الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / عن قصة الموشوم للكاتبة ياسمين خدومة/ بقلم: كمال الدريدي

عن قصة الموشوم للكاتبة ياسمين خدومة/ بقلم: كمال الدريدي

عن قصة الموشوم للكاتبة ياسمين خدومة/ بقلم: كمال الدريدي

ـــــــــــــــــــــ

قصة قصيرة بعنوان “الموشوم ” جعلتني حقًا موشومًا بتلك الكلمات.

…كنت أترنّح بين الذكرى والخيال بين الواقع والتّيه… بين ما آمل إليه…وبين ما هو يعدّ ضربًا من المستحيل… أفتش في خبايا نفسي..فلا أجدني

صدق الله العظيم حين أقسم بالقلم..وما يسطرون..(..والقلم وما يسطرون..).

حيث استطاعت الكاتبة والأديبة ياسمين خدومة

أن تخلخلني بما سطّرت بقلمها.. نعم هنا بعضا من إعجاز هذا القلم أن تكتب به فتنفذ إلى أعماق وخبايا نفس القارئ فتشدّ انتباه كل حواسّه. الظاهرة والباطنة..وتلعب بعقله وقلبه..

كنت وأنا في ذلك التّيه بين الوجد والعقل..بين القلب والتقاليد بين العشق الضّائع والعشق المباح، بين العلاقة الجدليّة بين الحب المفقود وبين القلب ولهثه وضياعه وراء مبتغاه ممّا هو مباح وموجود على قارعة هذه الحياة…اللغز التي يكدح فيها الإنسان ويتعب..حتى يغيب ويهاجر إلى عالم آخر

(يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه..)

حينها تجد نفسك أمام حقيقة الحقائق.

ومن تعب هاته الحياة وأشدّها ألما أن تجد ذلك العاشق وهو يرتدى ألف قناع وقناع، في مرحلة بحثه على نصفه الغائب فكلّما أوهم نفسه بالعثور عليه، تبيّن أنه يخادع نفسه كما خدعته هاته الحسناء التي اعتبرته زبونا آخر جديدا.

فلا هي بلغت مرادها ولا هو عثر على حبّه الضّائع في جسد الأخريات….

معادلة نفسيّة معقّدة، إشكاليّة وجوديّة ووجدانيّة…بقلم رقراق..مرهف الإحساس تتدرّج بنا المبدعة ياسمين خدومة باسلوب سلس غير معقّد، بلغ ذروة الإبداع حينما حمل تلك المعاني المعقّدة وبسّطها لدى القارئ كما يبسط الصيّاد الطعم للسّمكة فتعلق بصنّارته ولكن لا فكاك سيسحبها إلى الشاطئ رغما عنها وستسلم نفسها كرها ثم طوعا…هذا ما حدث لي وأنا أقرأ «الموشوم» وما وشمه إلا لغزا محيّر ينبئ بحيرة وضياع هذا الموشوم…فكانت سمة له…

إذ جرتني الكاتبة بطعمها المخفي بين الأسطر والكلمات وسحبتني لحظة الدّهشة لحظة وقوع الموشوم في براثن الحسناء حيث بدأت تفضى عليه من نسمات العشق فسقط مترنّحا بذلك المخدّر، كان ّيتهيّأ لي وأنا أسابق الكلمات لتنزاح العقدة وأصل إلى الانفراج، أن تلك الحسناء التي وصفتها الكاتبة…وصفا دقيقا والتي من خلالها استطاعت أن تؤثث لقصّة قصيرة بجميع أسسها بين شخصيات رئيسيّة

البائعة

~والموشوم ~

وشخصيات ثانويّة

كالباعة والحرفاء والبهائم والمتسوّلون…

وحوار نفسي باطني «مونولوج» وبين وصف المكان حيث السّوق وما يحتويه، كما وصفت بعض من مؤثّثات النّص القصصي..فوصفت القماش والألوان والفاكهة وأشعة الشّمس وأصوات الباعة والمتسوّلين مع بعض الإيحاءات التي ليست بالطلاسم ولكن زادت النص نزعة فكريّة تجبر القارئ على التريث وطرح السؤال..مثاله

« زمن السّماسرة الخبثاء والحرفاء الأوفياء…»

«. سرعان ما تعفّنت كما تعفّنت بعض القلوب من حرقة الانتظار.»

وهذا يعتبر في فنّ القصّة القصيرة وغيرها ضربا من ضروب فنّ السّرد والحكي إذ أن المحيط مملوء حركة وأثاث وهذا له دوره في السّرد وفى ملء فضاء القصّة حتى يصبح السّرد مسرحية يشاهدها القارئ بكل تفاصيلها ومؤثثتها

فكانت أسس القصة موجودة بطريقة لا تخلو من روح إلداعيّة بعيدة عن التكلّس والتصنّع..فكان النص حيّا وذا روح..

إذًا كنت أتصوّر تلك الحسناء هي الدنيا وزينتها وأن السّوق وتلك الجلبة…والحركيّة هي ضوضاء الحياة..وروحها..وأن الإنسان اللاّهث وراء المفاتن سيقع أسير تلك الحسناء.

كنت أقرأ النص والتأويل تترا..وتداهمني وأنا أحاول ترتيبها فكلّما تقدّمت تبيّن لي زيفها وبطلانها

إلى أن فاجئتني الكاتبة بالقفلة التي لم أكن أتخيلها ولا مرّت بخلدي.

تلاعبت بي الكاتبة كما تلاعبت تلك الحسناء بالموشوم فقفلت بذلك منفذ التحرّي والتفكّر فبقى الموشوم في حيرته لم ينل لذّة ولا انتشاء رغم كلّ التغنّج ورغم حالة الهيجان التي كان عليها ففي اللّحظة الحاسمة هلّ طيفها أمامه وتلاشت الرّغبة الجسديّة وحل الحبّ المفقود الذي جعله يبحث عنها في جسد الأخريات ذلك الحب الذي غيّر من شخصية الموشوم فجعله يتشظى ويتفتّت في أجساد كل النساء دون بلوغ المرام، وهو ذلك الوصال الذي به تكتمل الكرة بنصفيها كما كانت تسبح في العالم العلوي وحين نزلت بقيت دائمة البحث عن جزئها الضّائع في متاهات الزّمن.

كان الموشوم إنسانا عاشقا وفيّا تتنازعه الرّغبات..وتفتّته..وكانت الحسناء البائعة..مغرية..أحسّت أنها تعرفه…

منذ أمد بعيد فهو زبون مختلف ذو قلب ينبض بالحب لذلك رجّها رجّا…. لكن كلاّ وبغيته..

كليهما خسر فلا فازت الحسناء بزبون جديد.. ولا حاز الموشوم الحبّ التليد

وبلغت أنا ذروة الدّهشة والانتشاء حيث استطاعت ياسمين أن تجعل الموشوم ينفذ إلى أعماق كل قلب مكلوم

لن أزيد فهذه ليست قراءة وإنما هوامش أثارتها كاتبة في مكمن ناقد.

شاعر

يقول عنترة

وددت تقبيل السّيوف …

حين ذكر عبلة

ولكنّ الموشوم ذكر حبيبته وقد تلاقت الأجساد ولم تتلاقى الأرواح فعفّ عن الوصال وزهد فيه وبقي وفيّا لطيفها ولعمرى هذا أشدّ من أن تنهال عليه السّيوف.

شكرا ياسمين عطر كلماتك دغدغ كل الحواس.

********************

الموشوم

 

رجل موشوم كما لو أن الأمر يتعلق بـتـمـيـمة، لا للحماية من الشرّ أو لزيادة الحظّ، ولا هو موشوم بزخارف أرابيسك. وشم خفي موارب، قد يكون الوشم رشما قسريا لا بإرادة واُختيار، لم تمْلِه اعتبارات جماليّة أو حنين للأزمنة البدائية، قبل أن يصبح الوشم فنّا في المعارض المعاصرة ومؤسّسات الفنون البصرية، عصر زيادة العزلة ووافر الوحشة والسأم المقيم تحت اللحم في العظام…

تعرّفت إليه في زحمة سوق زاخرة بالأشياء، عامرة بالخلق بأحجام مختلفة وأطوال متفاوتة وأبعاد متفرّقة وسطَ ساحة تضجّ بصرخات الباعة وبلاغتهم الإشهاريّة الـمستحدثة والموْروثة، تعرفت إليه عند تزاحم البهائم والشحاذين يتسولون بكل الوسائل الممكنة للتسوّل، قديمها ومستحدثها، تعرفت إليه زمن السماسرة الخبثاء والحرفاء الأوفياء والمتجوّلين الأصحاء والمعوّقين الذين لا يشترون شيئا ولا شيء لديهم يفعلونه سوى الاسْتجابة لعادة الخطى وحكمة الأرجل المتلعثمة كما قلبها عند هذا الحين .أوف، أوف …أشياء غامضة هزّت أركانها … لامَست شغاف قلبها، خطفت عقلها من أوّل نظرة، من أول إشارة . ورُبّ إشارة أقْتَل من عبارةٍ . أووف … قرأتُ ذات يوم أو إني كنت قد سمعتُ في خطبة إحدى الجُمع أن” النظرة سهم من سهام إبليس .” التبس عليّ الأمر. لا بوصلة.

جرفته تلك الرقيقة حين حَدَجَتْه على طريقتها بنظرة خفية منها، جرّدته بخيالها .أسقطت نظّاراته الشمسية في ثانية… أحسّت أنها لقطة تضرب بجذورها في القدم، أحسّت كأنها كانت تحبّه منذ الأزل وأنها لم تعش يوما بعيدة عنه … وأكثر، إنها كانت تحيا فيه وهو يضجّ فيها، وأنّ الزمان نفسه اعتصرهما من عناصر الأكوان جميعها حتى كأنهما قد امتزجا قبل خلق الكون نِطافا….. هما الكون هذه اللحظة.

حصل كل ذلك تحديدا، قبالة ” نصبة ” لبائعة في مقام المتشرّدة الأنيقة تنادي بأعلى صوتها مُشيدة بمزايا بضاعتها: خِرق من لباس داخلي نسوي على رجالي، تركي على إيطالي، على فرنسي على بنغلادشي…. من كل الألوان…. وإنْ هي تغلب عليها تلك الألوان الهندية المحْتَفلة باللاّمع الجذّاب …. ذلك القُماش الذي اعتدت رؤيته منذ طفولتي عند جارتنا المرحومة “خديجة بنت الحلفاوي ” الظريفة والذي كان بمثابة جلدها الثاني، ذلك القماش أو هو الأصل أصلي لجسدها …. يا لذاكرتي القُماشية الثرثارة.

كانت الرّقيقة من بين حشود الملتمسين بضاعة تلك النصبة المنصوبة بعناية، وكان هو من بين المأخوذين المعجبين بتلك ” النصبة ” وربما بصاحبتها أكثر من بضاعتها . التبضّع مناسبة أخرى لأشياء أخرى… في الحقيقة كان إعجابه كما إعجاب الكثير من الخلق والخلائق بتلك السلعة المتواضعة مبالغ فيه وما كان له أن ينْشدّ لتلك ” النصبة ” التي هي للنّصابة بالذات لولا كلمات تلك البنت البائعة التي عرفت كيف تصنع منها فاكهة عاطفية طُعما لكل مارّ. “التجارة شطارة ” تقول الحكمة القديمة وتلك البنت كأنما هي فعلا من سلالة ” الشطار والعيّارين “. أوقعت من أوقعت… من الخلق والخلائق المحتشدة وهو قدْ وقعَ مع من وقعوا وأنا الشاهدة على وقْعَته وذهولي… لدرجة أنه ذهَل عن نفسه وترك وراءه تلك الرقيقة واقفة متفرّجة في زحمة الأقدار السوقية، داهشة مدهوشة من المشهد السيركوي ومن أفاعيل تلك الأفعى ذات الشعر المتشرد والنظرات المسلحة بالتمارض الأنثوي الذي لا يخطئ ضحيته. هي تلك الأفاكة السوقية قد أخذت كلّ اهتمامه جاهلا أن لا شيء وراءها إلا التّهلكة.

تبيّن لاحقا أن استعراضها لم يكن سوى اِستعراض بائس مثير للشفقة مثلها مثل تلك الفاكهة المعروضة قريبا من ” نصبتها ” تحت أشعّة الشّمس على منصّة إلى يسارها سرعان ما تعفّنت كما تتعفّن بعض القلوب من حرقة الانتظار.

سأختصر وأتجاوز كل المراحل بما احتوته من تعارف ومجاملة وإعجاب وتقمّص واِختفاء ورغبة. سأكفّ عن كل ذلك وأعتني بالكلام على ما يعنيني الآن.

استدرجته المتشردة، جميلة الأسواق إلى وجْرها الذي تسميه بيتها بحكمة أنثى الذئاب بكرم مفرط الرهافة كما تفعل دائما مع غيره. سرعان ما استجاب لها وهي المجيبة دائما لولائم سواه . للسوق فوائد أخرى غير التبضّع واقتناء الحاجات والأشياء… إذ يحدث أن يكون حلبة للشهوات الطائشة… أحبّ البضاعة واشتهى صاحبة البضاعة والشّهوة كما يقال مطيّة المحرومين… بهدوء انساب إلى بركتها التي تغرق كل من يقترب منها… غرق هو، غرق كما غرق الأوّلون.

بعينين يقظتين دخل متسلّلا بصمت، فتعرّق هواء الغرفة وأخذت جدرانها المرقّشة هي الأخرى تتعرّق… تفحصته باِبتسامة مضيئة دون أن تدري الخطوة التالية التي ستصدر منه . عيناها ناعستان نديّتان، شعرها يتطوّح مخمورا على كتفيها تنهدل منه خصلة طويلة ملولبة على وجهها، مرتدية قميص نوم حريري شفّاف بلون شعرها، أسود كليالي غربته التي تأكل عقله المرهق.

لم يتحدثا كثيرا . داعبت وجهه وانحازت لذقنه الذي حلّقه من أجلها قبل ساعة من موعد لقائهما في هذه السفرة ذات المراحل المتتالية والمختلفة . تهجّت أصابعها الحافية من الخواتم عنقه وراحت تفتح أختامه، تفكّ أزرار قميصه القطني الأزرق، زرقة دلافين. هي من قررّت أن تتولى القيادة على طريقتها في لقاء هذه الليلة، فمن خلال تردّده عليها تعلّمت كيفيّة إرضائه بسلعها… أقصد تفاصيل ما لديها. كانت حركاتها حركة الراسخات في الشيء، أخذت حبّة عنب . اعتصرتها بشبق في فمها، سالت قطرات من عصارتها على فتحة صدرها الذي أخذ ينزّ حبيبات عرق. أخذت حبّة ثانية ودعكتها بشفته بينما هي تجلس منفرجة على ساقيه على كرسيّ صلب تفترش ذاكرة خشبه اللّحظات.

صار وجهه على صدرها العابق برائحة وطعم العنب، انحنت عليه وأحاطته بليل شعرها العطِر الممزوج بنداوة خفيفة يدفعه بلا مقاومة إلى مداعبته واستنشاقه، مستنشقا منه الذكريات.

لاطفته بالفم مقدّمة إليه بلسانها حبّة العنب التي قضمتها بعد دعكها على شفاهه، تلقّى هو بقيّة الحبّة وقد اجتاحته قشعريرة المفاجأة .لم يتلق الحميمية منذ زمن… لحست ذقنه، أمسكت رأسه بكلتا يديها، غمرته قبلات على الخدين، على الشفاه، على العنق متلاعبة وضاحكة.

كثرة تغنّج ذلك الجسد جرّده من أيّ مقاومة. وهل كان يريد المقاومة…؟ طوّق خصرها، وبيدين متلهفتين نزع عنها قميصها كاشفا عن تلك التي تتفتت على عظام جسده وتسلّم دون مقاومة أمام عضلاته الصلبة المتمرّسة في الحرمان… أغمض عينيه يقبّل شفتيها المكتنزتين الرّطبة بقوّة متذوّقا شذى العنب، بينما هو يجوب بيديه الخشنة نعومة البشرة، غاص فيها مستسلما لإغرائها ولفتنة الشعور أنه محمي في حمى حماها.

سقط القناع ونهضت الذاكرة العاطفية المذعورة من غفوتها .

خلال دقائق قليلة انفجر بهيستيريا وصرخة إحباط ولم يعد يدري ما يفعل عندما لاح أمامه الطيف… ذلك الطيف… وهو يدفع الباب، يدخل الحكاية، وأخذ يطوف به بعيدا عن منصات الأسواق، طيف حبيبته التي عرفها أوّل مرّة ولم يجمعهما القدر إلاّ بالزوال، بقي رحيلها نبعا يسقيه حلوا ومرّا والمرّ في الحياة ينتصر على الحلو دائما وأحيانا … صورتها باتت ظله… بل هي أصله… وقلب رحى وجوده ومداره.

قصّة حب بطلها قتيل كتلك الأساطير العبقة بالياسمين، لوحة أكبر من أن يحتويها أي إطار، تفاصيلها التي أثّث بها زمنه، حتى تلك التي بحجم قشّة، في كل الأوقات يستحضرها كأنها وقائع حيّة ضمن يومياته.

ذكراها لم تتحرّك… كانت هنا وفجأة لا يسمع إلاّ أصداءها… ذكرى لا ترحم مزاجه القلق، بقيت تحتلّ ركنا أساسيّا بين جدران أيامه تتعبه دون شفقة.

ذكرى كانت فيها الأمطار الموسمية العنوان، كانا يمشيان على الشاطئ الذي يكاد يكون مهجورا والمدّ يداعب أقدامهما، كلما ترك خلفهما أثرا، مسح المدّ ما خلفاه وكأنه يقول لا أريد لأحد اِقتفاء أثركما … كان الجو حارّا، ومن شدة الحرّ أمطرت، رفعا وجهيهما إلى السّماء، غنّيا، كانت ترقص كطفلة قدّمت لها أروع هديّة … ضحكا، تمدّدا تعبا مبلّلين، امتلأ صدر كل واحد منهما بنسمات البحر… البحر ينظر إليهما في دهشة والقمر يتطلّع إليهما بنهم غريب ويقول إنّه أنار لهما الشاطئ.. خصال شعرها الذّهبي تعانق وجهها الطفولي.

كانت تقول: لقد انفرط عقد اللؤلؤ العائد للنجوم… وأخذ يتكاثف فيها…

عيناها زرقاوان سماويّتان غارقتان في البياض، هادئتان تلمعان بخجل كبير، شفتاها قرمزيّتان تبرقان… كانت لأوّل مرّة تكتشف جسدها، جسدها الذي يحفّه النور، يستقرّ فيه الدفء.

دنت من شفتيه، عسّلت فمه بقبلة، ليعيشا فصلا جديدا خالٍ من كل الفصول، فصل لا يتهرأ ولا يرقد في لحظة هاربة، في لقاء مسروق حدّدت مصير سنين عمره… تركا كل الكلام… غدا الصمت كلّ الكلام تتخلّله آهات تتسلّق الآفاق بتكاسل… لم يعِ من ينعش الآخر ومن يسعف بالآخر هو أم هي وهما على بساط يحملهما إلى عالم جديد.

داعب شعرها المبلّل، رحلت فيها روحه… وانسابت معه رُوحها هناك مع أغنية غناها لها في مَقام الغَمْغَمةِ … أغنية حبّه الأبدي.

كالرياح الموسمية، على نحو عبوس تقلبت الظروف. اقتربت النهاية بسرعة. رحلت من دون مقدمة ضرورية للغياب. هكذا، كما الأشياء التي تظهر وتختفي… إنه نظام الأشياء. خطاهما على الرّمل لعقتها الأمواج، وكل شيء صار يساوي لا شيء.

رحيلها علقة حزن سقطت في قلبه منذ يومها، ظلّت شجرة العليق السوداء الصّغيرة في قلبه تمدّ عروقها وأغصانها تكبر في صميمه، ظل يخفيها ويخنقها وهو ينتقل من تجربة إلى أخرى، يتعثر، يتخبط ويتيه عن الطريق… بعدها لم يعد يجد شيئا ذا أهمية أكثر من أن يقلّب في كل مرّة بقلب متوقّد ذكرياته الغابرة التي طبعت في ذهنه آثارا لا تمحى والزمن لم يستطع أن يحرمه منها.

ذلك الحب جعله يجول طويلا يبحث عنه وعلى غير هدى في أجساد الأخريات.

ذلك الحب أحاله ظلاّ… غصنا دقيقا يابسا.

ذلك الحب ردّه خاليا لا يعرف إلا الليل والظّلام.

ذلك الحب حوّله حينا إلى شهوة هائجة وحينا إلى ملح وزبد.

ذلك الحب المفجوع جعله يعيش متنكّرا في ألف قناع وقناع حتى أصبح لا يعرف ذاته.

ذلك الحب بقي وشما ورَشْما ووَسْما ورَسْمًا في القلب لا ينسى.

هو لم يربح ليلتها مع متشرّدة السّوق الجميلة شيئا غير مرارة الذكرى… وهي خسرت من ظنته زبونا جديدا.

عن waha alfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

احتواء…/ بقلم: نرجس عمران

احتواء…/ بقلم: نرجس عمران ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ احتويني …كما يفعل الصدر بنسمة العطر .. ...

(نمش على مائي الثجاج) ديوان شعري جديد للشاعر والإعلامي مصطفى غلمان

(نمش على مائي الثجاج) ديوان شعري جديد للشاعر والإعلامي مصطفى غلمان خاص/مراكش ...

قراءة في ديوان “للعشق أحلام مجنحة”للشاعر نصر محمد/ بقلم: إبراهيم اليوسف

قراءة في المجموعة الشعرية // للعشق أحلام مجنحة // للشاعر نصر محمد ...

أنا لاجئة…/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

أنا لاجئة… بقلم: عصمت شاهين دوسكي ــــــــــــــــــــــ يا سيدي .. أنا لاجئة ...

أجنحة العشيرة أسرع خطوط للطيران في عالم التميُّز/ بقلم: د. نضير الخزرجي

أجنحة العشيرة أسرع خطوط للطيران في عالم التميُّز د. نضير الخزرجي ــــــــــــــــــ ...

“فرحٌ قُدَّ من حزنٍ/ بقلم: سكينة الرفوع

“فرحٌ قُدَّ من حزنٍ/ بقلم: سكينة الرفوع ـــــــــــــــــــــــــــ هناكَ في الجهةِ المقابلةِ ...

جمالك ساحر/ بقلم: هدى الجاسم

جمالك ساحر/ بقلم: هدى الجاسم ــــــــــــــــــــــــــــــــ جمالُكَ ساحرٌ ولكَ انجذابي وحبّي واشتياقي ...

سنواتُ السبعينات الحُلوة المُرّة..والذكرى 21 لرحيلِ الشاعر عبد الوهاب البياتي/ بقلم: فاضل البياتي

سنواتُ السبعينات الحُلوة المُرّة والذكرى 21 لرحيلِ الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي ...