أنس حامل الورود/ بقلم: جوتيار تمر

أنس حامل الورود/ بقلم: جوتيار تمر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين تتحول الحياة الى كأس من السم يتسرب ببطئ الى جميع أعضاء الجسد فتجعلها تتآكل من الداخل شيئاً فشيئاً، حتى يصبح الإنسان بمرور الزمن مجرداً من كل مقومات البقاء بعدما يتجرد من الأمل، فإن الحياة نفسها تغدو آلة دمار، ووهم قاتل يتغذى عليه الإنسان منذ صرخته الأولى إلى آخر نفس له، ولعل ذلك فعلياً كان وراء انجراف الإنسان منذ البدء إلى التمرد لا على الأعراف فحسب بل حتى على الهته، وتلك الشرائع التي تقضي بأن يموت الانسان جوعاً أفضل من أن يخضع لمنطق المقبول واللامقبول وفق تشريعات الآلهة والمجتمع.

لقد حولت الحياة بأنيابها مسارات وجود الإنسان وفق معطيات سبقية وجعلته خاضعاً لمنطق الماهية التي تسبق وجوده الحر، لذا حين نشأ وأدرك ووعى، وجد نفسه محاطاً بالعديد من التساؤلات التي لا أجوبة لها، فأصبح بلا رغبة منه بين فك قسوة العيش وعدميتها وبين الأخذ بالاختيار كي يجنب نفسه الموت فوق أرصفة البلهاء ممن ارتضى اللاخيار ووقع فريسة الحياة والجوع ومنطق المقبول واللامقبول،وكأنها الحياة منذ البدء فرضت على الوجود الإنساني أن يؤمن بأن خلاص الإنسان لن يتأتى من خلال إدارة ظهره للعالم والهروب منه، وإنما حتم عليه الانغماس في العالم حتى النهاية بوعي كامل لمسؤولياته ووجوده، ووفق مخاض تلك الرؤى تحولت حياة الشاب ” أنس ” من غياهب الجوع، والخوف من اقتراف الخطأ إلى حياة تدخل الفرح في نفوس الآخرين ممن هم بنظر المجتمع منبوذون ليس لأنهم يتجارون بأرواح الناس وأعراضهم، أو لأنهم مارقون سارقون، أو ممن يتعدون على حقوق الآخرين أو كاذبين، أنما فقط لأنهم قرروا واختاروا اللجوء إلى ما يبعدهم عن عفونة هذا المجتمع المارق الذي يعيش على النفاق الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، نعم أنس صورة حية لمن أراد العيش والانغماس في العالم لا الهرب منه، حتى لو كان مَن شجعه هو نفسه الذي يهرب من الحياة باللجوء الى السُكرّ احياناً.

كان في مقتبل عمره، حين فقد والده، ولم يجد غير أمه التي ضحت من أجله بكل ما تملك، وحين نضج عوده قليلاً، كانت الأم تعيش على فتات الحياة، تلك الحياة التي تحولت بنظرها الى مادة ظلامية، تلك المادة التي منها نفسها خلق جسد هذا البشر حتى قام بتحويل العالم كله الى فساد وخداع وموت وآلام ، حيث المرض والفقر، والجوع والبكاء، تُدخل في كل فجر المزيد من الموت البطيئ في روحها، ويجبرانها على الشرب من ذلك السم المسمى بالحياة، كان أنس كلما ينظر اليها يحترق في داخله وينظر إلى كل صوب وهو يتمتم بحزن وحرقة أنها أمي أيتها السماء أنها أمي أيها البشر،حتى بُح صوته دون مجيب، تكالبت عليه الأقدار والظروف وكان عليه الاختيار بين رؤية أمه تحتضر جوعاً ومرضاً، وبين دراسته ولم يتردد لحظة وقتها، حيث اختار ترك الدراسة وكل شيء والبحث عن لقمة عيش كي يعيل بها امه المريضة التي تريد الهرب من العالم، ولانه لم يكمل دراسته فلا فرصة لعمل منظم ودائمي، وانما عليه ان يعمل اجيراً يستغله اصحاب الجشع البشري كلٌ وفق حاجاته، وحين ادرك تماماً بانه لن يستطيع الصمود امام تلك المطبات البشرية الحياتية، لجأ الى ابواب احدى الجوامع يطلب من اصحاب الايمان المساعدة ولو بالقليل ليس لاجل ان يعيش هو كباقي البشر انما ليعيل امه التي تحتضر بعدما اعطته كل شيء من روحها وقلبها وحياتها، كم كان الامر صعباً في بدايته بالنسبة له، ولكن براً بوالدته رضي بالمذلة ورضي بنظرات الاخرين، لاشيء عنده كان اهم من يعود الى البيت حاملاَ دواء امه، او لقمة يسد بها جوعها، توالت الايام وأنس يدرك تماما بان اهل الايمان ينظرون اليه باستصغار، وانهم يتمتون.. هو شاب لماذا لايذهب ليجد لنفسه عملاً شريفاً، وهولاء هم انفسهم اذا طلب انس منهم ان يوظفوه في وظيفة ” شريفة كما يدعون” او يمنحونه اي عمل كان سيقبل، ولكنهم هم في الاصل من سدوا امام وجهه كل السبل فلم يجد غير ما يقوم به الان الجلوس امام باب الجامع ليقتات من فتات روداه، هذا ان وجد بينهم من يدرك في الاصل لماذا هو يدخل الجامع.

في ليلة شتوية باردة ، حيث المطر يغسل آلام الأرواح الحزينة، ويزيدها في الوقت نفسه أوجاع البقاء، يأس أنس من جلوسه أمام باب إحدى الجوامع، فتحامل على نفسه وقام يتجول في أحياء المدينة وشوراعها عله يجد من يمنحه فقط ما يشتري به خبزاً لأمه، قادته خطواته إلى إحدى الشوارع الرئيسية في المدينة، حتى مَرّ امام احدى البارات، البرد كان يعصف به، لجوعه ، ولحزنه على جوع أمه التي تنتظر عودته ولو برغيف خبز، وبينما كان يمر بخطى مثقلة امام احدى البارات التي تملئ ذلك الشارع خرج منها شاب في منتصف عقده الثلاثيني، كانت رائحة المشروبات تفوح منه، لم يكن سكيراً ولكنه كان بين الامرين، نظر الشاب الى أنس وهو يمر مطأطئ الرأس وواضعاً يديه تحت ابطيه، لم يكن يعرفه، لكن انسانيته كانت تعرف بان الذي يمر امامه انسان، قال له هل تشعر بالبرد…؟ ، هل انت جائع…؟ ، نظر أنس اليه والدموع في تلك الليلة الباردة تغزوا عيناه.. قال نعم.. قال تعال خذ هذا المال واذهب لتشتري به لنفسك طعاماً ولتعُد للبيت ولا تبقى على الشارع لأن البرودة ستقتلك..اخذ أنس المال وشكره على ذلك.. ومضى للبيت حاملاً لامه ما يسد به جوعها ويخفف عنها ألم مرضها، ولكن أنس ظل متسغرباً مندهشاً، وهو يردد في نفسه مع نفسه لم يقل احداً لي يوماً وانا امام باب الجامع هل تشعر بالبرد..؟ هل تحتاج الى المال..؟ ، مالذي جعلك تترك دراستك وتعمل على طلب المال ..؟، تلك التساؤلات غيرت بعض ملامح أنس،حيث ادرك بأن إله ذلك الشاب ليس كإله رواد الجوامع، لأن إله الاول منغمس في شؤون العالم والانسان، بينما اله الاخرين متعال على كل ما يجري في العالم المادي، فقرر ان يقف امام البارات بدل الجوامع، وبعد ايام قليلة اعطى لنفسه حق خرق الاعراف الاجتماعية التي تمنعه من دخول البارات فدخلها، وبدأ يطلب المال من الجالسين على تلك الطاولات، وذات يوم، ناداه احدهم، لم يكن يعرفان بعضهما البعض، سأله ما اسمك، قال أنس.. قال لماذا تعيش على الطلب.. قال لاساعد امي المريضة ولادفع ايجار البيت الذي يأويني مع امي.. صفن الشاب وتمتم في نفسه وهل من انسان يأخذ من امثالك وامك الايجار..؟، ثم اردف  قائلاً: هل اقول لك شيئا يفيدك بشكل اكثر في عملك ويجعلك تعيش حياة افضل .. قال أنس مستغرباً نعم تفضل..! ، قال خذ هذا المال واذهب لتشتري به بعض الورود وقارورة عطر، وحين تدخل هنا او في اي بار اخر، ضع على كل طاولة وردة دون طلب المال من أصحابها، ولا ترش عليهم العطر الا اذا طلبوا منك ذلك وليكن العطر هادئاً خفيفاً، قد لا يعطونك في أول الأمر، ولكنهم حتى وان كانوا سكارى سيدركون حجم ما تقدمه انت لهم من احترام ومودة وحب،  وذات يوم سيدفعون لك ما يسد به رمقك.. ويخفف من مرض امك..وما قد تدفعه لجشع ذلك البشري الذي يطالبك بالايجار، كما ستحافظ به على شخصيتك كانسان كادح.. اخذ أنس منه المال وعيناه دامعتان،شكره كثيراً.. وحين حل المساء في اليوم التالي دخل أنس البارات بحلته الجديدة، وطريقة عمل مستحدثة، لم يعد يمد يده لطلب المال، انما كان يمد يده لزرع المحبة، وبدأ يوزع الورود على الجالسين فيها، ويوماً بعد يوم تحسنت احوال أنس واستطاع من شراء بيت قديم يأويه ويأوي امه، بدل الايجار ، وبقي رغم ذلك مستمراً في عمله، و ذات ليلة بينما هو يوزع الورود ، استغرب احد رواد البارات الجدد، عندما شاهده يضع الورد امامه ولم يطلب منه ثمنها او شيء، قال لاصحابه من هذا، وماذا يعمل..؟، قالوا له هذا أنس الذي يهدي الورود للاخرين دون ثمن، تعجب من امره، وقال لاصحابه ما قصته، وكيف لا يطلب ثمنها، انه من حقه، هل يمكنني التحدث اليه.. قالوا لا بأس، نادى احدهم أنس فأتاه، قال لأنس اذا لديك وقت يريد صديقنا الذي عاد من الغربة ان يتحدث اليك.. رد انس لكني اعمل وهذه ساعات عملي.. قال الشاب العائد.. كم تكسب خلال عملك في الليل..فرد عليه أنس برقم محدد.. قال تعال اجلس واحكي لي قصتك وانا ساعطيك ضعف ذلك الليلة.. فجلس أنس وبدأ يسرد عليه قصته، دمعت عيناه، وحضن رأس انس وقَبَله، سأله هل تعرف ذلك الشاب الذي ارشدك لطريقة عملك.. قال منذ تلك الليلة وانا ابحث عنه لأشكره لكني لم أجده وكأنه كان طيفاً ظهر خصيصاً ليرشدني الى هذا العمل ويختفي بعدها.. قال الشاب هناك سكير يدرك كيف يمنح الحياة لعاجز فقير بكلامه اكثر من مدعي لا يعطي حتى الصدقة الا امام انظار الناس تمجيداً لذاته.. ان ذلك الشاب لهو مدرسة حتى لو كانت رائحة المشروبات تفوح منه.. واولئك المُدّعون انما مارقين يمنعون الناس من كسب قوتهم حتى لو كانوا ممن يسجدون لربهم في اليوم مائة مرة.

تلك المفارقة الغريبة .. والجزئية البسيطة التي حولت حياة أنس الى حياة افضل، لم تأتي من اصحاب النصيحة ” انما الدين النصيحة ” ، انما اتت ممن ينبذهم اصحاب النصيحة ، مَن كان يرتاد البارات التزم بانسانية المقابل واعطاه الكلمة التي تحيي فيه الامل بالوجود ، والآخرون نظروا اليه باستخفاف، ولعل نظراتهم ودعواتهم وتمتماتهم هي نفسها التي قادت أنس الى البارات دون ان يشرب، ولم تدفعه للجوامع ليستصغر الاخرين مثلهم، هكذا بكلمة من سكير تحولت حياة الشاب، ومضى يعمل باخلاص، ويقتني اجمل الورود ويلبس افضل ما لديه اثناء عمله، حتى انقلبت عليه الاقدار و تداركته المنية ذات ليلة حالكة الظلمة عندما دهسته سيارة غني ” لا يشرب ” حين كان أنس يتنقل بين أماكن عمله ليكسب قوت حياته.. فأقيم له عزاء حضره اصحاب البارات ممن زرع أنس المحبة على طاولاتهم ولم يحضر من أقاربه وأصحاب ….. إلا القلة لأن أنس بنظرهم كان ممن يرتاد البارات.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

5/2/2019

عن waha alfikir

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أنفاس الشعر/ بقلم: عبد الصمد الصغير

أنفاس الشعر/ بقلم: عبد الصمد الصغير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  ــــــــــ  وعد بعيد، وحب غير ...

نبتة “أشيباتا” اليابانية تكافح الشيخوخة

                        ...

حاذِرْ سُقوطَ العمر!/ بقلم: وعد جرجس

حاذِرْ سُقوطَ العمر!/ بقلم: وعد جرجس ـــــــــــــــــــــــــــــــــ حَاذر سُقوط َ العُمر يا ...

أحمد قضماني … وداعًا يا رفيق الشمس/ بقلم: شاكر فريد حسن

                  أحمد قضماني … ...

ثقافة القبور/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

          ثقافة القبور/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي ــــــــــــــــــــــــــــ ...

رثائية / أيمني في أيسري/ بقلم: فاتن عبد السلام بلان

رثائية / أيمني في أيسري/ بقلم: فاتن عبد السلام بلان مرثية مُهداة إلى ...

ليهنأ الآباء/ بقلم: زيد الطهراوي

ليهنأ الآباء/ بقلم: زيد الطهراوي ـــــــــــــــــــــــــــــ يا والداً غرس الثمار رطيبة أجن ...

كان طيفا/ بقلم: نرجس عمران

كان طيفا/ بقلم: نرجس عمران ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وحين لمحت طيفا مر من هنا ...