الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / قراءة وجدانيّة لمعرض “الذاكرة القريبة” للتشكيلي العراقي ماهر ستار / بقلم: فريال الصايغ

قراءة وجدانيّة لمعرض “الذاكرة القريبة” للتشكيلي العراقي ماهر ستار / بقلم: فريال الصايغ

الفنان التشكيلي ماهر ستار

قراءة وجدانيّة لمعرض “الذاكرة القريبة” للتشكيلي العراقي ماهر ستار

بقلم: فريال الصايغ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العراقي الأنيق القادم من بلاد قلّدت الحضارة جيدها عصورًا حطّ رحاله في بيروت العاشقة والمنتظرة دومًا الوافد المُرتقب ليضع وسام إبداعاته على صدرها حيث الرعاية والتقدير.

أعماله محاكاة، مناجاة، قصص قصيرة ومشاهد من الذاكرة لذا تفاعُل الفنان الإنساني أنتج هذه القيمة الجماليّة الوجدانيّة فلم يسلخ ذاته عن مكنوناتها.

أعماله مُشبّعة بالرموز، مُثقّلة بالحنين، مشحونة بالذكريات أنها استحضار الغائب بكل نبض وجوده. فتعدّى العمل الفني وجوده المادي الملموس إلى مشاعر على هيئة تشكيل وَضَعَها في إطار من النبْض وكأنّها فؤاد خفّاق يتمتّع بكل مقومات الحياة.

أعماله انصهار للمشاعر التي تضافرت مع حنكة الفكرة، وانسابت مع مرونة الريشة المُتيّمة بالمادة واللون. فوُلِدَ هذا التكافؤ بين الموضوع والتطبيق وترابط الإنتاج مع الإحساس.

قد يعود وزن تجربته الفنيّة وثقلها لمعاناة اختزلت تجارب عُمْر اختبر خلالها كل الفرضيات المُحتملة والوقائع الصائبة فشحنت الذاكرة برائحة الكعك والخبز فشعرنا بالجوع كما أعادتنا إلى مقاعد الدراسة فتحسّرنا على رعونة الصبا……… وغيرها الكثير ممّا كان مرابض في حنايا النفس فجاءت أعماله مطابقة لواقع الحال لأنه لم يتنصّل من تراثه ولم ينكُر بيئته فكان إبداعه للذات الإنسانية الجماليّة على أرفع مستوى وبكل مسؤولية وحرفيّة في المواقف والمِهن والظروف وليس مُجرّد نسخ واستنساخ للحقيقة بل اعتمد على رؤياه وإحساسه بها فمسك بالواقع بيدٍ وبتخيلاته بيده الأُخرى وكان جسر عبور بين الحدَث والحلم، بين الوجود والتمنّي وساروا معًا وبكل شغف إلى خدمة العمل الفني.

منظور الفنان “ماهر” تخطّى مُحيطه إلى نطاق أوسع وأكثر شموليّة. إنه حال الفقير في كل بقاع الأرض وحال المعذّب أينما وُجِد وحال المرء في كل حال من أحواله حيثما كان وإلى أين ما انتمى. لقد خرج من ذاته ودخل ذوات الآخرين وتقمّص أدوارهم وعاش معاناتهم ببصمة فنيّة يُحْسب لها التميُز. فتفرّد بكل إباء بأسلوب تجرّد من التكلُّف. وأبرز جوهر الأشياء وعمق الأفكار باختزال التفاصيل، فجعل من الهامش أساس دون التفريط بالمهم على حساب ازدحام الخطوط وصرخات الألوان. سلّط الضوء على الإبهام وشحنه طاقة فتحوّل إلى حقيقة في وضح اللوحة.

فريال الصايغ، فنانة تشكيلية وشاعرة

ولا بدّ من الإشارة إلى أن التعاطف الذي خَلَقَه التواصل بين المُتلقّي واللوحة لم يكن وليد صدفة فالحوار مُتاح بكل سلاسة، ولأن إدراك فن التشكيلي “ماهر” ليس بحاجة إلا لشفافية وتأمُّل دون دخول دهاليز الفلسفة العويصة، لأنه وبكل بساطة اتبع الفنان حدْسه وحمل قنديل موهبته وأضاء على النواة والجوهر بخِبرة المتمرِّس وحرْس المسؤول، وأيضا لأن الفن لديه لم يقتصر على كونه وسيلة تعبير وتفريغ للمخزون النفسي بل دخل نطاق الغاية المرجوّة وتخطّى الترهات. كما أن الوجدان لديه لم يعِش أثناء نوبته الفنيّة أي تخبُّط بل على العكس تعامل مع الموقف بكل رصانة ونضج فنّي وبكل بساطة التعبير هو يعرف ما يريد توصيله وما يريد حجْبه.

الاختزال وسرعة التنفيذ ليس شحًّا ولم يُخفِّف هذا من قَدْر الموضوع، على مثال البرق فهو لا يحدّ من وقع الرعد وتأثيره على الأديم، كذلك تأثير وقع اللوحة في وجدان المتلقّي.

كما أن توزيع العناصر وحبكة الفكرة فيها حنكة وتمرُّس.

“الذاكرة القريبة” معقل الإبداع ومربض الفن الأصيل. إنّه ترميم للذاكرة وإحيائها واسترجاع المواقف والمشاهد وإعادة السرد من خلال رؤية الفنان التي نهضت بعمله الفني إلى مصاف التجديد والاختلاف والحداثة فدوّن ما قد سقط سهوًا في غياهب الماضي.

باختصار سكب الفنان مشاعره على هيئة تشكيل فنّي مرموق له معياره الخاص فرَشَحَت أعماله فنًّا وإبداعًا.

وكلمتي الأخيرة: ماهر يا ماهر ستار… لقد أتْحفتنا…

فريال الصايغ، فنانة تشكيلية وشاعرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن waha alfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

آباء وأبناء في الشعر العربي/ بقلم: زيد الطهراوي

            آباء وأبناء في الشعر العربي/ بقلم: ...

طيفك والليل/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

                    طيفك والليل ...

عرافة يونانية/ بقلم: بسمة مرواني

                        ...

{88}مُعَلَّقَةُ الْحَبِيبَاتْ/ بقلم: محسن عبد المعطي محمد عبد ربه

                        ...

قراءة في ديوان ” أصداف في بحر الهوى” للشاعر خيري السيد النجار/بقلم -صابر حجازي

قراءة في ديوان ” أصداف في بحر الهوى” للشاعر خيري السيد النجار ...

أقلم أظافر الحزن/ بقلم: رنيم أبو خضير

أقلم أظافر الحزن/ بقلم: رنيم أبو خضير ــــــــــــــــــــــ أقلم أظافر الحزن لما ...

نصوص شعرية في الفيديو للشاعرة أميمة يوسف …مهرجان الجاكرندا الشعري الأول بـ عمان ـ الأردن

نصوص شعرية في الفيديو للشاعرة أميمة يوسف، مهرجان الجاكرندا الشعري الأول ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...

مَلَامِحِي مُفَخَّخَةٌ .. بِمَوَاعِيدَ مَوْقُوتَة!/ بقلم: آمال عوّاد رضوان

                      مَلَامِحِي ...