الرئيسية / قصة /         الجهلُ الأكبر/ بقلم: إبراهيم أمين مؤمن

        الجهلُ الأكبر/ بقلم: إبراهيم أمين مؤمن

                                     الجهلُ الأكبر/ بقلم:  إبراهيم أمين مؤمن

ملحوظتان قبل القراءة …

1-إلى جلِّ منْ يملك أمره، آثر السلامة دائماً ولا تُعرّض نفسك لاختيار مآله “أكون أو لا أكون”.

2-النص جريء جداً، فحاذر أيّها القارئ أن تؤوله تأويلاً خاطئاً.

                                       النص

خرج حاكم المجرات من مخدعه متكدّر المزاج كالعادة، لكنه هذه المرّة أصبح أشدّ كدراً، فقرر الإفصاح اليوم، اليوم فقط، عما كان يضمره منذ عشرات السنين.

وسبب كدره وفراغ قلبه أولئك الذين يطيعونه في مجرّاته، فهم على فئتين. فئة أسماها “الصحابيون “وطاعاتهم له لم تكن عن حبٍّ وإجلال، بل عن فِطرة فطرهم عليها منذ ولادتهم.

والفئة الأخرى أطلق عليها إثم “الردعيون “وهم كثرة كاثرة، وهؤلاء لم يكونوا أحسن حالاً من الأولى بل أسوا بكثير لأنهم يطيعونه خشية بأسه وقوته.

لكنهم للأسف مفطرون على الكِبر والخُيلاء.

والحاكم يعلم جيداً أنه لولا قوته لشنّ الرّعديّون حروبًا شعواء على فئة “السحابيّون” حتى ينتهوا منهم ثُمّ زحفوا بعد ذلك فى جميع أنحاء المجرات وأعلنوا أنفسهم أسياداً عليهم.

فقرر أنْ يضمَّ إليهما فئة أُطلق عليها إسم “الأرضيّون” بعد أن علم سجاياهم وصفاتهم، حيث أنّ منهم مَنْ سيطيعه حبّاً لا عن فِطرةٍ ولا كراهة وسلطان، لكن للأسف أكثرهم سيعصاه ويسفك الدم.

واستكمالاً لمشيئته سيظلّ جلُّ منَ “السّحابيّون” و “الرّعديّون ” على حالهما. أى فطرة الطاعة للأولى والوعيد العاجل للثانية حال عصيانهم له.

 

ومن أجل تنفيذ المخطط قرر إرسال “السحابيّون ” إليهم دون علم “الرّعديّون “.

وهو أمر طبعىٌّ من حاكم المجرات، لأن “الرّعديّون” قلوبهم ملآنة بالكبر والحقد وذلك معزوٌّ إلى قدرتهم الخارقة على تطويع الأشياء.

قال لهم. أريد “الأرضيّون” يدخلون في مملكتنا الفضائية الفاضلة لأزيل عن نفسي هماً كتمته في قلبي عشرات وعشرات السنين.

قال كبير “السّحابيّون”.. سيدي الحاكم تتواتر الأخبار عنهم أنهم قوم فوضويّون، سفاكو دماء، حاقدون، وجلّ هذا فيهم رغم أنهم لا شيء، حتى أفتك أسلحتهم التي صنعوها ليبيدوا بها بعضهم بعضًا لا تؤثر فينا إذا ضربونا بها، فهي مثل الدخان الساري في الهواء بالنسبة لنا.

قال الحاكم. هم ضِعاف لكن بعضهم يمتلك قلوبًا سيطيعونى بها عن رغبة وحبٍّ، ثُم تابع. أريدهم هنا في المملكة، سأسيّدهم عليكم وعلى “الرعديّون” إذا قبلوا عرضي.

فامتثلوا جميعًا لأنّ هذه فطرتهم.

ولقد شعر الرعديّون بشئٍ مريبٍ إزاء اللقاء الذي جمع بينه وبين “السحابيّون”.

وعندما وجدوا “الأرضيون” في المملكة تأكدوا مِنْ صدق شعورهم ولكنهم آثروا الانتظار عما سيسفر عنه اللقاء.

وأتوْا بهم في ساحة المُلك، فطرح عليهم العرض وخيرهم بين الأمرين، الرفض أو القبول.

وقال لهم .. إذا رفضتم أرجعوكم السحابيّون إلى أراضيكم بلا عقاب وتركتم وشأنكم، وإذا قبلتم عشتم أسيادًا علي جلّ مَنْ في المملكة، والجلُّ سيُذلل لكم من خلال قوتي التي لا تُقهر.

ولكن بشرط ..أن تطيعوني بقلوبكم، طاعة عن حبٍّ وإجلال.

وإنْ عصيتم طردتكم خارج المملكة وجعلتكم في أغلالٍ وقيودٍ حتى تموتون.

فتداولوا فيما بينهم، ثُم قالوا .. ما أيسر طاعتك في سبيل حصولنا على المُلك، وأي مُلك! إنه ملك على “السّحابيّون” و”الرّعديّون”. هؤلاء وهؤلاء لو نفخوا في أرضنا لأحرقوها.

وما أعسر عِصيانك في سبيل اتقاء أغلالِك.

وللأسف جهلوا وتعجّلوا، فقد قرروا قبول العرض وعاهدوه على الطاعة،

، فكان جهلهم أكبر من جهل ظلم وطغيان “الرّعديّون”.

قبلوا رغم خوف بعضهم أن يتملّص الحاكم مِن وعدِه !! .

 

وبمجرد قبولهم العرض قال للفئتين الأخريين ..

منَ الأن فصاعدًا ..هؤلاء الأرضيّون أسيادكم ، هم صفوتى ولقد فضلتهم عليكم، فامتثِلوا لهم طائعين .

فقال كبير “الرّعديّون” وكان أشدّهم طاعةً بسبب حبّه للبقاء .. ألا تعلم أيّها الحاكم أنّ هؤلاء “الأرضيّون” لا شيء؟ أنا أستطيع أن أبيدهم وأقضى عليهم قبل أنْ تقوم من مقامك هذا.

قال الحاكم ..كنتَ تستطيع .. كنتَ .. ، لكن اليوم قد جعلتُ بينك وبين “الأرضيّون” حاجزًا وحصّنتهم من غطرستك وكبرياءك .. والأن .. أطعنِى ولا تعصني.

كُنْ أنت وباقي عشيرتك منَ “الرّعديّون “طائعون لهم، عيشوا لهم خدمًا كما امتثل السحابيّون لأمرى.

قال كبير الرّعديّون ثانيةً ..أنا سيدهم ولستُ عبدهم، وسأنتقم منك على استحقارك لنا، ولذلك لن أجعلهم يطيعونك، سأصرفهم عن ذلك ما دمتَ سيّدتهم علينا نحن الرّعديّون.

ردّ الحاكم: وأنا قبلتُ التحدي وسأبقيك حيًا حتى أري ماذا سيواجه الأرضيّون إغوائك.

 

عاش الأرضون في المملكة لا يجوعون أبداً، ولا يشقون، ونجحوا نجاحاً كبيرًا في طاعته عن حبٍّ.

وفى انتظار وعده بالرّضوان مدى الحياة في المملكة.

وذات يوم تسلّل كبير الرعديون إليهم فزيّن لهم عِصيانه قائلاً…

هذا الحاكم سينكص على عقبيه بعد أنْ يتملّص من وعوده، إذن. على ماذا تكبتون شهواتكم !!

لماذا تحيوْن عبيداً له وكنتم أسيادًا على أراضيكم؟

انسلخوا وعيشوا أحراراً كما كنتم، إسفكوا دماء الضعفاء منكم، وتمتعوا بفروج نسائكم وأدبار رجالكم، وتبادلوا المتع معاً .. هيّا .. هيّا .

فانسلخ منهم أكابرهم فنكصوا عهد الحاكم وقفزوا على الصغائر منهم والضعفاء فسفكوا دماءهم وسلبوا أموالهم واغتصبوا منهم النساء والرجال.

فنظر الحاكم إليهم غاضبًا، بينما كبير “الرّعديّون “وقومه يتراقصون فرحًا.

ثم أمرهم جميعًا بالهبوط إلى حيث كان “الأرضيّون” يسكنون وحدد لهم مدة وكانت مئة يومٍّ فضائىّ ، وسلط بعضهم على بعض.

 

ثم نظر إلى “السّحابيّون” وقال لأحدهم .. أنت أنت تقفّ أثرهم واكتبْ أعمالهم،

أكتب كل ما يعملون من طاعة لي أو معصية حتى لا أنسى…ثم نظر إلى آخر  .عليكم بأخذ أرواحهم عندما أأذنُ لكَ، ..

وقال لآخر ..وأنتَ أنتَ عليك بإحضار “الأرضيّون” كلّهم جميعًا لأحسابهم على أعمالهم بعد تمام المهمة.

ثُم أمرهم جميعًا بإحضار السلاسل والأغلال لمن أدبر وعصى .. ثم قال أمّا من وفّى وأطاع فسأجعلهم يحيوْن في المملكة.

وانتظِروا جميعًا وأنا معكم منَ المنتظرين.

 

ومرّ مئة يوم فضائىّ وحانتْ لحظة النهاية، ولمّا هَمّ بسلسلة وتقيد جلّ “الرعديّون” تقريبًا وأكثر “الأرضيّون” إعترضوا قائلين.

لِم تعذبنا وتكبلنا؟ ألمْ تكنْ أنت مَنْ أوجدتنا وكلفتنا؟

فقال طمعكم وجشعكم وجهلكم هُم مَنْ ألقوا بكم فى العذاب عُمياناً، كان يجب عليكم ألّا تقبلوا، ولكنّكم جهلتم وظننتم أنّ بكم قوة على طاعتى.

أنتم الأرضيّون مارستم جلّ طرائق الطمع والجهل فتوحشتم وطغيتم قبل أن أعرض عليكم، وتركتكم وحالكم تأكلون بعضكم بعضًا وتشربون دماءكم بعضكم بعضاً، ولكن بعد أن قبلتم عرضي لمْ أدعكم وحالكم، ولقد نسيتمونى واليوم أنساكم، ثم سيرهم عُميانا يتخبطون في أغلالهم.

 

             إبراهيم أمين مؤمن

23-8-2019

عن waha alfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لكِ قلبي شدا وغنى/ بقلم: شاكر فريد حسن

                    لكِ قلبي ...

أُنشودةٌ مِنْ رَجَاء/ بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

أُنشودةٌ مِنْ رَجَاء .. بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ……………………. مُرابِطٌ أَتَنسّمُ ...

ظلال من ريح/ بقلم: سحر القوافي

                        ...

فرنسا التي لا تغفر/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

فرنسا التي لا تغفر بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ……………. لقد صدّرت ...

الشيشكلي وحجر البناؤون/ بقلم: ميسون اسدي

الشيشكلي وحجر البناؤون بقلم: ميسون اسدي ……….. أعرف هذا الشخص ولا أعرف ...

مع الشاعر عبد الهادي قصقصي وديوانه: ” إن الحمامة تنتشي بهديلها “/ بقلم: شاكر فريد حسن

مع الشاعر عبد الهادي قصقصي وديوانه: ” إن الحمامة تنتشي بهديلها “ ...

أسير وطن / بقلم: زيد الطهراوي

              أسير وطن / بقلم: زيد ...

صدور كتاب “دلالة العقم والإخصاء في الأدب الفلسطيني” للأديب صالح أحمد (كناعنة)

                        ...