الرئيسية / مقالات / فيروس كورونا والمساواة بين الجنسين/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

فيروس كورونا والمساواة بين الجنسين/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

فيروس كورونا والمساواة بين الجنسين

بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

………….

لقد طرح وباء كورونا العديد من المسائل ووضعها على بساط البحث رغم تجاهل الكثيرين لما يجري واعتبار الوباء مرحلة عابرة وستنقضي كأي أزمة عالمية أو محلية تعاني منها المجتمعات البشرية  ومن بين المسائل الحساسة التي وضعها فيروس كورونا ” المساوة بين الجنسين ” وكأنه يريد أن يذكر البشر بالفروقات الجندرية التي مازالت تجري في الكون رغم ما تدعيه الحضارات من تقدم معرفي مذهل .

حقائق فرضها كورونا:

لقد فرض انتشار الوباء مقاربة الحقائق التالية ومن الضروري عدم تجاهلها ومقاربتها مقاربة عقلانية :

  • تشكل النساء حوالي 70 % من الجسم الطبي والخدمات الصحية والاجتماعية على الكوكب.
  • تزداد قضايا العنف الجسدي والجنسي التي يمارسها الرجال ضد المرأة خلال الأزمات .
  • تحصل المرأة عالميا على/ 79/ سنت من كل /1/ دولار يكسبه الرجل ولنفس العمل.

 

وقد أحضرت أزمة فيروس كورونا للواجهة قضايا منزلية كان المجتمع يتستر عليها بطريقة أو بأخرى ناحية التعامل الاجتماعي والأخلاقي والمالي والجنسي وكشفت نقاط ضعف كثيرة في المنزل والخدمة الاجتماعية والرعاية والعمل تعاني منها المرأة بصمت دون أن يضيء عليها أحد.

 

وقد أظهرت أزمة فيروس كورونا  أن المرأة ، بغض النظر عن المكان الذي ينظر إليه المرء ، تتحمل معظم المسؤولية عن تماسك المجتمعات سواء في المنزل أو المدرسة أو الرعاية الصحية أو دور رعاية المسنين وفي الكثير من المجتمعات تؤدي المرأة مهام كثيرة من دون مقابل مادي أو تحفيز معنوي بل وصل التدني في الأعراف والقوانين إلى دفع أجور أقل للمرأة عند القيام بنفس الأعمال التي يقوم بها الرجل وتدفع له أجور عالية.

 

لقد ألقت أزمة فيروس كورونا بظلالها على الكثير من المسائل العالقة والتي يتم تجاهلها عمدا وقصدا حيث ظهرت الاختلافات القائمة على نوع الجنس بحدة في الكثير من الأماكن والمجتمعات . يجب أن تدرك الأطر القانونية والمنظمات متعددة الأطراف والمؤسسات المالية الدولية هذه الاختلافات وعليها أن تدرك أن المرأة تلعب دورا حاسما في حل الأزمات الطارئة والمستدامة وتحديدا أزمة فيروس كورونا وأن إجراءات معالجة الوباء وتداعياته الاقتصادية يجب أن تتضمن منظورا يراعي الفروق بين الجنسين .

 

لقد ساهمت أزمة فيروس كورونا في وضع المرأة والرجل وجها لوجه ساعات طويلة في البيت وأظهرت سلبيات كل منهما للعلن بسبب التوقف عن العمل وظهر جليا للعلن حجم الاختلاف بين الزوج وزوجته ومقدار التباين في التفكير والادارة والخدمات التي يقدمها كل منهما في البيت . لقد وضعت الأزمة الزوج أمام استحقاق المساهمة في الخدمات والأعمال المنزلية ومشاركة الزوجة في الجلي والطبخ والتنظيف والاصلاحات المختلفة وقد أوجدت الاحصائيات العالمية أن معظم الزجال يتذمرون من تنفيذ الأعمال التي تقوم بها زوجاتهم وهذا أمر له دلالاته النفسية والجنسية .

 

 هناك ثلاثة مجالات تتعرض فيها النساء والفتيات بشكل خاص للمخاطر وهن بحاجة إلى حماية أقوى واكثر تماسكا في الأزمة الحالية لكورونا التي تواجهها البشرية جمعاء وهي :

 

  • لقد أظهرت أزمة فيروس كورونا للعلن أن العنف المنزلي والجنسي والجندري يزداد خلال الأزمات والكوارث وقد حدث ذلك خلال وباء ايبولا عام 2014-2016 ووباء زيكا عامي 2015-2016 ويبدو أن الأمر يتكرر حاليا خلال وباء كورونا. وقد ظهر جليا أن المرأة في ظروف الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل لفترات طويلة تتعرض مع أطفالها للتعنيف الذكوري الذي يضطر للبقاء في البيت .

 

تزداد الحاجة يوما بعد يوم إلى دعم النساء والأطفال لحين انتهاء الأزمة وعلينا أن نضمن تقديم المساعدة النفسية للمرأة والطفل بما ينسجم والحالة الطارئة والمستجدة لفيروس كورونا . يجب على الحكومات والمجتمع المدني توفير المزيد من الموارد للمرأة وأطفالها مثل الإسكان في حالات الطوارئ  والمساعدة عبر الهاتف والاستفادة من تقنيات الانترنت والهواتف الذكية بما يساعدها على الصمود والتكيف مع الوضع الطارئ .

 

  • لقد ثبت بالدليل القاطع أن غالبية المتواجدين على الخطوط الأمامية لمحاربة الوباء هم من النساء خاصة وأن المرأة تشكل حوالي /70 %/ من موظفي الخدمات الصحية والطبية والاجتماعية على مستوى العالم . نحن بحاجة ماسة لتمكين هؤلاء النسوة  بدءً من توفير الموارد والدعم المادي والنفسي الذي يمكنهن من تحمل المسؤولية الأساسية في العمل المنزلي. ويمكن أن يشمل ذلك راعية أفراد الأسرة المصابين  منعا لتعرض هؤلاء النسوة للخطر. واللافت أيضا أن النساء يمثلن غالبية السكان الأكبر سنا في العالم لاسيما أولئك الذين تزيد أعمارهن عن /80/عاما وبالتالي ستكون هذه الشريحة من الفئة المحتمل اصابتها بالفيروس وهن بسبب جنسهن أقل من الرجال في الحصول على الخدمات الصحية بسبب المشكلة الجندرية . الأسوأ من ذلك أن العديد من البلدان قللت الانفاق في اوبئة سابقة على الخدمات الصحية المتعلقة بصحة المرأة والإنجاب والصحة الجنسية بما في ذلك رعاية ما قبل الأمومة والولادة كما قللت الدعم المقدم لوسائل منع الحمل والاجهاض الآمن بمجرد التوجه نحو تخصيص الموارد لمواجهة الأزمة . يجب اتخاذ الاجراءات الضرورية لمنع المساس بأي خدمات تمس حياة المرأة وصحتها مهما كانت الظروف والاجراءات لأن إهمال حياة المرأة والفتيات جزء من أي أزمة مستجدة .

يظهر الشكل التالي نصيب المرأة من العمل في القطاع الصحي والخدمات الاجتماعية والطبية والتمريض بمختلف أنواعها

اللون الأسود: المرأة العاملة في التمريض والأعمال المنزلية

اللون الأحمر: المرأة العاملة في الصيدلة .

اللون الأزرق: المرأة العاملة في طب الأسنان.

اللون البرتقالي: المرأة العاملة في الحقل الطبي كطبيبة .

  • يجب الاعتراف بأن النساء ضعيفات من الناحية الاقتصادية على المستوى العالمي لأن الموارد المالية التي تأتي المرأة أضعف من الموارد المالية التي تأتي الرجل ومكانتها في سوق العمل أقل أمانا. فكيف يكون الأمر في حال حدث الركود الاقتصادي وليس لها من معين في الأزمة المستجدة .

 

وإذا نظرنا بعين ناقدة إلى الاختلافات الجنسية والجندرية بين الرجل والمرأة في الكثير من المجتمعات  ، نلاحظ أنه من الأهمية بمكان أن نتخذ في تدابير الأزمة الاقتصادية الناشئة عن فيروس كورونا  الوضع الفريد للمرأة كأم وصديقة وأخت وزوجة وحبيبة وخاصة في المناطق التي تعاني من نزاعات مسلحة كالشرق الأوسط وأسيا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا حتى لا تتعرض النساء والفتيات  لخطر الاستبعاد في عمليات صنع القرار وتحويلهن بالتدريج إلى سلع تباع وتشترى .

 

تصادف هذا العام الذكرى 25 لمؤتمر الأمم المتحدة  العالمي الرابع المخصص للعناية بالمرأة ورعايتها وحمايتها من الذكورة السامة والعنف وذئبية الرجل الذي عقد في بكين وأصدر ما يسمى ” اعلان ومنهج عمل بكين” المكرس لتمكين المرأة . إننا ندعو جميع الحكومات والمنظمات المحلية والدولية  إلى تجديد الالتزام بمبدأ أن المرأة لها نفس الحق في المشاركة في صنع القرار تماما مثل الرجل ويجب أن تؤخذ وجهات نظرهن بالاعتبار في المناقشات .

 

يجب أن يقوم صانعو السياسات العامة على جميع المستويات إلى الاستماع إلى المرأة عند صياغة ووضع خطة الاستجابة الطارئة لأزمة كورونا المستجد . يجب البحث عن السؤال الدائم المستعصي الذي يقول : هل تتأثر المرأة والرجل بشكل مختلف عن بعضهما بأزمة كورونا؟ وإذا كان الأمر كذلك كيف يمكن الوصل إلى حلول أكثر إنصافا وعدالة ؟

 

يجب أن نضمن أن الفتيات يحظين تماما مثل الفتيان بنفس الاهتمام وبنفس التعليم والمسؤولية عند رعاية الأبوين والأشقاء لهما. وعلينا أن نلقي نظرة فاحصة على الدروس التي نتعلمها من أزمة فيروس كورونا كوفيد -19 المستجد وأن ندرس كيف نقدر مساهمة المرأة في الرعاية الصحية  والخدمات الاجتماعية والاقتصادية . كيف يمكننا ضمان عدم استبعاد المرأة من العملية السياسية اليوم ومستقبلا ؟

 

اليوم تواجه جميع بلدان العالم الأزمة الحالية ، والمؤكد أنه لا يمكنها منفردة أن تتغلب على الفيروس . لا بد من التعاون الدولي لتجاوز الأزمة وأن نتقاسم جميعا الآلام والمسؤولية المشتركة عبر التضامن والشراكة وتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين وقد تكون أزمة فيروس كورونا كوفيد -19 المستجد مناسبة للارتقاء بالقيم وليس الانحدار بها .

 

عن waha alfikir

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلواد حكايات الأجداد وعشق الجدات/ الحلقة 4/ بقلم وعدسة: زياد جيوسي

سلواد حكايات الأجداد وعشق الجدات بقلم وعدسة: زياد جيوسي “الحلقة الرابعة” ـــــــــــــــــــــ ...

ابتسامَتُكَ طِبّ آخَر / بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

ابتسامَتُكَ طِبّ آخَر / بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ………………………..   سُدُمُ ...

أُمة بلا أُمة/ بقلم: عصمت شاهين دوسكي

أُمة بلا أُمة بقلم: عصمت شاهين دوسكي ــــــــــــــــــــ أُمة بلا أُمة أمة ...

صدور كتاب “أيديولوجيا الإبادة العرقية في الشرق الأوسط” لـ دلشاد مراد

صدور كتاب “أيديولوجيا الإبادة العرقية في الشرق الأوسط” لـ دلشاد مراد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...

الأنثى وطن…/ بقلم: رحمة بلال

  الأنثى وطن…/ بقلم: رحمة بلال ــــــــــــــــــــــــ فلا تعاملها كيوم يعيش ويوم ...

الغياب…/ بقلم: إخلاص فرنسيس

الغياب…/ بقلم: إخلاص فرنسيس ــــــــــــــــــــــ طالَ الغيابُ اخترتُ وانتهى مسكونةٌ بالخوفِ هو ...

تجليات عصامية بين الفكر والواقع/ بقلم: أنيس ميرو

تجليات عصامية بين الفكر والواقع * ما سبب هجرة الأدباء والمفكرين والعلماء ...

تغريد الطبيعة/ بقلم: إيناس ثابت

تغريد الطبيعة بقلم: إيناس ثابت – اليمن ــــــــــــــــ الترنيمة الأولى غنِّ.. أحبّكَ ...