الرئيسية / مقالات / تظاهرات سلمية أم ثورية؟/ بقلم: جوتيار تمر

تظاهرات سلمية أم ثورية؟/ بقلم: جوتيار تمر

 

 

 

 

 

 

 

 

تظاهرات سلمية أم ثورية؟

بقلم: جوتيار تمر/كوردستان

5/12/2019

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعد المظاهرات السلمية إحدى أهم أنواع الاحتجاجات الشعبية كما يذهب إليه اسماعيل محمد البريشي في دراسة له عن المظاهرات السلمية بين المشروعية والابتداع، والتظاهر من حيث اللغة  كلمة مأخوذة من الظهير وتعني العون،واصطلاحاً تعني تجمع أو سير عدد من الأشخاص بطريقة سلمية في مكان أو طريق عام، بقصد التعبير عن رأي أو الاحتجاج أو المطالبة بتنفيذ مطالب معينة ومحددة، والتظاهر السلمي يعد أحد أبرز الأساليب التي تستخدم للتغيير السلمي،  وعلى هذا الأساس هو تعبير جماعي عن الرأي، يهدف إلى الضغط على جهة معينة، من أجل تحقيق مطلب معين، وقد تكون الغاية من التظاهر أو الاحتجاج على أو تأييد موقف أو قرار معين، وحق التظاهر في المواثيق الدولية والقوانين المحلية امر منصوص عليه وفق مواثيق حقوق الانسان الدولية باعتباره جزء من حق التعبير عن الرأي او المشاركة السياسية، وقد اقرت اغلب دول العالم بحق التظاهر السلمي، والخلاف بينها هو في طبيعة القوانين المتعلقة بحق التظاهر السلمي، هل تنظم هذا الحق فقط، أم تلغيه فعلياً، كما يؤكد ذلك د.صبري محمد خليل في مقال له عن التغيير السلمي.

وتتفق اغلب المصادر القانونية ان السلمية  والتي تعني  – المسالمة –  كما وردت في معجم المعاني، وهي عقيدة تنفي اي مبرر للحرب وتعتبر ان كل النزعات بين الامم يجب ان تحسم بطريقة سلمية ، تعد ركن اساسي من اركان التظاهر، والسلمية بدورها تتخذ معايير  خاصة تجعل من المظاهرات قانونية لاسيما في الدول الديمقراطية، فمثلا ان يلتزم المتظاهرون بالأماكن الخاصة بالتظاهرات التي لا تعيق سيرورة الحياة اليومية للافراد غير المتظاهرين ولا حتى المؤسسات الخدمية ولا تعطل الطرق ولا تخدش حياء الأفراد بألفاظ نابية، كما انه من الضرورة ان تتوفر في اماكن التظاهر جميع المرافق والمستلزمات التي لا تجعل من أماكن التظاهرات خراباً وموبؤة.

ومن الشروط الضرورية في التظاهرات السلمية في الدول الديمقراطية أن لا تؤثر في الاستقرار  والامن العام، وتكون بشكل حضاري ، والملاحظ في التظاهرات الشرق اوسطية بصورة عامة باستثناء تظاهرات لبنان الاخيرة، انها تسبب في اتلاف المال العام والخاص، حيث تتعرض بعض المؤسسات وبعض المقرات المخصصة للاحزاب السياسية وحتى بعض المحلات العامة للاتلاف كما انها تعيق مظاهر الحياة العامة من خلال اجبار بعض اصحاب المحلات لغلق محلاتهم خوفاً من استغلال التظاهرات والهجوم عليها وسلبها، وكذلك غالباً ما تسبب المظاهرات في تعطيل الطرق وحركة الجسور المؤدية الى المؤسسات الحكومية سواء الخدمية او غيرها، وبالتالي انها ترسم صورة سيئة للدولة بسبب الامور التي ترافق التظاهر من حرق السيارات وحرق الاطارات وسد الطرق بالحواجز الكونكريتية والصخور والنفايات.

وبذلك لا يمكن تصنيف تلك التظاهرات ضمن أي اعتبارات اصطىلاحية سياسية دولية او قانونية، غير انها تسبب الفوضى، فلاهي قادرة على البقاء ضمن الدوائر القانونية للتظاهر، ولا هي ثورة ، ففي علم الثورات يتم تعريف الثورة السلمية – كما ورد عن منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب – على انها فعل مقاوم هدفه انهاء الاستبداد ويعتمد على المقاومة المدنية بهدف سلب السلطة قدرتها على اخضاع الشعب وذلك بدفعه للخروج للمطالبة بحقوقه واظهار العصيان المدني وايضاً سحب دعمه للنظام الحاكم، وفي أي دولة أو مجتمع لا تستمد السلطة شرعيتها إلا من خلال الدعم الشعبي لها، وذلك بعيداً عن العنف الذي يمثل أساساً في الهجوم العسكري وحرب العصابات والاغتيالات، ومن المفارقة ان نلامس بأن الشعوب الشرق اوسطية على الرغم من انها تدعي بانها تقود تظاهراتها سلمياً وبعيداً عن العنف إلا انها سرعان ما تنخرط في اعمال التخريب من حرق السيارات واغلاق الطرق واستخدام الالفاظ النابذة والى غير ذلك، والمفارقة ايضاً انها في الغالب تخرج لمطلب صريح ومحدد، وسرعان ما يتحول ذلك المطلب الى مطاليب اخرى جزئية متفرقة تؤدي بالتالي الى عدم وجود نمط مستقر في الرؤية التظاهراتية ضمن دوائر ثابتة واهداف محددة، لكونها حتى حين تحصل على المطلب الرئيسي والذي خرجت في الاساس من اجله نجدها تستمر  في حركة العصيان ونفسر مطاليبها بتفسيرات اخرى تكون معقدة على المستوى السياسي باعتبار ان الدولة بسلطتيها التشريعية والتنفيذية لا تكون قادرة على تنفيذها لانها ستؤدي بالدولة إلى السقوط ولا يمكن تشكيل حكومة وطنية كما ينادي المتظاهرون بشخصيات لا تملك الدعم السياسي والمالي داخلياً واقليمياً ودولياً، لان الدول في الاساس قائمة على اعتبارات وطنية في قوالب دولية مكبلة بسلسلة من القوانين الدولية والمعاهدات التي ترسم لها ملامحها وقيمتها ككيان وسيادة.

على هذا الاساس يمكن النظر الى التظاهرات في الشرق الاوسط بصورة عامة وفي العراق الآن بشكل خاص على انها خاضعة لتناقضات مطاليبية من جهة، ولضغوطات قانونية من جهة اخرى، فالتناقض في المطلب الاساسي الذي كان اسقاط الحكومة واستقالتها تحول إلى  مطلب شعاراتي لا يمكن تحقيقه على ارض الواقع، لانه في الاصل لا العراق ولا أي دولة اخرى في المنطقة كلها تمتلك تلك السيادة المطلقة بعيداً عن التدخلات الخارجية المتمثلة بالمنظومة الدولية ومصالح تلك المنظومة في المنطقة، لذا فإن شعار نريد وطن امر اعتقد بانه أُطلق لإثارة العواطف الجياشة للشعب بالأخص الشرائح العاطلة عن العمل والشرائح المهمشة التي تنظر الى السلطة على انها السبب في ما هم فيه من فقر وبطالة وضياع، فتتحول تلك المشاعر الى عداء واضح تجاه الحكومة نفسها وقياداتها، ومن ثم الى الجهات الموالية والداعمة للحكومة داخلياً وخارجياً، فداخلياً تتجه انظار المتظاهرين الى المراكز والمقرات والمؤسسات الحزبية واحياناً الحكومية حيث تحرق وتنهب وتؤدي بالتالي الى وقوع ضحايا بين الجانبين، وخارجياً تتجه الانظار الى اكثر دولة مؤثرة على القرار السياسي الداخلي وتتدخل بشكل مباشر في سيادة الدولة فيبدأ المتظاهرون بالتنديد بها والمطالبة باخراجها من الدولة.

وهنا تبرز مفارقة أخر ى ففي حين يحتاج التغيير بالعنف بشكل اساسي للقدرة الجسدية والتفوق المادي فإنه بالمقابل يحتاج التغيير باللاعنف الى الذكاء العقلي والتفوق الاخلاقي، فبالعقل يمكن ابتكار وسائل متجددة وضرورية لرفض النظام القائم المستبد، بينما يضمن التفوق الاخلاقي على الخصم اتساع تأييد الشعب وكسب التعاطف الدولي، فتتحول الثورة السلمية بخطوطها العريضة الى موضوع دولي وتدخل دولي وأممي وفق القوانين المتفق عليها دولياً، والغريب في الامر انه لحد الآن لم ترتقي التظاهرات الى مستوى الثورة بل ان الطبقة المثقفة والواعية والسياسية المعارضة نفسها لم تتفق على اطلاق تسمية موحدة على ما يحدث في العراق بالذات فبين قائل بالثورة وآخر يردد شعار المتظاهرين نريد وطن وآخرون يرون بأن إسقاط الحكومة وتشكيل أخرى من الشعب داخل ساحة التحرير والى غير ذلك من الأقاويل والطروحات التي اطلقت خلال هذه الفترة حول التظاهرات في العراق.

وكوجهة نظر شخصية كان من المفروض ان يتم تكثيف العمل وفق آليات مقننة يتم من خلالها توجيه التظاهرات لهدف اساسي ومحدد وعدم السماح للتأويلات العامة ان تفسد الصورة الحقيقية التي خرجت من اجلها التظاهرات وهي استقالة الحكومة واعطاء المجال لتشكيل حكومة جديدة وفق الدستور والفترة المنصوص عليها دستورياً مع التأكيد على السقف الزمني المحدد لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات ودون انتظار المخاصصة والمحاصصة كي تحكم على الواقع السياسي من جديد، فضلاً عن جعل قانون التظاهر سلاحاً بيد الشعب لتهديد أي سلطة مستبدة، والعمل على نشر الوعي بين الجماهير بالابتعاد عن ما يعكر صفو التظاهرات قانونياً وضلك من خلال التأكيد على العمل المدني، فضلاً عن التأكيد بأن الشعب مستعد للخروج مرة اخرى اذا ما وجد بأن التدخل الخارجي والدعم الخارجي لجهة معينة هي التي حسمت امور تشكيل الحكومة.

ولكي يتحقق كل هذا على الجماهير الشعبية ان تؤمن بقدرة بلدها على الدخول في هذا المعترك السياسي وفق أسس حضارية، وهذا لا يتطلب الوعي فحسب بل تقنين التظاهرات كي لا تكون سلاحاً بيد احزاب سياسية معارضة تحرك الجماهير متى ما شاءت، لذا فانه من الحكمة ان تعي الجماهير بان ممارسة حقوقها السياسية يجب ان تكون من خلال قنوات شرعية، فالقانون يكون هو الحكم، وان العدالة لا تقف عند باب اصحاب النفوذ والمال والسلاح، وانها لا تفرق بين جميع فئات الشعب، كما يذهب إليه شادي طلعت في دراسته عن معنى التظاهر وأركانه، فضلاً على ان يشمل قانون التظاهر تحديد أماكن خاصة كي لا تعطل الحياة اليومية المؤسساتية والفردية، على ان تكون تلك الاماكن مجهزة لاغراض ومتطلبات التظاهر، بالاضافة الى ان تعي الجماهير بأن تتظاهر وفق دوائر ومطاليب محددة وان لا تتأثر عاطفياً بالشعارات التي يطلقها البعض لربما هي في الاصل تأتي لإثارة الشغب والتخريب مما يمهد للسلطة بأن تستخدم العنف والسلاح تجاه المتظاهرين مدعية بان تلك التظاهرات خرجت عن مسارها واصبحت تهدد الأمن القومي، وحين يتعلق الامر بالأمن القومي فانه لا قوة ستردع تلك الحكومات من استخدام كل الوسائل لإسكات الاصوات والقضاء على من تراها تعارض سياستها، ومن جملة القوانين التي يفترض ان تلتزم بها المظاهرات هي ما يتعلق باحترام الاجهزة الامنية والشرطة لحقوق المتظاهرين طالما هم محافظون على القوانين المتعلقة بحق التظاهر، ولعل التأكيد على اهمية التزام التظاهرات بالسلمية فعلاً وقولاً، ضرورة قصوى، بحيث لا تتعرض للمؤسسات الحكومة ولا تقوم بحرق مراكز الاحزاب حتى وان بدت لها احزاب فاسدة ناقمة حاقدة، فاتلاف المال العام يعد قانونياً امرً دافعاً للسلطات باستخدام القوة تجاه المتظاهرين، وحتى القيام بالكتابة على الحوائط والمحالات العامة والاماكن الحكومية امر يستحسن الابتعاد عنه لانه قانونياً يدخل تحت سقف اتلاف المال العام، والابتعاد عن اتلاف مال عيني للدولة او للافراد امر حضاري ويساهم في خلق صورة حضارية للمتظاهرين امام الرأي العام العالمي وبالتالي من خلال تلك المظاهر يمكن للمنظمات والقوى الانسانية التحرك من اجل دعم حق المتظاهرين فعلياً، اما غير ذلك فانه يتم تقييد تلك المنظمات والقوى الانسانية من التحرك، لأن في الاصل التظاهرات تعد خارجة عن القوانين المسننة دوليا، ويعتبر اي تعامل للسلطات مع تلك التظاهرات امر داخلي.

 

جوتيار تمر/كوردستان

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثورة الإحساس وصرخة الضمير، والشاعر عصمت دوسكي/ بقلم: أحمد لفتة علي

ثورة الإحساس وصرخة الضمير والشاعر عصمت شاهين دوسكي … * الطاقة الفكرية ...

المنفى والاغتراب في قصيدة ” أضاعوني” للشاعر عزّ الدين المناصرة/ بقلم: د. روز اليوسف شعبان

المنفى والاغتراب في قصيدة ” أضاعوني” للشاعر الفلسطيني البروفيسور عزّ الدين المناصرة ...

شجرة المانجا/ بقلم: محمود العياط

شجرة المانجا/ بقلم: محمود العياط  ــــــــــــــــــــ وعلى طلعك يا شجر المانجا ويا ...

أتدلى من قلبك / بقلم: جودي قصي أتاسي

أتدلى من قلبك / بقلم: جودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــ أملك التفاتة النهرِ ...

حلم تحول لذكرى/ بقلم: نجاح هوفاك

حلم تحول لذكرى/ بقلم: نجاح هوفاك ـــــــــــــــــــــــــــــــ أنا… سليلة تلك الدمعة التي ...

سابينس: موجز تاريخ الانسان وترجمة مميزة للدكتور جكر عبدالله ريكاني/ بقلم: جوتيار تمر

سابينس: موجز تاريخ الانسان وترجمة مميزة للدكتور جكر عبدالله ريكاني بقلم: جوتيار ...

حوار مع مدربة التنمية البشرية سحر عبد المجيد/ مقدم الحوار: أحمد سلايطة

حوار مع مدربة التنمية البشرية سحر عبد المجيد، مقدم الحوار أحمد سلايطة ...

دروبُ الحبِّ/ بِقَلم: علي موللا نعسان

دروبُ الحبِّ/ بِقَلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــــــــــــ جاسَ الورى سهرُ الأجفانِ في ...