الرئيسية / مقالات / في ضيافة النحويين/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

في ضيافة النحويين/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

في ضيافة النحويين

بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

ــــــــــــــــــــ

 

أشهر النحويين على مر التاريخ :
ابن خروف والحرالي وابن منظور وابن مالك والخليل بن أحمد وسيبويه والفيروز آبادي وابن سيده وابن فارس وأبو إسحاق الزجاج و الجوهري وأبو علي الفارسي وابن جني والمبرد وغيرهم الكثير .

افضل نوادر النحويين :

-1 حد لأبي علقمة النحوي علة، فدخل عليه أعين الطبيب يعوده. فقال: ما تجد؟ قال: أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسئت طسأة، فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأية العنق، فما زال يزيد وينمى حتى خالط الخلب والشراسف، فما ترى؟  قال: خذ خربقاً وسلفقاً وشبرقاً فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه.

فقال: ما تقول؟ فقال: وصفت لي من الداء ما لا أعرف، فوصفت لك من الدواء ما لا تعرف. قال: ويحك فما أفهمتني. قال: لعن الله اقلنا إفهاماً لصاحبه.

-2 قال الجاحظ للأخفش: مالك تكتب الكتاب فتبدؤه عذبا سائغا ، ثم تجعله صعباً غامضاً ثم تعود به كما بدأت؟ فقال الأخفش: ذلك لأن الناس إن فهموا الواضح فسرَّهُم .. أتوني ففسرت لهم الغامض فأخذت منهم..

-3 قال رجل اسمه عمر لعلي بن سليمان الأخفش: علمني مسألةً من النحو؟ قال: تعلم أن اسمك لا ينصرف. فأتاه يوماً وهو على شغل. فقال: من بالباب. قال: عمر. قال: عمر اليوم ينصرف. قال: أوليس قد زعمت أنه لا ينصرف. قال: ذاك إذا كان معرفة وهو الآن نكرة!

-4 قال أبو العبر: قال لي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: الظبي معرفة أو نكرة؟ فقلت: إن كان مشوياً على المائدة فمعرفة، وإن كان في الصحراء فهو نكرة. فقال: ما في الدنيا أعرف منك بالنحو.

-5 كان لبعضهم ولد نحوي يتقعر في كلامه فاعتل أبوه علة شديدة أشرف منها على الموت فاجتمع عليه أولاده وقالوا له ندعو لك فلانا أخانا قال لا إن جاءني قتلني فقالوا نحن نوصيه أن لا يتكلم فدعوه فلما دخل عليه قال له يا أبت قل لا إله إلا الله تدخل بها الجنة وتفوز من النار يا أبت والله ما أشغلني عنك إلا فلان فإنه دعاني بالأمس فأهرس وأعدس واستبذج وسكبج وطهبج وأفرج ودجج وأبصل وأمضر ولوزج وافلوزج فصاح أبوه غمضوني ،الى ان اتى ملك الموت إلى قبض روحي .

-6 قال رجل نحوي لابنه: اذا أردت أن تتكلم بشيء فاعرضه على عقلك و فكر فيه بجهدك حتى تقومه، ثم أخرج الكلمة مقومة. فبينما هما جالسان في الشتاء و النار مشتعلة وقعت شرارة في جبته وهو غافل عنها والابن يراه، فسكت ساعة يفكر ثم قال: يا أبت أريد أن أقول لك شيئا، أفتأذن لي فيه؟ قال أبوه: إن حقا فتكلم. قال: أراه حقا. فقال: قل، قال: إني أرى شيئا أحمر على جبتك قال: ما هو؟ قال: شرارة وقعت على جبتك، فنظر أبوه إلى جبته وقد احترق منها جزء كبير فقال للابن: لماذا لم تعلمني به سريعا؟ قال: فكرت فيه كما أمرتني، ثم قومت الكلام وتكلمت به، فنهره وقال له: لا تتكلم بالنحو ابدا.

-7 دخل أحد النحويين السوق ليشتري حمارا فقال للبائع: أريد حمارا لا بالصغير المحتقر و لا بالكبير المشتهر، إن أقللت علفه صبر وإن أكثرت علفه شكر، لا يدخل تحت البواري ولا يزاحم بين السواري، إذا خلا في الطريق تدفق وإذا أكثر الزحام ترفق. فقال له البائع بعد أن نظر إليه ساعة: دعني إذا مسخ الله القاضي حمارا بعته لك.

 

إياك والأسد

قال ابن الحاجب: كان أصل إيَّاك والأسدَ: اتَّقِكَ، ولَمَّا كانوا لا يجمعون بين ضميرَي الفاعل والمفعول لواحد إذا اتصلا، جاؤوا بالنفس مضافًا إلى الكاف، فقالوا: اتقِ نفسَك، ثم حذفوا الفعل لكثرة الاستعمال، ثم حذفوا النفس لعدم الاحتياج إليه، ولم يجزْ أن يكون الكاف متصلًا؛ لأن عامله مقدَّر.

 

  • وقال الصبان: الأصل: احذَرْ تلاقي نفسك والأسد، ويجري بعد ذلك عملية الحذف والنيابة… ثم يقول: فإن قلتَ: المعطوف في حكم المعطوف عليه، وإياك محذَّر، والأسد محذَّر منه، وهما متخالفان،فكيف جاز العطف؟

فالجواب: أنه لا يجب مشاركة الاسم المعطوف للمعطوف عليه إلا في الجهة التي انتسب بها المعطوف عليه إلى عمله، وهي هنا كونه مفعولًا به؛ إذ المعنى إياك باعد وباعد الأسد، فالمخاطب مبعد؛ لأنه مفعول به، وكذلك الأسد.

 

ونقل الصبان عن الحفيد أنه قال: والحق أن يقال: لا يقتصر على تقدير “باعد”، ولا على تقدير “احذر”، بل الواجب تقدير ما يؤدِّي الغرض؛ إذ المقدَّر ليس أمرًا متعبدًا به لا يعدل عنه.

ويقول الرضي: هو بتقدير: (إياك باعد أو نحِّ)، وهو أولى من تطويل مستغنى عنه؛ لأن العقد أن يفرغ المتكلم سريعًا من لفظ التحذير؛ حتى يأخذ المخاطَب حذرَه.

 

ملاحظة:

إن هذه العلة التي يقول بها الرضيُّ تُقبل منه إذا كان المتكلم ينطق بتقديرات النَّحْويين المختلفة، ولكن نحن معنا أسلوب نتفق في النطق به جميعًا.

وأما التعليلات والتوجيهات، فهذه أشياء أخرى بعيدة عما نطقت به العرب.

في التحذير بإياك يُقدِّر العامل فيما إذا كان في الأسلوب عطف: احذر تلاقي نفسك، والظن في غير ذلك يقدر احذِّر؛ المصباح ص .310

(… والاسم: همزته وصل، وأصله سمو؛ مثل حمل أو فعل، وهو من السمو، وهو العلو، والدليل عليه أنه يردُّ إلى أصله في التصغير وجمع التكسير، فيقال: سُمي وأسماء، وعلى هذا فالناقص منه اللام ووزنه افع، والهمزة عِوَض عنها، وهو القياس أيضًا؛ لأنهم لو عوَّضوا موضع المحذوف لكان المحذوف أولى بالإثبات…؛ الجامع الصغير بشرح السراج المنير، ص 390.

من براعة النحويين (قصص)

 

القصة الأولى:

حُكي عن الفراء النحوي؛ أنه قال: “من برع في علم واحد سهل عليه كل علم”، فقال له محمد بن الحسن القاضي – وكان حاضرًا في مجلسه ذلك، وكان ابن خالة الفراء -: فأنت قد برعت في عِلمك، فخذ مسألةً أسألك عنها من غير علمك: ما تقول فيمن سها في صلاته, ثم سجد لسهوِه فسَها في سجوده أيضًا؟

قال الفراء: لا شيء عليه.

قال: وكيف؟

قال: لأن التصغير عندنا – أي: النحاة – لا يُصغَّر؛ فكذلك السهو في سجود السهو لا يُسجَد له؛ لأنه بمنزلة تصغير التصغير؛ فالسجود للسهو هو جبر للصلاة، والجبر لا يُجبَر، كما أن التصغير لا يُصغَّر

فقال القاضي: ما حسبت أن النساء يلدْن مثلك.[1]

 

ونظم هذا بعضهم:[2] فقال

ومنه بالأخذ بأصْل علم 

في غيرِه توصُّلاً للحكم 

من غير أن يَجتمِعا في أصل 

ولا يمتَّ بمؤاتٍ عقلي 

وإن من مستطرَف الأنباء 

في ذاك ما يُروى عن الفراء 

كان يقول: إن كل من برع 

في علمه في غيرِه به انتفَع 

قيل: فقد أحكمت علم النحوِ 

فما ترى فيمَن سها في السهوِ 

قال: أرى ذاك له يُغتفَرُ 

فإن ذا التصغيرَ لا يُصغَّرُ 

 

القصة الثانية:

رُوي أن أبا يوسف – صاحب أبي حنيفة – دخل على الرشيد، والكسائي يُداعبه ويمازحه؛ فقال له – أي: للرشيد – أبو يوسف: هذا الكوفي – يعني: الكسائي – قد استفرغك وغلب عليك.

 

فقال: يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء يَشتمِل عليها قلبي

فأقبل الكسائي على أبي يوسف، فقال: يا أبا يوسف، هل لك في مسألة؟

فقال: نحوٌ أم فقه؟

قال: بل فقه

فضحك الرشيد حتى فحص برجله[3]، ثم قال: تُلقي على أبي يوسف فقهًا؟!

قال أبو يوسف: نعم

قال الكسائي: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لامرأته: “أنت طالق أَنْ دخلت الدار”، وفتح أن؟

قال أبو يوسف: إذا دخلَت طُلِّقت

قال الكسائي: أخطأت يا أبا يوسف

فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟

قال الكسائي: إذا قال “أن” فقد وجب الفعل ووقَع الطلاق، وإن قال: “إن” فلم يَجِب ولم يقع الطلاق[4]

قال: فكان أبو يوسف بعدها، لا يدع أن يأتي الكسائي[5]

 

وإليها أشار الناظم بقوله[6]

ومثل هذا ما حكَوا في المعنى 

في (إنَّ هذانِ) عن ابن البنا 

وما كهاتين على السواء 

ما لأبي يوسف والكسائي 

في: إن دخلتِ الدار فهْو يَرجِعُ 

لأصل نحو حكمُه متَّبع 

 

القصة الثالثة:

سُئل أبو العباس ابن البناء، فقيل له: لِمَ لم تعمل إن في ﴿ هَذَانِ ﴾ من قوله تعالى: ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ.  الآية) [طه: 63]؟

 

فقال في الجواب: لمَّا لم يؤثِّر القول في المقول، لم يؤثر العامل في المعمول

فقال السائل: يا سيدي، وما وجه الارتباط بين عمل “إن” وقول الكفار في النبيين؟

فقال له المجيب: يا هذا، إنما جئتك بنوَّارة يحسن رونقها، فأنت تريد أن تحكَّها بين يديك، ثم تطلب منها ذلك الرونق! أو كلامًا هذا معناه.[7]

 

القصة الرابعة:

قال الأصمعي للكسائي وهما عند الرشيد: ما معنى قول الراعي؟

قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرِمًا 

ودَعا فلم أرَ مِثلَه مَخذولا 

 

قال الكسائي: كان مُحرِمًا بالحج، قال الأصمعيُّ فقوله

قتلوا كسرى بليلٍ مُحرمًا 

فتولى لم يُمتَّع بكفن 

 

هل كان محرمًا بالحج؟!

فقال هارون للكسائي: يا علي إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي

 

وقوله: “محرمًا” أي: كان في حرمة الإسلام

قال: محمد بن سويد، قال: ابن السكيت، قال الأصمعي: ومِن ثم قيل: مسلم مُحرمٌ، أي: لم يحل من نفسه شيئًا يوجب القتل، وقوله: محرمًا في كسرى، يعني: حُرمة العهد الذي كان له في أعناق أصحابه.[8]

القصة الخامسة:

يروى أنَّ الكسائي وأبا يوسف اجتمَعا لدى الرشيد، فأراد الكسائي أنْ يُبيِّن لأبي يوسف أهمية النحو وفضله، فقال له: ما تقول في رجل قال لرجل: أنا قاتلُ غلامِك؟ وقال الآخر: أنا قاتلٌ غلامَك، أيُّهما كنت تأخذُه؟

 

قال أبو يوسف: آخذُهما جميعًا، قال الرشيد – وكان له بصر بالعربية -: أخطأتَ، فاستحيا أبو يوسف.

 

قال: الذي يؤخذ بقتلِ الغلام هو الذي قال: أنا قاتِلُ غلامِك، بالإضافة لأنَّه فعلٌ ماضٍ، أمَّا الذي قال: أنا قاتلٌ غلامَك، فلا يؤخذ به؛ لأنَّه مستقبل ولم يكن بعد، كما قال جلَّ شأنه: ﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. ﴾ [مريم: 23، 24] [9]

 

[1] المحاورة بين الفراء ومحمد بن الحسن موجودة في تاريخ بغداد (14 / 151 – 152)، لكن رواها قبل ذلك (14 / 151) على أن بشرًا المريسي هو الذي سأل الفراء، وذكرها كذلك ابن خلكان في وفيات الأعيان (6 / 179)، وكان ذكرها قبل ذلك (3 / 296) في ترجمة الكسائي أنها جرت بينه وبين محمد بن الحسن، ثم قال: “هكذا وجدت هذه الحكاية في عدة مواضع، وذكر الخطيب في “تاريخ بغداد” أن هذه القضية جرت بين محمد بن الحسن المذكور والفراء”، وذكرها الصفدي في الوافي بالوفيات (6 / 382) في ترجمة الكسائي، وانظر: الموافقات (1 / 84) للشاطبي.

[2] نظم “نَيل المنى من الموافقات”؛ لابن عاصم الغرناطي الأندلسي ت829هـ

[3] يقال: فحص برجله وقحص؛ إذا ركض أو ضرب الأرض برجله؛ انظر: لسان العرب (7 / 17) وغيره

[4] السر في هذا أن “إن” بالكسرة شرطية؛ فيصير الطلاق معلقًا، وبالفتح مصدرية؛ فيصير مدخولها علَّة لوقوع الطلاق..

[5] قال محقق الموافقات: الصواب في المسألة: التفريق بين العارف بالعربية والجاهل بها، فيقع للعارف بالعربية، إن قال: “أن” بخلاف قوله: “إن”، وإن كان جاهلاً لم يقع شيء، أفاده الإسنوي في الكوكب الدري (ص: 471)، والقصة التي ساقها المصنف ذكرها ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة الكسائي (13 / 175 – 176) عن المرزباني أنها مع أبي يوسف، أو محمد بن الحسن على الشك، وطبقات النحويين واللُّغويين: لمحمد بن الحسن الزبيدي، (2 / 127)، وانظر: الموافقات (1 / 84)

[6] نظم “نيل المنى من الموافقات”؛ لابن عاصم الغرناطي الأندلسي ت: 829 هـ

[7] انظر: الموافقات (1 / 85)، والإفادات (ص: 110) للشاطبي

[8] أخبار النحويين (ص: 15)؛ لأبي طاهر المقرئ

.[9]( معجم الأدباء (3 / 177

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/literature_language/0/74055/#ixzz6P3Al7sWJ

 

الطرائف المضحكة (النُكَت) كثيرةٌ وأغلبها يسلّي في فترة سماعها ثم تذهب ليأتي غيرها، وهي أنواع فمنها الراقي المهذّب ومنها دون ذلك، وهناك نوع آخر لا تحبُّ سماعه العامة مع أنّه جميل وله معنى مفيد، وهو ما يُسمّى بالطرائف العلمية التي لها وقعٌ في النفوس لأنّها تفرح القلب وتشحذ الفهم وتزيد في العلم، وأعني بالطرائف هنا القصص الطريفة التي تقع للعلماء.

ولا أعني الغرائب العلمية، وهؤلاء العلماء كانوا يعُرف بعضهم بسرعة البديهة وقوة الجواب المفحم وحسن التصرف، وقد نقل لنا الرواة بعضاً من قصصهم، وأحبّ أن أروي لكم من مُلح اللغويين بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية.

من طرائف أبي علقمة النحوي، وكان لغويا معروفاً بالتقعّر في الحديث واستخدام المفردات الغريبة التي لا يكاد يفهمها أحد، وقد حكى ابن جنّي: أنّ أبا علقمة مرّ يوماً على عبدين حبشي وصقلبي (من صقلية)، فإذا الحبشي قد ضرب بالصقلبي الأرض، فأدخل ركبتيه في بطنه وأصابعه في عينيه وعضّ أذنيه وضربه بعصا فشجّه وأسال دمه، فقال الصقلبي لأبي علقمة:

اشهد لي، فمضوا إلى الأمير، فقال له الأمير، بمَ تشهد؟ فقال أبو علقمة: أصلح الله الأمير، بينا أنا أسير على كودني، إذ مررت بهذين العبدين، فرأيت هذا الأسحم قد مال على هذا الأبقع، فمطأهُ عل فدفدٍ، ثم ضغطه برضفتيه في أحشائه، حتى ظننتُ أنّه تدعّج جوفه، وجعل يلج بشناترهِ في حجمتيه يكاد يفقؤهما، وقبض على صنارتيه بمبرمهِ، وكاد يجذّهما جذّاً، ثم علاه بمنسأةٍ كانت معه فعفجه بها، وهذا أثر الجريال عليه بيّناً.

فقال الأمير: والله ما فهمت ممّا قلت شيئاً، فقال أبو علقمة: قد فهّمناك إن فهمت، وأعلمناك إن علمت، وأدّيت إليك ما علمت، وما أقدر أن أتكلم بالفارسية. فحاول الأمير أن يفهم كلامه حتى ضاق صدره، ثم كشف الأمير رأسه، وقال للصقلبي: شجنى (اضربني) خمساً واعفني من شهادة هذا!

 

ومن قصص أبي علقمة أيضا ما رواه الحموي يقول: دخل أبو علقمة النحوي على “أعين” الطبيب فقال له: أمتع الله بك، إني أكلت من لحوم هذه الجوازل فطسأتُ طسأةً، فأصابني وجعٌ بين الوابلةِ إلى دأية العُنُق فلم يزل ينمي حتى خالط الخلْب وألِمت له الشراسيف فهل عندك دواء؟ فقال “أعين” الطبيب: خذ حرقفاً وسلقفاً وشرقفاً فزهزقه ورقرقه واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك هذا، فقال: أفهمتك كما أفهمتني!

 

وقد أخبرني أحد أساتذتي في اللغة أنّ شيخا للعربية مرِض فعاده أصحابه في بيته فلم يجدوه، وخرجت لهم بنت له صغيرة فسألوها عن والدها فقالت: فاءَ أبي إلى الفيفاء يفيء فيئاً فإذا فاءَ الفيء يفيء أبي، فانصرفوا عنها وهم في عجبٍ من فصاحتها ومن حسن تربية أبيها لها.

 

حدثّني الشيخ حمزة أبو النصر، وهو لغويٌّ أصوليٌّ من مصر الشقيقة وله قصائد مع الراحل المؤرخ حمد بوشهاب: أنّ بعضاً من علماء مصر رحلوا إلى الحجاز وفي طريقهم أرادوا أن يتزوّدوا بالماء فمرّوا بفتاةٍ صغيرةٍ فقالوا لها: أنستطيع أن نملأ قِرَبنا من هذا الماء؟ فقالت: هذا ملحٌ أُجاجٌ والماء عند الباسقات! فقالوا: ما أفصح هذه البنت الصغيرة وعصر الفصاحة قد انتهى منذ زمنٍ بعيد.

 

قلتُ: لو أردنا أن نعيد الفصاحة الأولى لاستطعنا ونجحنا مع توفّر كل هذه الإمكانيات اليوم، ونحتاج فقط أن نستثمر في التعليم والتوعية الصحيحة. وفي ختام المقالة أتمنى منكم أيها الأعزاء أن ترسلوا لي عبر حسابي في تويتر أو تشاركوا هنا مباشرة، وتحاولوا الإجابة عن معنى قول البنت لأصحاب أبيها: “فاءَ أبي إلى الفيفاء يفيء فيئاً فإذا فاءَ الفيء يفيء أبي”.. وللمقالة بقيّة.

……..

قبلَ وقت ، بينما أنا في مكتبي بمقر عملي ، قالتْ لي إحدى الزميلات : “يا نبيلَ ، أعطني التقاريرَ كي أعطيَها للمدير” .

فقلتُ لها : “حاضر ، لكنْ ضُمّي نبيلَ أولاً ، فالمنادى يجبُ ضمُّه هٰهنا” ؛ وقد كانت زميلتي لا علم لها بقواعد النحو والإعرابَ في اللغة العربية ، “لغة ض” ، وكان كلامها منطوق لقيط من عرنسية وفرنبية…

فذهبتْ واشتكتني لمديرِ الإدارة ، الذي لم يكتفِ بتوبيخي بقساوة وبتقديمي للمجلس التأديبي لتهييء الأرضية لطردي ، بل اتصَّلَ بمديرِ المباحثِ الأمنية ، وسلَّمني إليهِ بتهمةِ التحرشِ بإحدى الموظّفات .

أخذتني الشرطةُ ، وبعدَ ألفِ صفعةٍ على وجهي وألفِ لكمةٍ على أنفي ، انتهى دوامُ شرطة الصباح الذينَ كلّما قلتُ لهم : “قصدّتُ أن تَضُمَّ اللام ، لا أنا ، زادوا في قوةِ الصفعة” .

جاء رجال شرطة المساء ، وكانَ في مقدمتهم رجلُ علمٍ مُبحرٌ في كل شيء .

فسألني : “ما تهمتُك يا أيها النبيلُ ، وأشبعَ اللامَ فظهرتْ واواً”.

فقلتُ : “جاءَ الفرج !”

ردَّ سريعاً : “أيُّ فرجٍ ؟ ومكتوبٌ في سجلّكَ أنَّك متحرشٌ بالسكرتيرةِ الموظفة!”
أجبت : “يا ظابط ، إنني …”

فقاطعني : “بل يا  شرطي.”
فقلتُ له : “تهمتي هي تهمتُك ، أنَّني صحَّحت خطأً لُغَوياً لإحداهُنَّ ، فظنَّتهُ تحرُّشاً” .

وسردّتُ له القصَّةَ مفصَّلة ، ثم أردفتُ : “ها أنا بين يديك ، وها قد علمتَ حكايتي ، فاحكم بحكمِ الله، وبرجاحةِ عقلِ عُمر ، لا بحكمِ الجاهلين” .

أخذني الشرطيُّ ، ومن حسنِ حظي أنَّه كان برتبةِ ضابط سام ، فخلَّصني من القيود ، ولم يكتفِ بذلك  بل أخذَ بي إلى مكانِ عملي في اليومِ التالي ، وشرحَ قصَّتي لمديرِ العمل ، الذي تبينَ لنا من خلالِ فكرهِ المحدود ، أنه لم يجتزِ الثانويةَ العامة ، وقدَّمَ اعتذاراً للموظَّفةِ بالنَّيابةِ عني .

وفي نهاية الاجتماع ماعدّتُ أنسى عبارةً باتت لا تُفارقُ سَمعَ عقلي :

“خاطبِ الناسَ على قدرِ عقولهم “.

… فالمخاطبُ يحكُمُ عليكَ بما وعاهُ عقلهُ، لا بما أردتَه أنت …

… للعبرة فاعتبروا ، ياأولي الألباب …

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاستهداف الرقمي الدقيق في الحملات الانتخابية/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

الاستهداف الرقمي الدقيق في الحملات الانتخابية بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ـــــــــــــــ ...

لقاء فارغ/ بقلم: نرجس عمران

لقاء فارغ/ بقلم: نرجس عمران ـــــــــــــــــ ودق النبض معلنا ساعة العشق أي ...

الكاتب مفيد صيداوي…سبعون عامًا من العطاء والإبداع / حاوره: شاكر فريد حسن

 الكاتب مفيد صيداوي .. سبعون عامًا من العطاء والإبداع والكفاح     حاوره: ...

علىٰ لوحَةِ السَراب / بِقَلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

علىٰ لوحَةِ السَراب / بِقَلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ………………………. لم يكنْ ...

تلكَ الحبيبةُ…/ بقلم: أديبة حسيكة

تلكَ الحبيبةُ…/ بقلم: أديبة حسيكة ـــــــــــــــــــــــ تلكَ الحبيبةُ بدمعِها تَشقى خُذْ منها ...

قهوتك يا أبي برائحة وطن/ بقلم: رشا السيد أحمد

قهوتك يا أبي برائحة وطن/ بقلم: رشا السيد أحمد ـــــــــــــــــــــــ كم أشتقت ...

علىٰ شرفاتِ الفجر/ بِقَلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

علىٰ شرفاتِ الفجر/ بِقَلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي ……………………….. معَ زقزقةِ العصافيرِ ...

قصة المعايير الدولية/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

قصة المعايير الدولية بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ـــــــــــــــــــــ حيثما توجهت وفي ...