الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / قراءة في قصيدة ((أورورا)) للشاعر فراس الوائلي / بقلم: د. ليلى الصيني

قراءة في قصيدة ((أورورا)) للشاعر فراس الوائلي / بقلم: د. ليلى الصيني

قراءة في قصيدة ((أورورا)) للشاعر فراس الوائلي والتي أسميها بقصيدة((المطر))

. بقلم: د. ليلى الصيني

ـــــــــــــــــــــــــ

منذ تعرفت على الشاعر فراس وأنا أتابع حرفه بشغف لما فيه من جاذبية تشد القارئ لأنهل من نبع الجمال وأروي الروح من حرفه الفاتن … وهنا سأركز على هذه الأسطورة التي لها مذاق خاص وخلطة سرية  تبهر المتلقي بنكهتها الفريدة وسأركز على عمق وسحر الصورة الشعرية المستفزة للمشاعر والهاطلة  كترياق الغمام في الذاكرة فتستدعي أجراس الأحاسيس لتستيقظ  طقوس آلهة الجمال في إحساس المتلقي بالصور الحسية المتتالية فوق سطور القصيدة وهي المدخل الرئيس والأهم للعبورِ إلى مشاعر الأنثى وجمالها والارتقاء بالنفس البشرية التي تحركها تفاصيل الصور العسلية المذاق وهي حاسة تتعلق بكل ما هو مثير للجدل في السلوك التخيلي لدى آلهة الحب عند القدماء وقراءة مستفيضة عن فلسفة الروح فسيولوجيا ومؤثراتها على الإيقاع الحسي في نسيج النص وحبكته والاستجابة للدوافع الشعورية بين حالة الوعي واللاوعي لدى الشاعر بمحاكاة العقل الباطن واستدعاء الصورة الشعرية من المخزون الفكري الجمالي في رصف الكلمات بانسيابية وسلاسة لتجمع ما بين متناقضين بردة فعل ساخرة من منظومة الحياة. وبعد مروري على قصيدة المطر  والإبحار في مفرداتها ودلالاتها وما لهذا العنوان من تأثير نفسي وحسي لدى الشاعر وما وراء هذا العنوان من رمزية المكان والزمان يجعل الإنسان يقف متأملا  ما وراء الطبيعة  بأحداث ما قبل هطول المطر، مثل الغيم والبرق والرعد والعواصف  وغيرها الكثير الكثير وما ترمي له هذه الكلمة بعد الهطول من الارتواء والانتعاش والنشوة واخضرار الكون  وسريان الجمال في الوجود (فالماء هو الحياة ) ومن هنا استنطق المفردات وما ترمي إليها الدلالات والإشارات في بنية  القصيدة والوقوف في محطاتها منذ بدء الهطول  حتى آخر نقطة ماء سكبها في هذه البحيرة  والتي سأسميها مجازا بحيرة الوجع …..  بدأ الشاعر برسم ملحمته الشعرية بعد أن زلزلت كيانه أنثى كانت أشبه بالمطر في رقتها وسحرها  تناغيه بالحب وترويه بالماء الزلال، وحينا تقودها الرياح بعيدا عنه متمردة بأنوثتها الفتاكة وغرورها العظيم فتراوده مشاعر الفرح تارة ويعصف به الوجع والألم  أخرى حتى صار زاهد متصوفا  في رسم الحروف بألوان المزاج ونوباته المتقلبة  مستدعيا أسطورة إلهة الفجر(أورورا) بحبها لشاب اسمه (تيثونس) التي طلبت لأجله  من زيوس كبير الآلهة الخلود وقد منحها ذلك ولكنها نسيت أن تطلب له الشباب الدائم، ومع الأيام والساعات هرم(تيثونس) كونه بجسد بشري ولم تمنحه الآلهة نضارة الشباب بل أكتفت بمنحه الخلود وهنا نزلت عليه لعنة الأوجاع الخالدة المحبوسة تحت ذلك الجسد الرقيق وتلك الروح الشفافة العاشقة. ومن هنا سأحاول تأويل النص بشكل منهجي وقريبا من الواقعية في غلاف تعبيري حجب الرؤى عن الكثيرين حيث اِبتدأَ مناجيا حبيبته ب(ليت) التي تفيد التمني كما ورد في مطلع النص قائلا:

 

الحزن يستيقظ مع الفجر

أورورا

ليتك لا تركبي تلك العربة

فتلك الساعات

تمتص عمري

وتحولني

إلى حطب وبقايا رماد

وهنا ربط ما بين المكان والزمان وتمنى لو أن حبيبته لم تعشقه ولم تدعه لسياط ساعات الألم ووجع القدر الخالد

لكي يتحول في نهاية المطاف لبقايا رماد. وهي نهايات الوجع وما تنتهي إليه اللغة في تصوير هذا المشهد الإنساني الموجع.

وذهب باللوحة الثانية مخاطبا نفسه ومؤنبا لها قائلا:

تيثونس أيها البائس الجميل

من علمك عشق الآلهة

ومن أعطاك الخلود

مستقرا

هنا نجد الشاعر كما أسلفت قد بنى النص على قصة الأسطورة وهي إلهة الفجر أورورا حين أحبت تيثونس المخلوق البشري وطلبت من كبير الآلهة بأن يمنحه الخلود ويعطيه امتياز الحياة الأبدية ونسيت أن تطلب له الشباب الدائم فأصبح تيثونس يكبر ويكبر في العمر ولم يدركه الموت فصارت حياته لعنة عليه بدلا من أن تكون بركة وسعادة كما أرادت اورورا لحبيبها ويتابع الشاعر عشقه لحبيبته التي ألقت سحر فتنتها في روحه وعقله حتى هام في كون الحب الفسيح واصفا عظمتها في نفسه بالقول:

 

هي من اعتقلت الليل في عينيها

خيولا من الصباح

تطارد الأحلام

في خيال الوسن

ورغم الكم الهائل من الوجع نجد بأن شغفه بها لا ينفك عن روحه معترفا بأنها منحته عظائم الأمور التي لم ينالها بشرا غيره متناسيا كل الألم ومشيرا إلى أنها زلزلت أرض الشعر في نفسه وأحاطت سماء خياله بالعجائب قائلا:

هي من أهدتني النجم

قنديلا

وزرعت النسيم

في روحي

روحا وريحانا

هي من علمني

أن أغترف البدر

من مقلة الفجر

وأن أتوضأ بالضياء

وأن ألبس الفجر خاتما

—————-

 

ويتابع الحديث عنها وما فعلت لإغوائه ومنحه الحياة وما تعلم منها وما وهبت له خلال مسيرة حياته قائلا:

هي من علمني

أن أفك

وثاق الريح

وأن أسافر

في أوراق الشجر

وأن أطارد الليل

في عيون السحر

وأن ارسم الحقل

في خيال النهر

ويعود ليمجد حبيبته ويتغنى بها واصفا جمالها وما يجذبه إليها:

في طوفان عينيها

أنهار تجري

وغزال شارد

وعازف كمان

وحقول تهذي

وجبال تمشي

وسواقي عشق

وعشب أخضر

يحتضن الندى

بعلاقة سرية مشبوهة

ويعود ليخاطبها رغم معاناته طالبا منها الترفق بقلبه العذري الذي لم يتذوق الحب من قبل ولم يتعرف على فصوله المتقلبة قائلا:

 

أورورا

لازال قلبي بكرا

يخاف التورط فيك

والتوحد فيك

ولا زلت

أغفو على انقاس قوافيك

قصيدة مؤجلة

تبحث عن خلود مستعار

هل أنت آلهة الفجر حقا

أم أن الندى في مقلتيك

أرهقه السهر

وكل ابتهالات المطر

ويسترسل في سرد الأمور والمواقف ووصفها وما قدمت له تلك الحبيبة الفريدة:

هي من أودع

النهر

في مخيلتي

كواكبا

ويستمر في هيامه حتى يصل لمرحلة المناجاة فيقول:

تعالي ..تعالي

سيدة الشرر

وانغرسي في القلب

شمسا

بكرا

تعالي ..تعالي

وأمطري برقا

وأزرعي البريق

بكف الحجر.

ويعود لذاته محاكيا صبره مشفقا على قلبه من هذا الحب الساكن في نبضه حتى الأبد قائلا:

تيثونوس

أيها البائس الجميل

ستشيخ خالدا

ولن تموت

كالنار في ذاكرة الرماد

. فأصبر على عشق إلهة

دمعها الندى

 

وأخيرا يختم الشاعر محاكيا حبيبته ببوح اليائس من اللقاء بعد مرور عصر الانتظار في أرض الأحلام وبعدما داعبته إشراقة الصبح حيث الصحو من خمرة الوجد مدركا بأن هذا الحب أسطورة السراب في كون لم يخلق بعد قائلا:

يا قيثارة الشجر

قد غادر الصباح حزينا وحيدا

يودع المساء بكف السحر

ويعلن

بأن الحب

حكاية يقصها السراب

على سرير الضجر.

وأخلص إلى إن الشاعر فراس الوائلي  أتقن وأبدع واستحوذ على صيغة فرضتها لغة لقصيدة حيث فجر مكنونه الشعري ثورة حالمة بالإثارة وجذب القارئ  بمفرداته وأتخم النص بالصور بطريقة إبداعية ولغة القصيدة أقرب ما تكون للواقعية تنقل المعنى بشكل مباشر، بطاقة شعرية متدفقة وصورة تنطق بكل ما هو جميل وباذخ ولم يخلو النص من الرمزية في بعض الأحيان والغموض وهذا الرمز عبارة عن لوازم إيقاعية يتكئ عليها  الإيقاع الموسيقي حيث ينبعث من باطن النص ليبلغ المدى الأقصى ، فالرمز هنا لحظة انتقالية من الواقع إلى صورته المجردة، للخروج من الانفعال المباشر لتجسيد رؤى الشاعر حيث وجدنا ردت الفعل هي المشهد السائد في سياق النص وحركة التواتر الدائم الذي أعطى إيقاع داخلي مميز برغم الصورة الشعرية المغلفة بالجمال والبساطة  لدى قراءة النص. وأخلص للقول إن شاعرنا كان موفقا في جذب المتلقي وإروائه بالحرف العذب فالإلهام لدى شاعرنا فراس الوائلي ليس ضربًا من خيال فحسب بل امتزاج المعاناة الواقعية بالبوح العذري الذي فاض شعرا بهيجا ممتزجا بخيال زاهر.

ليلى الصيني 1/11/2020

ليلى الصيني

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سفرٌ…/ بقلم: شاكر فريد حسن

سفرٌ… بقلم: شاكر فريد حسن ــــــــــــ أسافر ما بين خطوط الحلمِ وأشواق ...

امرأة… مسافرة / بقلم: خديجة بن عادل

امرأة… مسافرة / بقلم: خديجة بن عادل ــــــــــــــــــــــــــ كلما جُنَّ الليل همست ...

ثلاث تحويمات جمالية تشد وثاق ديوان (ما كان حلما يفترى) للشاعرة المغربية فوزية رفيق/ بقلم: د. مصطفى غلمان

ثلاث تحويمات جمالية تشد وثاق ديوان (ما كان حلما يفترى) للشاعرة المغربية ...

يا أقرب النبض/ بقلم: ليلاس زرزور

يا أقرب النبض/ بقلم: ليلاس زرزور ــــــــــــــــــــــــــ يا أقرب النبض في كُلِّي ...

 تسألني عني/ بقلم: ريم النقري

 تسألني عني بقلم: ريم النقري ـــــــــــــــــــــ أنا التي أكرهك اعشوشبت بأنحائي أفقدتني ...

بنادقُ الفِكرِ/ بقلم: علي موللا نعسان

بنادقُ الفِكرِ/ بقلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــــــ بنادقُ الفكرِ تقفو المشاعرْ رصاصُها ...

هنا دفنت الرسالة/ بقلم: نجاح هوفاك

هنا دفنت الرسالة/ بقلم: نجاح هوفاك ……… تحت الأنقاض شفاه لثمت التراب ...

نرجس عمران: جعلت قضية وطني قضيتي الأهم فكانت روحي هي الدواء الذي أبلسم فيه جراحه/ نهاد الحديثي

نرجس عمران: جعلت قضية وطني قضيتي الأهم فكانت روحي هي الدواء الذي ...