الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / إليكترا المؤدّبة … قراءة نقدية لقصّة “الرّسالة” للكاتبة لمياء نويرة بوكيل/ بقلم: رشدي بن صالح سعداوي

إليكترا المؤدّبة … قراءة نقدية لقصّة “الرّسالة” للكاتبة لمياء نويرة بوكيل/ بقلم: رشدي بن صالح سعداوي

 

 

 

 

 

 

 

 

إليكترا المؤدّبة … قراءة نقدية لقصّة “الرّسالة” للكاتبة لمياء نويرة بوكيل

بقلم: رشدي بن صالح سعداوي

قصّة الرّسالة، تفتتح بها الكاتبة مجموعتها القصصيّة “سفر في قبضة اليد”، وتوردها في بداية الجزء الأوّل أو كما تسمّيه هي “الرّحلة الأولى: بين الحبّ والخيبة…”. القصّة عبارة عن رسالة يوحي الإهداء فيها أنّها من الكاتبة لأبيها “إهداء: إلى من فتح لي ذات طفولة غضّة بابا. سافرت عبره، وما عدت أبدا حيث كنت… إليك أبي”(1) لتختمها بمقطع سردي تتحدّث فيه عن غائبين، أب وابنته “وطوت الرّسالة ودسّتها في حقيبة يدها قائلة…” لتضيف “ابتسم وأنامله تتسلّل في شعرها قائلا…”(2). هذه المفارقة السّردية، من بطلة متكلّمة إلى بطلة غائبة، لم توردها الكاتبة اعتباطا بل هي تقنية سرديّة لها هدفان: الأوّل نفسيّ، في الغالب لا واع يخفّف من وطأة كتابة المذكّرات الشّخصية على الكاتب(ة) بالانتقال من السّرد الذّاتي إلى سرد الآخر. أمّا الهدف الثّاني فبيداغوجيّ واع، و ذلك بتشريك القارئ والقول ضمنيّا أنّ الأمر يعنيك أيضا، و هو أسلوب جدّ ذكيّ و غير مباشر خاصّة في الكتابة للنّاشئة.

هذا من حيث الشّكل، نأتي الآن للموضوع والذي هو محتوى الرّسالة والّتي تبدأ باعتذار واعتراف بذنب وإحساس بتأنيب ضمير. كان الأب يتحكّم في مصدر المعرفة، الذي هو مكتبته، و لا يتيح لأبنائه ولوجها إلّا نهاية الأسبوع. حرمان فإشباع ما يمثّل النظريّة الكلاسيكيّة لبناء الشّخصية، يبدو أنّ الأب كان يتقنها. لكن ليس هذا مشكل بطلتنا. ففي خضمّ هذا الحيز الزّمنيّ الضّيّق كان إخوتها يلتهمون الكتب التهاما وكانت هي تسافر كلّ الوقت بمخيّلتها في قصّتها “ذات الضّفائر”، لتغالط أباها الذي كان يطلب منهم حصيلة مطالعاتهم. هل “ذات الضّفائر” قصّة حقيقيّة أم عنونتها بمخيالها، لا نعلم! المهمّ أنّها تتقاطع مع قصّة شَعْرِهَا وأمّها والمقصّ وحالة الرّعب المكبوت التي كانت تعيشها كلّما مارست عليها سلطتها وعرّتها من شَعْرِهَا، من حلمها. ويأتي الحبّ، الحافز الّذي حرّر فيها شَعْرَهَا وشعورها وكيف تريدهما وحلمها وكيف تعيشه. لتختم بردّة فعل الأب الدّافعة لها نحو مزيد الحرّية والحلم.

بعيدا عن تنظير علم النّفس التّحليلي الذي يجعل سلوكات الطّفل و المراهق خاضعة لنظريّات معولمة فإنّ معالم قصٌتنا هذه رغم تمحورها حول  “عقدة إليكترا”(3) إلّا أنّها تتميّز بخصوصيّتان أولاهما رمزيّة الشَّعْرِ(4) لدى بطلة القصّة و امتداده لحلم طفولة فمراهقة فشباب تطوّر من حلم بسيط إلى رومانسيّ عميق و لم يكن مقتصرا على مرحلة طفوليّة. الخصوصية الثّانية           “أليكترا المؤدّبة”، بطلة قصّتنا لم تدخل في تصادم قاتل مع الأمّ و لم يتوقّف نموّها النّفسيّ في مرحلة “عقدة إليكترا”. بل وجدت المخرج الذي هو الحبّ فالحلم. والحلم هنا إذا عدنا إلى الرّسالة ستتّضح معالمه. حلم كتابة، حلم إبداع، حلم كاتبة. إنّه تثمين للمصاعب القاتلة أحيانا، والتي نعيشها بدرجات مختلفة في طفولتنا فشبابنا. يجعل من الأزمة مصدر إقلاع نحو آفاق إبداعية رحبة. مثال ما أحوجنا إليه في واقعنا لا سيّما أطفالنا وشبابنا.

بعض الملاحظات أسوقها في ختام هذه الورقة. الملاحظة الأولى تتعلّق بزمن القصّة. فلئن أحسنت الكاتبة اختزال زمن ممتدّ من طفولة إلى شباب في لحظة مأزومة حسنة التّركيز، ألا وهي لحظة الحلم وقصّ الشَّعْرِ-الحلم. فإنّه كان من الأفضل تحديد الفترة التّاريخيّة للقصّة لندرك خصائصها السّوسيولوجيّة و نعي أبعادها و متغيّراتها في واقعنا الحالي. الملاحظة الثّانية تهمّ الشّخصيات فلئن أبدعت في رسم الملامح النّفسية لبطلة القصّة فإنّها أهملت رسم ملامح شخصيّة الوالدان. ولأنّ المشهد هو نتيجة لتفاعل الشّخصيات الثّلاث كان مفيدا للقارئ أن تتّضح لديه صور شخصيتا الأمّ والأب بأكثر تفصيل.

يبقى أن نتساءل هل تمكّنت فعلا بطلة القصّة من تجاوز المعاناة التي عاشتها أم ستظلّ وستتحوّل إلى معاناة المبدع كلّ لحظة ولادة؟

 

~~~~~~~~~~~~~~~~~

(1)

نويرة بوكيل، لمياء: الرّسالة، سفر في قبضة اليد، زينب للنّشر و التّوزيع، تونس، 2018، ص 25.

(2)

نويرة بوكيل، لمياء: الرّسالة، سفر في قبضة اليد، زينب للنّشر و التّوزيع، تونس، 2018، ص 28.

(3)

عقدة أوديب الأنثويّة، كما كان يسمّيها فرويد، وضعت من قبله كنموذج نظري مقابل لعقدة أوديب الذّكوريّة. أطلق عليها كارل يونغ عقدة إيلكترا نسبة إلى الأسطورة اليونانيّة. و هو مفهوم يشير إلى التّعلّق اللّاواعي للفتاة بأبيها و غيرتها من أمّها.

أنظر على سبيل المثال:

Scott,J.(2005).Electra after Freud :Myth and Culture, Cornell University Press.

(4)

علاقة الفتاة فالمرأة بالشَّعْرِ مثّلت دوما علاقة إشكاليّة في نفس الوقت رمزيّة ودالّة على الحالات النّفسيّة لم يهملها علم النّفس ودرسها سلوكيّا ومرضيّا.

أنظر على سبيل المثال:

http://www.psy-luxeuil.fr/article-psychologie-de-nos-cheveux-109706323.html

رشدي بن صالح سعداوي-تونس

عن waha alfikir

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نوم النَّعام/ بقلم: جهان كور نعسان

                        ...

عبَّارةُ الفرحِ …. تئنُّ/ بقلم: مرام عطية

عبَّارةُ الفرحِ …. تئنُّ/ بقلم: مرام عطية _______________ الوطنُ يسكنُ في قريةٍ ...

تناغم الوجد/ بقلم: طارق فايز العجاوي

تناغم الوجد بقلم: طارق فايز العجاوي ـــــــــــــــــــــــــــ يا عطر روحي يا ولهي ...

تَنْهيدَةُ الغَرْقىٰ التِياع/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

تَنْهيدَةُ الغَرْقىٰ التِياع/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أرواحٌ تتوسلُ بكَفِّ ...

وا أسفاه / بقلم: أمينة أحمد نورالدين

          وا أسفاه / بقلم: أمينة أحمد نورالدين ...

ترانيم/ بقلم: جهان كور نعسان

                  ترانيم/ بقلم: جهان ...

مشيب …/ بقلم: عبد الرحمن الكحلوت

مشيب …/ بقلم: عبد الرحمن الكحلوت ــــــــــــــــــــــــ وتسأل هل ترامى الشيب فيها ...

الجولان كان وسيبقى أرضًا سورية/ بقلم: شاكر فريد حسن

الجولان كان وسيبقى أرضًا سورية بقلم: شاكر فريد حسن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تصريحات الرئيس ...