الرأس تدريجيا ويفلت شخير.

–  نمت؟

فيرد منتفضا:

–  لا، أبدا، بل أتابع الحفل

–  بل لقد سمعتك تشخر يا رجل.

–  بل قولي إن أذنيك قد ثقلتا يا امرأة.

وتمر السهرة بين الشخير والمداعبة بتبادل التهم وبين تغيير المحطات والحفلات التلفزية الصاخبة عربية وأجنبية.. حتى تدق الساعة، تلك الساعة، فيدب النشاط فجأة ويهرب النوم كأن لم يسكن الجفن لحظة ويسري الدفء في الأطراف الواهنة، وتقوم الأم تغالب ثقل حركتها وتجانب زوجها وعيونهما مثبتة على مكان واحد. ويرن الهاتف رنينا عاليا مدويا تطرب له أرجاء البيت ولا يتوقف على مدى نصف ساعة أو أكثر. وتتوالى المكالمات ويتداول أبناؤهما الخمسة مهنئين بالعام الجديد متمنين طول العمر والسعادة وموفور الصحة، معتذرين عن الغياب متعللين بقهر المسافات ..

ساعتها فقط يهدأ بال العجوزين ويغادران إلى غرفتهما هانئين، مرتاحي البال مشحوني العواطف. ما عاد يهم إن كانت الغرفة رطيبة، فالدفء الذي سرى فيهما بعد كل تلك المكالمات الحميمة، يكفي لكل ليالي الشتاء الطويلة الباقية.

— لمياء نويرة بوكيل، عن مجموعة: سفر في قبضة اليد

عن waha alfikir

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاختيار كان اختيارك/ بقلم:رنيم أبو خضير

الاختيار كان اختيارك/ بقلم:رنيم أبو خضير ــــــــــــــــــــ الاختيار كان اختيارك أن تنزلقي ...