الرئيسية / قصة / البالوعة…/ بقلم: لمياء نويرة

البالوعة…/ بقلم: لمياء نويرة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

البالوعة…/ بقلم: لمياء نويرة

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

بدأ الاجتماع الخارق الطارئ. حضر كل المسؤولين وانكبوا على دفاترهم يدونون الأوامر الصارمة ويسجلون المقترحات العاجلة.

نطق المسؤول الكبير مترأس الجلسة بلهجة شديدة:

– غدا منذ أول الصباح، أحبها حركة دائبة، حملة غير مسبوقة، وفروا أعوان النظافة بعدد كبير، وأجعلوهم ينتشرون على الأرصفة، وسط الحدائق والمفترقات وعلى جانبي الطريق، وليلتقطوا القمامة والقوارير والقش والحصى، وليتسلقوا الأعمدة العالية والأشجار الباسقة لقطف تلك الأكياس العالقة، وليقلبوا التربة وليعيدوا ترتيب الأحواض، ولينزعوا الغريب والمتطفل فيها وليسقوا كل الزرع حد الرواء -وشدد بسبابته -أحبها جنة، مفهوم؟

تدخل أحد المجتمعين مقترحا:

– سيدي الوالي يمكننا أن نزيد الأغراس فنجلب نباتات جاهزة كبيرة ومزهرة.

أضاف آخر:

– سنزرع الحاويات عند كل شبر ونملأ ذلك الشارع الطويل باللافتات الداعية لاحترام النظافة وسلامة البيئة

وأشار آخر:

– ولخدمة المواطن فسنجعل أعوان مرور عند رأس كل نهج، وإشارات تنظم السير وتحفظ السلامة

استأذن آخر في كلمة، وقال وعلامات القلق بادية عليه:

– سيدي الوالي، في ذلك الشارع مشكل مزمن. البالوعات يمكن لها أن تنفجر عند أول مطرة لتغرق ذلك الحي بأكمله. وإني لا أرى حلا  إلا جذريا ، الهدم وإعادة تركيب القنوات وتقويم البنية التحتية .

ضرب المسؤول الرفيع بقبضة من حديد على الطاولة المستديرة صائحا:

– ليكن كل ذلك وبسرعة، قوموا بكل التدابير، وليكن العمل ليل نهار، ليس لدينا متسع من الوقت فالزيارة في غضون ثلاثة أيام … -ثم أضاف بنبرة أقل حدة -إن استحالت الحلول الجذرية لضيق الوقت أو محدودية الاعتمادات، فاعتمدوا حلولا مؤقتة.  يجب أن تنجح الزيارة، وأن تسير الأمور على أكمل وجه.

خلال الأيام الثلاث التالية لم يتوقف المسؤولون عن بذل الجهود حتى رضوا عن كل الإنجازات. تهللت وجوه المتساكنين واستبشرت بالتغيرات المفاجئة والمجهودات المبذولة ، فطاب العيش في تلك الأيام وارتاحت الأنفس للشوارع النظيفة كالمرايا والحدائق والأغراس الغناء حتى استحى منهم كل من كان يلقي الفضلات في الطريق  العام، بل وتوطدت العلاقة بين المواطنين وتلك الحاويات المتكاثرة عند كل شبر، و دفع بهم الإعجاب بنظافتها والرسومات الزاهية التي زينتها إلى التقاط الصور بجانبها وأمامها كمعلم أثري من مفاخر البلاد ، كما صار المارة المترجلون يعشقون قطع الطريق المعبدة على الممر الجميل الذي أعيد تسطيره بالأبيض الناصع ، سطورا متوازية لا تحيد ..

ولم تعجز الجميع إلا تلك البالوعة. أنفقوا من أجل سدّها المال الوفير وتكتلت جهود المهندسين والمختصين فما نجع شيء من ذلك.

أبرمت اجتماعات على أعلى المستويات وتكونت لجان واستقدمت كفاءات ورصدت اعتمادات واستنجدوا بخبرات من خارج البلد لكنها ظلت كأنها حفرة يسكنها جان مارد خبيث، هم يسدونها ويردمونها وهي تتفجر بلا موعد وسابق إنذار تلقي بسخطها وجوفها النتن على كل من هب ودب … والوقت يمضي والموعد يقرب.

وجيء بالسحرة والعرافين العارفين بأمور الشعوذة يستنجدون بوصفة تنجيهم الفضيحة يوم قدوم الموكب الرسمي …

حين أقبل المسؤول الرفيع مع جمع غفير من الموظفين السامين والمسؤولين وامتلأت الأرصفة برجال الأمن يتهيؤون لوصول الموكب المهيب الوشيك الوصول، حينها كانت البالوعة تدفع الماء سيولا تجري .. امّحت أول الأمر تلك السطور عن الممر فتاه العابرون عن صراطهم المستقيم، وتكسرت تلك النباتات الهشة وتنكرت التربة لجذورها الهجينة.

ثم حلت الكارثة الكبرى، تفجرت تلك البالوعة اللعينة هازئة بكل الجهود المبذولة والأموال الطائلة التي حاولت شراء صمتها وإخماد ثورتها، فسخرت من الخبرات والكفاءات ..تفجرت كبركان وألقت بحممها وأخرجت أثقالها، قشا ووحلا وأكياسا وأعوادا وأجساما نتنة متحللة …

هب المنتظرون وصاح المسؤول الكبير أن أوقفوا الجحيم ووحّدوا الجهود. وقفوا صفوفا صفوفا كالبنيان المرصوص يسدون منافذ تلك البالوعة ويمنعون الماء من التسرب وجلين من الفضيحة، لكن الماء ظل متدفقا تحت أرجلهم وما لبثوا حتى نقت ضفادع ونطت فوق الأكتاف وخرجت فئران من جحورها فزعة وتقافزت تعتلي رؤوس المسؤولين وتنظر مثل الجميع بفضول ..

عند رأس الشارع الفسيح الغارق ظهر الموكب المهيب يسبح في اليم الطويل يتهادى فتمتد له رؤوس المارة الذين احتموا من السيل الجارف بمداخل المحلات فيما ظل المنتظرون المتماسكون كالبنيان مرفوعي الرؤوس غير مبالين بالماء الذي جعل يسحبهم شيئا فشيئا وسط الطريق فلم ينتبهوا إلى البالوعة التي انكشفت عوراتها …

وتشاء السيول أن تجرف حينها إحدى الأشجار فتهوي وتقطع الطريق. وتوقف كل شيء: علت صفارات الإنذار وجيء بالمد من كل فج، الحماية المدنية والشرطة والجيش الوطني، الكل هب لنجدة حضرة الوزير الغارق في الماء والوحل …

بعد أيام من الكارثة وحالما تعافى الوزير المسن من نزلة البرد والفزع الذي أصابه من تلك الزيارة المشؤومة أنشأ اجتماعا طارئا خارقا للعادة وأمر بإغلاق الحي بأكمله ومنع الجولان بالمدينة وأمر بتجفيف منابع البالونة والبحث عن أسباب تفجرها الفجائي ومسبباته والتفتيش بداخلها عما إذا كانت تسكنها خلايا نائمة خططت وفجرت وأرهبت … والأهم أنه أمر بإقالة الوالي خطوة أولى على سبيل الإصلاح الجذري …

 

لمياء نويرة- تونس

عن waha alfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

    لحظات مسروقة/ بقلم: أماني المبارك

   لحظات مسروقة/ بقلم: أماني المبارك ……………… من زاوية حانة شاعر ثمل ...

فلسطين…/ بقلم: ربى محمود بدر

فلسطين…/ بقلم: ربى محمود بدر …. كيف للوحة الحنين أن تغادر رباك ...

يا رجل الأساطير / بقلم: جودي قصي أتاسي

يا رجل الأساطير / بقلم: جودي قصي أتاسي ……………. لا تجدل شعري ...

سفر …/ بقلم: د. كريمة نور عيساوي

سفر …/ بقلم: د. كريمة نور عيساوي …………. وأنت تعلنين الرحيل على ...

الموسيقى والأطفال/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

الموسيقى والأطفال بقلم: محمد عبد الكريم يوسف …………….. يقال أن الموسيقى تلطف ...

قَمَرُ مَدِينَتِي حَزِينٌ / بِقَلَم : شَاكِر فَرِيد حَسَن

 قَمَرُ مَدِينَتِي حَزِينٌ  بِقَلَم : شَاكِر فَرِيد حَسَن …………. قَمَرُ مَدِينَتِي حَزِينٌ ...

نبذة عن موريتانيا/ بقلم: سلمة با

نبذة عن موريتانيا/ بقلم: سلمة با ……………. لكل شعب ولكل بلد، كما ...

لازلت أذكرك… / بقلم: أمينة أحمد نورالدين

لازلت أذكرك… / بقلم: أمينة أحمد نورالدين ……………   صدى سيمفونية معتمة ...