الرئيسية / قصة / الأعمى …1/ بقلم: شارا رشيد

الأعمى …1/ بقلم: شارا رشيد

شارا رشيد، كاتبة وتشكيلية

الأعمى …1/ بقلم: شارا رشيد

                ــــــــــــــــــــــــ

عُرفَ بأبتسامةِ لا تغادرُ وجههَ، وأنف كبير يسبقه في الوصول أينما ذهبَ، بشرتهُ داكنة بلون الطين، تعلوها بثور غامقة، هي  آثار مرض الجدري الذي أصيب به فأعماه قبل أن يبلغ العاشرة، تغطي جمجمته العارية عمامة الأئمة، يرتدي”صاية”، تضيف لمظهره وقاراً وهيبة،كان عالماً  بأمور الدين ومفسر أحلام  تقصده نسوة المدينة ليفسر أحلامهن ويزودهن بجرعة الأمل برواية نكاته المضحكة وقصصه التي لم تكن تنفذ. كانت عصاه تسبق خطواته المتناسقة بثلاث دبكات، يتحسس الأرض قبل أن يخطو عليها، فما وقع طيلة حياته التي غلب عليها الظلام  ولا تعثر، رغم فقده لنعمة الأبصار إلا أنه كان من أسعد الرجال وأكثرهم حظاً، تزوج بأجمل فتاة في المدينة وأكثرهن نضارة وأنجب منها ثلاثة صبية وبنتين ورثتا حسن الأم وجمالها، وروح فكاهة الأب الضرير.

أمضى الإمام الـ (مُلا محمد) أربعين عاماً يؤذن في مسجد الحي، حتى تكالبتْ عليه الأمراض وجعلته طريح الفراش لسنين طوال قبل أن توافيه المنية، لم يكن يخرج من البيت قبل تفاقم مرضه إلا لماماً، يقصد مقهى (بكر الجايجي )، المقهى الوحيدة في تلك المحلة، يلتقي فيها وجهاء المدينة ورجالها القدماء، يشربُ معهم (أستكان) الشاي مع خبزة ساخنة يشتريها من المخبز وهو في طريقه، وفي عودته يمر على محل الطيور، يختار ما لديه من أزواجاً نادرة من الطيور والبلابل ،كما يختار أقفاصها بعناية فائقة، حتى غدت غرفته الخاصة في البيت أشبه بحديقة تصدح فيها الطيور من كل شاكلة ولون، فيبتسم  رافعاً وجهه إلى  السماء،  وكأنه يشكر الرب لما حباه من نعمة.

في أحد الأيام  قصد بائع الطيور وكان شاباً ذكياً لماحاً لم يبلغ العشرين من عمره ، قال له:

_ أريد زوجاً من الكناري ( زنجارية)  اللون .

أجابه الشاب:

_ أمهلني يومين فقط حتى أدبرها لك، تعرف يا مُلا محمد بأنها نوعية نادرة والطلب عليها كثير.

_ لا تنسى أريدها زنجارية اللون  .

كان الشاب يضحك في سره متعجباً من تأكيد الإمام على اللون، وهل سيختلف الأمر بالنسبة  للأعمى، سواء كان زنجاري أو غيره !

بحلول اليوم الثاني كان البائع الشاب قد وصلته مجموعات كبيرة من الطيور والكناري، فأستغل فرصة وجود أبن الإمام قريباً من المحل وكلفه بمهمة إيصال الطلب لأبيه.

_ أرجوك خذ هذا القفص بزوج الكناري إلى أبيك، وبلغه تحياتي .

وصل الولد الى البيت وضع القفص أمام أبيه وقال له :

_ هذا هو زوج الكناري الذي طلبته يا أبي .

رفع الإمام وجهه إلى السماء كعادته، يصغي لتغريد البلابل الجديدة، وبعد لحظات قال لأبنه:

_ أعدها إليه يا ولدي وقل له أنهما ليسا زنجاريا اللون.

 

شارا رشيد

عن waha alfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يا خسارة نسي/ بقلم: مها عفاني

يا خسارة نسي/ بقلم: مها عفاني ـــــــــــــــــــــــــــــ لم تتفق الطريق يوما مع ...

أميرة الحب/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

          أميرة الحب بقلم: عصمت شاهين دوسكي ـــــــــــــــــــــــــ ...

مركز عناية .. بالمغرب يحتفي بالشاعر والإعلامي محمد بشكار

                مركز عناية يحتفي بالشاعر ...

ميثاق …/ بقلم: نغم نصار

                        ...

لوحات الفنانة التشكيلية لورين علي… في الفيديو 

لوحات الفنانة التشكيلية لورين علي… في الفيديو            ...

يا رب موز/ بقلم: حسين كري بري

يا رب موز/ بقلم: حسين كري بري ــــــــــــــــــــــــــــــــ كالقطبِ الشمالي أرضية الحمام ...

أَمتلكُ ذاكرةَ سَمكة/ بقلم: إبراهيم مالك

أَمتلكُ ذاكرةَ سَمكة بقلم: إبراهيم مالك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَمتلكُ ذاكرةَ سَمكة، مَشاعري مُشتّتة ...

صَخَبٌ يَسْتَفِزّ الحَمائِم/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

صَخَبٌ يَسْتَفِزّ الحَمائِم/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ……………………………. الذينَ يعيرونَ جماجمَهُم ...