الرئيسية / قصة / سحر في مَدَّيْنِ وجزْرَيْنِ/ بقلم: ياسمين خدومة

سحر في مَدَّيْنِ وجزْرَيْنِ/ بقلم: ياسمين خدومة

سحر في مَدَّيْنِ وجزْرَيْنِ/ بقلم: ياسمين خدومة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زرقة بحر على مدى الآفاق تأخذ الألباب، عالم بديع، فيه من الجمال ما يسلب العقول وما يملؤها بحبّ الحياة. يتغلغل عميقا في تأثيراته داخل اليابسة حتى يصل إلينا، الحياة فيه صاخبة لا نسمع صوتها، بين موجاته الثائرة رسائل متناغمة، وبين موجاته الهادئة موسيقى الذكريات والأزمنة.  إن في الماء لسحرا.

منه موج ساحر هادئ يزور الشواطئ بين الحين والحين مكترث فقط بمقومات الجمال، غير مبال بشغف الحياة، يحمل في ثنايا أمواجه تعبه وما يخفيه من أسرار. ذهابا وإيابا كباقي الأمواج، يصطدم بالساحل حيث الصخر العالي يرسم عليه حواسه، فتنكر كتلته ما كتب، تتعالى جزيئاته في الأجواء فتشكل جميل الصور، يتلو حكاياته للشاطئ ولا تملّ سماعها الصخور، ثم يعود ليتلاشى في البحر العميق وهو يجرّ أجمل الزبد، تاركا وراءه من الحكايات ما يحتاج فقط إلى غواص ماهر يتحسّس بوعيه الرهيف مكنوناته.

كان في كل مرّة يصل شواطئه يرى كثيرا من الزهور المختلفة الجمال والأشكال، حتى شاء القدر أن يقع بصره على زهرة بديعة بعيدة عن سواحله، همَّ بالوصول إليها، ليبلّلها برذاذه، ويستنشق كثيرا من عطرها، ناداها:

يا جميلة العطر ما اسمك من بين هذي الزهور؟

تأملت وجهه المشدوه وقالت:

أنا زهرة الياسمين.

ثم سألته:

وأنت من تكون يا ذا الموج الدافئ؟

أجابها:

أيتها الزهرة! أنا أشبه أجمل زهر وأرقّ ياسمين وألذّ رحيق وأبهى قطرات مطر، أعشق الجمال وأكره الانتظار، رأيت رسمك بالماء وقدماك مقيدتان باللؤلؤ وأنت المبحرة عميقا.

قالت:

أنت الموج والعمق.

قال:

العمق أنت ملكته، والبحر قصرك العميق، البحر وحده من نادته روحك. ابتلّ رمل النداء وقبّل قدميك أثناء مسيرها اللّقاء، أدمنت عطرك، وقرّرت أن أزورك كل يوم ومستحيل أن أهجرك.

همّت به ونظرت إليه نظرة مليئة بذاتها، فقد وضعت فيها كل ما كانت تحمله خزائن مقلتيها من إرث السنين حتى بأصغر التفاصيل التي تحملها أعظم الأحاسيس. في البدء صمتت أمام ذلك الغريب، إذ تعلمت منذ فترة طويلة تقبّل كل شيء بصمت، وألفت مسايرة كل شيء بأقلّ قدر من الأسئلة، كما صارت تتوقع ردود أفعالها تجاه أمور تبقى دائما وأبدا ممارسات تؤول إلى الزوال في متاهات الحياة …يمكن لأن قدراتها بلغت حدودها، فاندثرت الحماسة وأصبحت ترى الأشياء على إيقاع آخر أمام ديمومة الملل الموهنة.

تمضي الأيام، تستأنس بهذا الغريب… غالبا ما نجد أمام الغريب حقيقتنا التي كثيرا ما نهرب من مواجهتها خجلا من عين قريب يرقبنا كما أننا نخشى ردود أفعاله، لكن أكثر الأحيان لا نهرب من مواجهتها في عين الغريب، نتساهل معه وهو يتحرّك داخل أراضينا التي هي منطقتنا الشخصية لا لشيء إلا لأنه غريب وسوف يغادر عن قريب، كما يحدث أن نهرب من حقيقتنا أمامه ويروق لنا شعوره بالانجذاب تجاهنا، لأنّه غريب يمكننا معه أن نكون أي شخصية نختارها، لأنه وأغلب الظنّ هو الآخر قد يكون يتحرّك في ثوب إحدى الشخصيات التي اقتبسها مستعينا بأفكار غير أفكاره حتى وإن كان فيها جزء منه. غريب بات قريبا، في كل يوم يزورها يزداد تعلّقا بها أكثر، هو لم يعد يتحمل بُعدها وهي لم تعد ترتوي بغير قربه.  تجاذبتهما أطراف البوح وكانت كل فكرة تغتني بموضوع جديد، كانت الأحاديث متنوعة متعرجة، وكان حديثها بردا وسلاما. …  هكذا كان يقول.

عشقا الليل واختصرا النهار، كيف لا وهو أسير الليل، ومن صمت الليل تعود الأنفاس لروحه الوئيدة… الوقت هو ذاك الذي يريد قتله الصمت، الوقت يختفي ويبيد، والصمت هو الوحيد الذي تقول فيه أي شيء وكل شيء دون أن تشعر بالندم.

كل مرّة يرحل إليها، وعلى نغمة إحساسها إليها يصل، رحلات يسافر فيها النبض ليعود محمّلا بشهيّة للحياة.

كان يذهب ويعود، يبتعد ثم يقترب، عندما يغيب يصمت الهواء، وحين يقترب تثور المياه كالبراكين، معاند للرّيح، منافس للجنون، يشبه الحلم …بل يشبه الخيال، بل أبعد، وأقرب، لكنه أقرب من الحلم، وأظنّه الأقرب للخيال … هو خيال مع الواقع في امتزاج جميل.

ما بين البرّ والبحر غموضه يدعو إلى التّساؤل والاتفاق والاختلاف، وما بين البوح وكتمان السرّ تذوب فيه ويأوي إليها.

قالت بصوت متضرع:

أحببت وخجلت أن أبوح.

ردّ بنبرة جدية:

الحبّ حبل مقطوع ويظنّونه موصولا. هو مثل السراب والسراب لن يكون يوما ماء …. الحب لعنة تورّث الشقاء..

لكلماته تأثير شبه كهربائي عليها، انتفض قلبها وغاض الدم من وجهها، وهمدت مثل كوم رماد لعجزها عن الوصول إلى قشرته الداخلية.

ساد هدوء كتلك السكينة التي تخلعها الأنفاس المتتابعة بعسر عندما تعيد شريط نكبة في حلم محموم في بقعة تقوم بين الحياة والموت.

كان ما بين المدّ والجزر تشويق فإحباط، والمدّ والجزر لهما وتيرة ثابتة. لطالما نادته عيناها، احتضنته همساتها، وكتبت بخربشة ناعمة “أحبّك” على شطآنه الذهبية وضفافه الناصعة.

قطع صمتها قائلا:

أما لنا معك بلقاء يطول؟

رفعت عينيها بنظرة تشبه شعاع الشمس الغاربة على سماء مكفهرّة وقالت:

لقائي بك حلم، وكل حلم يغلّفني بعينيك هو حلم متدفق وسيكون أجمل حلم يقظ.

قال:

لقاء أغفو به بين ثناياك.

قالت:

ستنتظر حتّى يحين اللّقاء.

أضافت:

لا تخبر أحدا أنّي سألقاك يوما.

قال:

لمَ؟

قالت: لأن موتي سيكون هناك… لا أريد أن يعلم أحد أين ستكون نهايتي

قال:

أين هناك؟

ردّت بخبث:

في ذلك السراب الذي لم ولن يكون ماء … لكنه حياة لكثير من المساكين الذين يزن وهمهم حجم أحلامهم … أنا رمز وأنت صحراء الظمأ.

ينتهي المشهد والموج يدبر لحظة موتها الجميل، لحظة قتل الحلم بتحقيقه على مرأى البحر والسماء… فيه يدمي القرص النحاسي. يغرق في البحر . البحر المتألق يرتعش . البحر كسراب آخر ……………. حتى المجهول.

عن waha alfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

على جمر التلاشي/ بقلم: ديما شيخ

                        ...

سأذهب في غيبوبة عنوة لنسيانكِ/ بقلم: عطا الله شاهين

          سأذهب في غيبوبة عنوة لنسيانكِ بقلم: عطا ...

كمْ حظّكَ سعيد/ بقلم: آمنة بريري

                        ...

لماذا الحُبُّ في العتمة يكون مختلفا؟ / بقلم: عطا الله شاهين

            لماذا الحُبُّ في العتمة يكون مختلفا؟ ...

اقرأ المستقبل بمهارة فائقة / بقلم: رنيم أبو خضير

                        ...

عصمت دوسكي: ستبقى المرأة هي القصيدة التي لم تكتب بعد! وحينما اكتب عن الفرح يتسلل الحزن فيه

عصمت دوسكي: ستبقى المرأة هي القصيدة التي لم تكتب بعد! وحينما اكتب ...

835000 الظاهر والجوهر/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

                        ...

في تجربة زينة فاهوم الكتابة للأطفال/ بقلم: شاكر فريد حسن

            في تجربة زينة فاهوم الكتابة للأطفال ...