الرئيسية / قصة / مبروكة (عنين الفار) وشلومو اليهودي/ بقلم: نور الدين إسماعيل

مبروكة (عنين الفار) وشلومو اليهودي/ بقلم: نور الدين إسماعيل

مبروكة (عنين الفار) وشلومو اليهودي

بقلم: نور الدين إسماعيل

ـــــــــ

مبروكة (عنين الفار) وشلومو اليهودي… تتساءل مبروكة إلى متى سيبقى “حمّو” البهلول يعمل في الأشغال الشاقّة بلا تأمين في مجتمع أناني بائس ونظام اقتصادي رأسمالي طبقي ينتج الحوافز للسّاسة والسّادة الأثرياء وينتج الحرمان للعمّال الذين تتزايد وتتفاقم احتياجاتهم كمّا وكيفا يوما بعد يوم. ثمّ ماذا سيقول عنّي الناس… سيقولون مبروكة تعشق حمّال؟ لا.. لا.. يجب أن أجد له عملا يليق بنا وفي أقرب الأوقات والآجال…

تتّصل مبروكة “بحمّو” وتسأله إن كان متحصّلا على رخصة سياقة فيجيبها بنعم لكن ينقصه تجديدها، وتقترح عليه أن يعمل سائق سيارة تاكسي…وهل سيرفض؟ تضع ساق على ساق وتشعل سيجارة وتمسك بفنجان القهوة الباردة الذي لا يفارقها كلمّا بدأت تفكّر وتخطط لشيء ما… ها هي الآن غارقة في التفكير… مشتّتة التركيز، تشغلها فكرة شراء سيارة لحمّو… يجب أن تكون جديدة حتى تتباهى بها أمام صديقاتها وبسائقها الشخصي وتطرد كلام الناس، كما يمكنها الالتقاء به في أي وقت تشاء وفي أي مكان تودّ الذهاب إليه.

التفكير، أجهد مبروكة وأنهكها، فجأة تتذكر أن لها صديق يهودي على الفيسبوك اسمه “شلومو”، ما تعرفه عنه أنه رجل أعمال مقيم بفرنسا… كانت تتبادل معه التحايا والزهور عبر الخاص كما يحدث مع الأغلبية إن لم أقل مع الجميع، إلا أن “شلومو” كان دائما مشغولا بأعماله التجاريّة ويرد على الرّسائل الخاصة فقط أيام عطلة نهاية الأسبوع، ومع أن “مبروكة” وقعت في حب “حمّو” البهلول لم تعد تتواصل مع الخلق كما كانت عادتها من قبل…

لمن لا يعرف مبروكة فهي منخرطة في جميع المواقع الاجتماعية والمجلات الإلكترونية الشرقية التي تعجّ بإعلانات الزواج والحب والأبراج والطبخ ومواقع أخرى غربية تهتمّ بآخر الأخبار وما يتبعها من اكتشافات وقد تجد مبروكة منخرطة في قنوات الرُقية الشرعية وتفسير الأحلام ويحدث أيضا أن تكون عضوا مؤسسا في إحدى المجموعات وأدمن في الجمعيات النسوية المهتمّة بسرطان الثدي وجمعيات أخرى تعنى بشفط الدهون وتضخيم المؤخرة والصدر ونفخ الشفايف وتقوية القدرة الجنسية لدى الرجال من تضخيم القضيب وما شابه ذلك…

مبروكة ناشطة حقوقية في حق تحقيق الحلم الذي لم يتحقق بعد، مبروكة مجنونة في خلوتها قد تفعل أي شيء لا يخطر على بال أحد، الفراغ شيطان… واليهودي هو الحلّ تقول مبروكة. إنه رجل وسيم يشبه المغني “انريكو ماسياس” في ابتسامته المغرية وقوامه الطويل المتناسق، تعرّفت عليه (عينين الفار) بعدما نصبت له كمّينا حيث وضعت صورة امرأة جميلة نصف عارية تكشف عن جزء من ظهرها المزيّن بوشم، تضع على رأسها طاقية اليهود خلفها نجمة داود السداسية وتحمل في يدها اليمنى سبحة وكتبت على جدارها (إن كانت السياسة تفرّقنا فالحب يجمعنا)

احتار اليهودي في شخصية مبروكة ومعدنها حتى وقع… اتصل بها على الخاص، مدحها وأراد التعرّف عليها أكثر فأحسّت أن الأقدار انقلبت لصالحها وأن علاقتها مع “شلومو” ستحل مشكلتها التي طالما أقلقتها منذ وضعت “حمّو” وشراء السيارة في رأسها… مبروكة: أتعلم يا شلومو؟ شلومو: ماذا؟ كنا نتعايش معكم بسلام حتى أننا اكتسبنا الكثير من ثقافتكم، وكانت أمي دائماً تذكركم بالخير وتمجّدكم وتقول بأنكم من أبرز من يتقن حرفة الحليّ والذهب وأننا نثق في إتقانكم للحرفة أكثر من غيركم وأن معاملاتنا مع التجار اليهود عادة ما تكون أسهل من غيرها من بعض التجار العرب. أمي تقول إننا تعاشرنا بالحسنى وبعد هجرتكم تركتم فراغا وأنكم بقيتم تتواصلون مع جيرانكم وأحبابكم العرب عبر الرسائل البريدية.. وأتذكر لما توفيت جدتي “بُرْنِيَة” تلقّت أمي عديد التعازي من صديقات ورفيقات عمرها اليهوديات بل أن “جيمينا” بكت بحرقة عندما علمت بالخبر المفجع وتمنّت لو أن لها أجنحة لطارت إلينا حتى تواسي أمي في مصيبتها… لا زلت آثاركم قائمة هنا من معابد وهي نموذجا باهرا على التعايش السلمي والتسامح بين كل الديانات فلا فرق بيننا هذا بالإضافة إلى بيوتكم في الحارة وقصوركم في المناطق الرّاقية يا “شلومو” العزيز.

شلومو: نعم لقد قرأت هذا في حصص التاريخ عندما كنت في الثانوية وأن كل أملاكنا وأرضنا هناك عندكم. مبروكة: نعم إنها أملاككم. يااااااااه (عينين الفار) تبيع الوطن… ثم تقطع به الاتصال حتى يتشوّق أكثر …

في اليوم الموالي تنشر عينين الفار مقالا حول التطبيع نقلته من إحدى الصفحات وحرّفته حيث ذكرت أن التّطبيع هو السّلام وأن اليهود والعرب أولاد عمّ ولهم نفس الدمّ وأن اللغة العربية والعبرية أخوات تؤثران في بعضهما البعض لأن لهما نفس الجذر. دخل شلومو على صفحتها وردّ على منشورها مهلّلا: أساندك الرأي وبرّر تعليقه بأحداث تاريخية وأن لكثير من المهاجرين اليهود ذكرى الفترة التي عاشوها هناك أين كانت بها جالية يهودية كبيرة وواصل تعليقه بقوله إن اللغة العبرية تكتب من اليمين إلى اليسار مثل اللغة العربية لأنهما تتفرّعان من شجرة اللغة السّامية. فردّت مبروكة على تعليقه… تعايش وتسامح بين كل الديانات فلا فرق بيننا. لنضع اليد في اليد وننمّي ما بيدك وما بيدي وبذلك يحصل الخير لنا جميعا.

في الليل طلبها على الخاص وصورتها الموضوعة على جدار صفحتها لا تفارق باله. ردت مبروكة وكلها فرحة وسرور، تبادلا التحية ب شَلُومْ وسَلاَمْ وبالأسئلة المتداولة عند كل اثنين من ماذا فعلت اليوم وماذا أكلت وماذا تلبسين… في اليوم الموالي ذهبت مبروكة إلى مكتبة معروفة تبيع كتب ذات مواضيع متنوعة من تاريخ ودين وشعر وأدب تبحث عن بعض المعلومات التي تخص التاريخ والأسفار والزبور كي تزوّد معلوماتها ببعض الأحداث التي تفيد خطّتها الرّهيبة… اشترت كتابا يتحدث عن الزبور ومزاميره الخمسة الذي أنزله الله على داود عليه السلام… وهي خارجة من المكتبة لفت انتباهها كتاب “فسيفساء” اطلعت عليه قليلا وأخذت منه مقالا رهيبا قد يساعدها في تطعيم وإنجاح الخطّة، صوّرته بهاتفها.. ثم مرّت بمقبرة اليهود المتواجدة بالمدينة أخذت صور تشهد حالة جدرانها المزرية وقبورها المخرّبة ثم عادت إلى بيتها…

انكبت “مبروكة” تطالع كتاب الزبور الذي يتحدث عن المزامير الخمسة الرئيسة وعرفت أن هناك مزامير أخرى ثانويّة كمزامير الشكر المجتمعي، ومزامير الحكمة التي تعكس آداب الحكمة في العهد القديم كما توجد مزامير لا تسند إلى أي فئة من الضائقات الشخصية. طالعت الكتاب بشغف ودقّقت في كل جملة وكل كلمة فيه…

تتساءل مبروكة بينها وبين نفسها وهي مستغربة كيف أمكن لهذا الكتاب أن يجد طريقه إلى يديها وهي التي لم تكن يوما تهتمّ أو تعلم شيئا عن الديانات، ثم تجيب نفسها على تساؤلها… من المؤكد أنها أفكاري الناضجة والبناءة هي من أتت لي بهذا الكتاب، فالأفكار الغير الناضجة لا تجلب سوى مزيدا من التعب. بعد أيام وتحديدا في الوي كاند دخلت “مبروكة” على “شلومو” .. كتبت سلام ثم أرسلت له أغنية “سالمة يا سالمة” للفنانة داليدا المنتحرة. دخل “شلومو” بِشَلوم وعبّر لها عن إعجابه بذوقها الراقي وأن الأغنية لامست مكامنه وأشعرته بحنين تجاه أشياء يصعب التعبير عنها. سكتت مبروكة وخيّم بينهما الصمت لبرهة.. سألها شلومو لِمَ هذا الصمت.. أجابت الحياة زاخرة بالآلام يا “شلومو” وتابعت بأن قلبها يعتصر حزنا لبعض المشاهد التي تراها كل يوم تنهار.. قلبها يتألّم لأنها تعيش في مجتمع متخلّف لا يعطي للمعالم الأثرية أهمية في دولة فقيرة غير قادرة على ترميم هذه الصّروح لأن لها أولويات أهم منها.. سألها عن أي معالم تتحدث فأرسلت له صور مقبرة اليهود المخرّبة، التي تسرح فيها الكلاب ويتبوّل على جدرانها كلّ من السكارى ليلا والمارّة نهارا والتي لم تمنع قبورها من دسّ المشعوذين المسلمين فيها الأسحار .. إنه شيء يدمي القلب يا “شلومو”.. أني أفكّر في الانضمام إلى بعض الجمعيات الخيرية اليهودية حتى ألفت أنظارهم لهذه المسألة والاتصال بمسؤولين يهتمون بالمحافظة على تراثكم الذي يهمنا كلنا.. لأنه تراث الإنسانية.. لأنه تاريخ يجب المحافظة عليه.. لا حاضر من دون فكرة الأمس ولا مستقبل من دون اليوم. المستقبل هو فكرة اليوم وعمل اليوم.. أليس صحيحا يا “شلومو”؟

يتأثر “شلومو” ويحنّ قلبه ويطلب منها التريّث ولا تتصل بأي مسؤول أو منظمة قبل أن يوافيها برأيه بعد أيام قليلة. لم يَدُمْ تفكير “شلومو” طويلا، بعد ساعات قليلة راسلها وطلب منها أن توافيه في أقرب وقت بفاتورة تقديرية “Devis” تحتوي مستلزمات ومستحقات ترميم المقبرة. سيرسل إليها المبلغ المطلوب وسيتكفل بإنجاز هذا العمل عن قريب وجدّا. ردّت عليه.. رائع أنت.. كلّنا إخوة وكل الديانات السّماوية تحثّ على الحب والسّلام وفعل الخير هذا ما يقوله ديننا الإسلامي السّمح وما قرأته في كتاب الزبور.. لنضع اليد في اليد وننمّي ما بيدك وما بيدي وبذلك يحصل الخير لنا جميعا. شكرها “شلومو” وتمنى لها ليلة سعيدة. كاد يتوقّف قلب عينين الفار فرحا ببداية نجاح مخطّطها.. مبروكة تملّكت تفكيره.. مبروكة تقترب.. مبروكة في طريقها إلى شراء التاكسي والزواج من “حمّو” البهلول على سنّة الله ورسوله بفضل “شلومو” وبمباركة الزبور ومزاميره.

بعد يومين أو ثلاثة أرسلت إليه فاتورة تقديرية وبقيت تنتظر ردّه. في الوي كاند يتصل بها “شلومو” ويخبرها بأنه اتصل بصديقه أحد التجّار العرب الذين تجمعه معهم تعاملات ومعاملات تجارية ليسلمها مبلغ ترميم المقبرة مضاف إليه أتعابها وعليها أن تسافر لمقابلته إلى ولاية أخرى تبعد عن مكان إقامتها ألف كيلومتر بعد أن كتب لها رقم هاتفه وعنوانه. رفضت مبروكة أن تأخذ أتعابها إلا أنه أصرّ لأنه حقّها.. تسافر مبروكة مصحوبة بحمّو.. تتصل بالتاجر وتبحث عن العنوان.. تجده.. تطلب من حمّو أن ينتظرها خارج المحلّ وتدخل لوحدها تقابل التاجر.. يسلمها المبلغ .. تضعه في كيس بلاستيكي أسود ثم في حقيبتها وتخرج غير مصدّقة.. لقد رتّبت كل شيء.. كل شيء مضى بحسب خطّة دقيقة مع احتمال نسبة كبيرة عدم نجاحها بسبب مخاتلة القدر أحيانا وبسبب أن شلومو يهودي يقظ وقد لا يهتم لمسألة المقبرة .. مبروكة داهية.. جريئة.. موفورة الصحة وذات إرادة صلبة. رجعت مدينتها.. غيرت رقم هاتفها وأغلقت حسابها الفايسبوكي وفتحت حسابا جديدا باسم جديد وصورة احدى الفتيات المحجبات وكتبت حجابي عفافي.. زوجي خذ بيدي إلى الجنّة.. ومحت كل آثار البروفيل القديم، وتنزل منشورا تستفتح به حسابها الجديد تقول فيه “لا للإساءة بالرسول ص ع س، نحن خير أمّة أخرجت للناس” لا للتطبيع.. يحتار “شلومو” لعدم اتصالها واختفاءها.. يوم.. يومين.. أسبوع.. شهر.. لا أثر لمبروكة.. لا يعلم عنها شيئا.. فصّ ملح وذاب.. بعدها تأكد أنها محتالة.. المسكين ينزل منشور يقول فيه.. بالله يا مبروكة من فينا اليهودي.. أنا أم أنتِ؟

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سفرٌ…/ بقلم: شاكر فريد حسن

سفرٌ… بقلم: شاكر فريد حسن ــــــــــــ أسافر ما بين خطوط الحلمِ وأشواق ...

امرأة… مسافرة / بقلم: خديجة بن عادل

امرأة… مسافرة / بقلم: خديجة بن عادل ــــــــــــــــــــــــــ كلما جُنَّ الليل همست ...

ثلاث تحويمات جمالية تشد وثاق ديوان (ما كان حلما يفترى) للشاعرة المغربية فوزية رفيق/ بقلم: د. مصطفى غلمان

ثلاث تحويمات جمالية تشد وثاق ديوان (ما كان حلما يفترى) للشاعرة المغربية ...

يا أقرب النبض/ بقلم: ليلاس زرزور

يا أقرب النبض/ بقلم: ليلاس زرزور ــــــــــــــــــــــــــ يا أقرب النبض في كُلِّي ...

 تسألني عني/ بقلم: ريم النقري

 تسألني عني بقلم: ريم النقري ـــــــــــــــــــــ أنا التي أكرهك اعشوشبت بأنحائي أفقدتني ...

بنادقُ الفِكرِ/ بقلم: علي موللا نعسان

بنادقُ الفِكرِ/ بقلم: علي موللا نعسان ـــــــــــــــــــــــ بنادقُ الفكرِ تقفو المشاعرْ رصاصُها ...

هنا دفنت الرسالة/ بقلم: نجاح هوفاك

هنا دفنت الرسالة/ بقلم: نجاح هوفاك ……… تحت الأنقاض شفاه لثمت التراب ...

نرجس عمران: جعلت قضية وطني قضيتي الأهم فكانت روحي هي الدواء الذي أبلسم فيه جراحه/ نهاد الحديثي

نرجس عمران: جعلت قضية وطني قضيتي الأهم فكانت روحي هي الدواء الذي ...