الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / الرمزية في الشعر التعبيري السردي والمرمز الصوفي عند الشاعر فراس الوائلي/ بقلم د. رشا السيد أحمد

الرمزية في الشعر التعبيري السردي والمرمز الصوفي عند الشاعر فراس الوائلي/ بقلم د. رشا السيد أحمد

الرمزية في الشعر التعبيري السردي والمرمز الصوفي

عند الشاعر فراس الوائلي

بقلم د. رشا السيد أحمد

ــــــــــــــــــــــــ

 

بعد هذا السير الطويل في الشعر السردي التعبيري منذ أطلقناه في عام 2015م , ما زلنا نبحر في مكوناته ونبحر داخله وننظر في سمائه نستشف من نجوم مفرداته العبقة ونشرب من كأس التجلي في محاريبه كؤوس تثمل القلب شعرا ونبحث في أجزائه نطالع عبقرية التكوين وعمق اللون وفرادة التشكيل ورمزية اللون ومفردات التشكيل في هذا اللون الأدبي الذي عانق الفن التشكيلي بعمق منذ ولادته قديما وحديثا

أبحر اليوم في لوحة شعرية للشاعر العراقي فراس الوائلي في قصيدة قصيرة لكنها مملوءة بالرمزية التعبيرية الشعرية، ومكثفة بدلالات تجعل القارئ يتأمل المعنى والمرمز الذي رمى إليه في قصيدته

 

نص القصيدة السردية التعبيرية للشاعر أ. فراس الوائلي من العراق الشقيق

قمر الأحلام

لهف نجمي جالس تحت شلال الغرام فيما اليوغا المحرمة في عينيك بداية الحب أما سريان همسي في نبضك الشهي فهو أُسطورة المعابد في جزر الآلِهة وما زال الوطواط يحوم حول الحروف وما زال زهر الكرز قلادة الشمس وأما الغيث المجنون يرقب شوق الحقول بتأني وينأى بدلال قمر الأحلام أناني كحبي يظل يهرول بين الروح والذاكرة بشوق يعلم الخلود سحر الأنوثة التي تنثها هي داخلي بينما ينثر رحيق الورد منها على أنفاس السماء فيما تصير الأواقيت بين يدي قصائد ماء وبخور معها أسمو للعلا.

1 ـ أهمية مرمز العنوان

تتميز القصيدة هنا كأنها حبة ماس صغيرة تلتمع في وجوهها من كل الجهات، ويبرق المعنى داخل النفس برقيق دلالته الشعرية فالنص أتخذ له عنوانا (قمر الأحلام)

كناية عن أحلامه الجميلة والتي يزينها قمر ينير دواخله برهيف النور وذاك يرمز

لشفافيته الناصعة التي تنث داخلنا رقة الرمز فلكل هذه الأحلام داخله قمر يتوقد بضيائه الرهف. العنوان هو فاتحة أي نص أدبي وعليه أن يختصر داخل القصيدة بمرمز دال بعمق

 

ندخل النص ونفككه يقول

” لهف نجمي

جالس تحت شلال الغرام

فيما اليوغا المحرمة في عينيك بداية الحب

وسريان همسي في نبضك الشهي

هو أُسطورة المعابد في جزر الآلِهة ”

ترمز بلهفه العالي بالنجم البعيد وكأن لهفه بحجم نجم وبرقته وقد طاول السماء وسكنه فيما راح هذا النجم يترقب غرامه ويسكن تحت شاله كم هي رقيقة الرمزية والصورة داخل اللوحة، وكأن للغرام شلال كيفما هف وتحرك يهف قلبه معه

يتابع رسم الجزء الآخر من اللوحة فعيّنيَ المحبوبة مريحة جدا كم هي دروس اليوغا الرياضية والروحية لكنها عليه محرمة، أي أنه حبها ليس له لكنه بها متيم

الرمز هنا حديث وطازج وقوي. فعينيها رغم أنها تحمل السكينة والراحة لكنها عليه محرمة

أما سريان همسه لقلبها فهي كأساطير مقدسة داخل معبد بكل جلاله وعظمته وسكينته وسلامه ليعبر الشاعر عن عمقه وما يحمله من رقة الشعور. فكأن هذا البوح أسطورة لا تنتهي من العشق والسكينة والارتياح جللها قدسية وجلال روحي صرف أرتقى للعرفانية العميقة

2ـ أهمية الرمز التعبيري داخل القصيدة

ـ (أهمية الرمز داخل القصيدة التعبيرية تتأتى من كونها عنصر هام جدا في الشعر التعبيري السردي كونه يختصر الكثير من المعنى داخله كرموز التشكيل الفني في اللوحات الفنية)

من المهم جدا أن يعرف الشاعر كيف يرسم هذه المساحة الشعورية ويترمزه بكلمات قليلة تختصر داخلها الكثير وتشير إشارة عميقة لبلاغة المجاز، فهو هنا يرسم بالكلمات لوحة تتباثق من أعماق النفس، من مساحة اللاشعور التي تنتض كضربات سريعة لفرشاة تحدد ملامح أجزاء اللوحة بقوة الفكرة والتشكيل واللون وبراعة القلب في التصوير الشعري ليوصل داخله قدر ما يستطيع

يتابع الشاعر

(وما زال الوطواط يحوم حول الحروف)

كناية عن روح سوداء تراقب الأدب وهذا الوطواط يحمل كل صفات الوطاويط من التنقل سرا وليلا وترقب الشعر والأدب وما يجري داخله ولا بد له غاية في مراقبته هذه وهذا الغاية حتما ليست لصالح الأدب وأصحابه. وربما كناية لشيء لا يحبه في الوضع الخارجي في الوطن

يتابع قائلا …

” وما زال زهر الكرز قلادة الشمس

وأما الغيث المجنون يرقب شوق الحقول

بتأني

وينأى بدلال قمر الأحلام

أناني كحبي يظل يهرول بين الروح والذاكرة ”

ويترمز للجمال والصفاء لتلك المحبوبة فهي كالشمس التي يزين جيدها زهر اللوز بكل رقته وجماله وبكل نورها المشع الذي يتحف المسافات بجمال الضياء كلما أطلت الكون، وكأنها شمس تنير قلبه دون نهاية بكل ألقها وبراءتها وحسنها ورقتها

الصورة الرمزية هنا كانت رائعة بكل ما فيها وبكل ما رمزت إليه فقد استعار الشمس لتنير المرمز برقة المعنى وضيائه، فدائما ما نرى اللوحات التي ترسم الشمس أو القمر برقة تحملنا على أجنحتها لأركان قصية من الجمال الشعري والفني، أنه الوجود الحي.

3 ـ قوة المرمز في الشعرية التعبيرية

ـ المرمز هنا قوي ودلالته تعبيرية تصويرية لحبه بكل ألوانه ورقته الانطباعية التي مازجت التعبيرية بكل رقة في النص

ـ” ففي التعبيرية مهم جدا أن يكون ” الرمز” يتكلم عن نفسه بقوة ويشعرنا بالقوة الروحية والتصويرية للفنان وللشاعر “.

فإذا لم يكن هو فنانا فهو شاعر يرسم بوحي روحه بالحروف والكلمات ما يعتريه لوحة متكاملة، وأما غيث الشوق من المحبوبة، فهو لا يرحم

فهو يرقب حقول اللهفة والشوق للشاعر والشاعر ينتظر أن يتأتى منها جمال الغيث في ساعة يرتجيها ولكنه لا يأتي، وكأنه يرقب وجع الشاعر في القلب بكل برود

يقول أ. فراس الوائلي

” أناني كحبي يظل يهرول بين الروح والذاكرة بشوق يعلم الخلود سحر الأنوثة التي تنثها هي داخلي ”

نعم هذا الغيث أناني لا يحب غير نفسه فهو لا يسقى العطاش يا لرقة المرمز وجماله وسعة معناه

 

4_ العمق الصوفي عند الأستاذ فراس الوائلي

لو نظرنا للمعنى، ليس فقط أناني هذا الغيث بل يظل يهرول بين الروح والذاكرة يقرأ حكايته الجميلة وقصصه الأنيقة ويلمس الروح برقته، وتضل الروح تترقب هطوله وكأنه يعلم الخلود والأبدية جمال أنوثة المحبوبة ورقتها وتجليها داخله، وهو يرسمها في قلبه دون أن يمل من هذا الذهاب بين الروح والذاكرة

صورة رهفة للغاية ومرمز بالنظر إلى عمق المعنى نراه أخذ عمق روحي صوفي يرتسم بالقلب بسلاسة دون اتخاذ لغة شعرية مقعرة في كلماتها.

ـ ” فالتعبيرية العربية التي اكتست بالرومانسية تعشق جمال المرمز مع شفافيته الرهفة بعيدا عن تقعر اللغة الصعبة “.

5_ جمال المرمز في الخاتمة

نبحر لختام النص عند الشاعر فراس الوائلي حيث يختم قصيدته فيقول

” بينما يُنثر رحيق الورد منها على أنفاس السماء فيما تصير الأواقيت بين يدي قصائد ماء وبخور معها أسمو للعلا ”

وكأنها شجرة ورد تنثر من أنفاسها وهي بين يديه رحيقاً آخاذا فتصير رائحة السماء كلها عطرة بعطرها، يا لجمال المعنى في جملته الطويلة التي جاءت كرد وجواب، فرحيقها الذي بثته من شدة نقائها وصفاء سريرتها ولشدة حبه لها بسببه تصير الأواقيت بين يديه كلها قصائد سهلة تنبع منها الحياة كما ينابيع الماء التي تتحف الحياة بجمالها فمعها تصير الأوقات أواقيتا قصيرة وحياة عذبة ترقى به لسدة السماء وأي جمال أرقى من هذا التجلي

فما الشعر عند العارف إلا للقاء المطلق وهو يعبر بروح الحبيبة داخله منتشيا حبا وشعرا وسكينة وتجلي وعرفانا

أخيرا

في القصيدة التعبيرية كأي قصيدة أخرى على الخاتمة أن تتخذ لها صفة تمنح القصيدة قفلة تريح النفس وتختم بمجازات ومرمزات تختصر داخل الشاعر وفورته الشعرية وهي ترقى به لفضاء المطلق ليحلق عاليا منتشيا بجمال شعريته التي تفور من معامل اللاشعور داخله لحظة الانبثاق الشعري

نص رقراق سلسل عميق ومرمزاته شكلت لوحة فاضت بالشعرية والنور والتحليق في سياق التعبيرية الرومانسية الجميلة.

.14 . 10 . 2020 . م

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإنسان قبل العمران/ بقلم: جوتيار تمر

الإنسان قبل العمران بقلم: جوتيار تمر/ كوردستان 13/10/2020 ــــــــــــــــــــــــــ يعد دراسة الوجود ...

قوانين مهندس الكون/ بقلم: ريم سليمان الخش

قوانين مهندس الكون/ بقلم: ريم سليمان الخش ــــــــــــــــــــــــ هو الحب في عرف ...

رسائل “قلب الظلام” / بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

رسائل “قلب الظلام” بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ــــــــــــــ   هناك العديد ...

سوق الخيانة/ بقلم: محمد عبد الكريم يوسف

سوق الخيانة بقلم: محمد عبد الكريم يوسف ـــــــــــــــــــــ لقد كانت الخيانة دوما ...

سيدة النساء/ بقلم: نصر محمد

سيدة النساء/ بقلم: نصر محمد ــــــــــــــــــــ سنوات وأنا اتهجاك في الليل والنهار ...

جنائز الأيام… في مواسم الدم! / بقلم: خالد ديريك وجودي قصي أتاسي

جنائز الأيام… في مواسم الدم! بقلم: خالد ديريك وجودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــــ ...

تتهالك النبضات/ بقلم: جودي قصي أتاسي

تتهالك النبضات/ بقلم: جودي قصي أتاسي ـــــــــــــــــــــــ تتهالك النبضات كلما في الحلم ...

ذابَ الشَّوْقُ في الحشا بقلم: علي موللا نعسان

ذابَ الشَّوْقُ في الحشا بقلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــ حاسَ الوجدَ مقلٌ ...