الرئيسية / قصة / الجنون العاري/ بقلم: شارا رشيد

الجنون العاري/ بقلم: شارا رشيد

الجنون العاري/ بقلم: شارا رشيد

ـــــــــــــــــ

 عندما تسطو إرادة الإنسان يُنسى الله!

 

كان مشهداً مُؤلماً أكثر من كونهِ مُخدشاً للحياء، رأيتهُم وقد تجمعوا حَولها كأسرابِ نسورٍ هائجة، اختلطتْ أصواتهم بين ضحكٍ وتصفيقٍ وصفير وكلماتٍ نابيةٍ بذيئة. كانتْ عُيونهم جاحظة تلتهِم الخزي من مَشهدٍ اللاأخلاقي. بعض الفتيات طأطأن رؤوسهِنَّ وأسرعنَّ الخطى خجلاً، الرجال العجائز أستغفروا رَبهم، بينما أسرعتْ بعض النسوة ودثرنها بعباءاتهنَّ وسترنَ جسدها العاري أمام الخلقِ والخالق وهدّأن مِن رَوعها.

لم أكُن على مسافةٍ قريبةٍ منها، لكنها مسافة مَكنتني من رُؤيتها وسَماع صراخها وزعيقها، كانت مسافة بين عينيها وقلبي، الذي قرأ عذاب وجهها الشاحب وآلام جسدِها العاري المَكدوم. لمحت في عينيها ما يختزلُ عذاب الأنسان وقسوتهِ، تعابير متباينة، بعضها غريب حيواني يَشفُ عن غضب وعتاب، كراهية وضياع. كانت كلماتها مُتعثرة تخنقها اللعنات والشتائم، وكنتُ أشد منها غضباً، وكدتُ أصرخ: ” أتركوها لحالِها “؛ لكنني كنتُ أشد خوفاً منها، فهربتُ وكأنهم يقومون بتعريتي.

ظلَ المشهد عالقاً في ذاكرتي لسنوات عديدة، ولم أتمكن من نسيانه أبداً، وكأني قد شاركتُ فيه… ألسنا مشاركين فيما يحدث دون أن نقوم بفعلٍ مضاد؟ كانت المرة الوحيدة التي رأيتُ فيه “حسنية”، وكمْ تمنيتُ لو أنني لم أرَ ذلك المشهد الذي أطاحَ بكل ما كان في رأسي من ثقة وانتماء لمجتمع مليء بالعنف والتناقضات، ظل الحادث يلاحقني مثل كابوسٍ ثقيل تركَ الحزن ينهش قلبي ويفترس يقظتي.

لم تكن المرة الأولى التي تَخلع فيهِ “حسنية” ملابسها في مكان عام وتتعرى أمام الناس، فالذئابُ الجائعة في السوق قد أستدلوا على نقطة ضَعفها، فهي تتعرى كلما استشاطت غضباً، وكانوا لا يعجزونَ عن سُبل ملاحقتها وإثارةِ جنونها كلما دنت نفوسهم لاكتشاف جسد الأنثى. وأكثر من ذلك كان بعضهم يستدرجها حتى ينال منها وطره في غفلة من عيون الآخرين، فترُى بعد أشهرٍ ببطن منتفخة مما يضطر القابلات تخليصها من الدنس الذي تحملهُ.

بَعد سنوات عديدة وفي ليلةٍ شتائيةٍ شديدةِ البردِ، سَمعتُ عن موتها الموثق بالدم على يدِ مجهولينَ في أطراف المدينة، قيل إن متشددين قرروا أنهاء عذابها وما كان يُغضب الرَّب، وأفرغوا في رأسها الفاقد للعقل ثلاثِ طلقات، رغم أن طلقة واحدة كانت كافية لترفعها إلى السماء وتستُر عريها، وتبدد الرحمة إلى الأبد… ألا إنها لم تكن كافية لتبدد خيالها العاري الذي ظل يطوفُ في الأسواقِ، يلاحق الناسَ، ويلاحقني.

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإنسان قبل العمران/ بقلم: جوتيار تمر

الإنسان قبل العمران بقلم: جوتيار تمر/ كوردستان 13/10/2020 ــــــــــــــــــــــــــ يعد دراسة الوجود ...

قوانين مهندس الكون/ بقلم: ريم سليمان الخش

قوانين مهندس الكون/ بقلم: ريم سليمان الخش ــــــــــــــــــــــــ هو الحب في عرف ...

رسائل “قلب الظلام” / بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

رسائل “قلب الظلام” بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ــــــــــــــ   هناك العديد ...

الرمزية في الشعر التعبيري السردي والمرمز الصوفي عند الشاعر فراس الوائلي/ بقلم د. رشا السيد أحمد

الرمزية في الشعر التعبيري السردي والمرمز الصوفي عند الشاعر فراس الوائلي بقلم ...

سوق الخيانة/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

سوق الخيانة بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ـــــــــــــــــــــ لقد كانت الخيانة دوما ...

سيدة النساء/ بقلم: نصر محمد

سيدة النساء/ بقلم: نصر محمد ــــــــــــــــــــ سنوات وأنا اتهجاك في الليل والنهار ...

جنائز الأيام… في مواسم الدم! / بقلم: خالد ديريك وجودي قصي أتاسي

جنائز الأيام… في مواسم الدم! بقلم: خالد ديريك وجودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــــ ...

تتهالك النبضات/ بقلم: جودي قصي أتاسي

تتهالك النبضات/ بقلم: جودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــ تتهالك النبضات كلما في الحلم ...