الرئيسية / مقالات / فحيح الأفاعي/ بقلم: حسن رشيدي

فحيح الأفاعي/ بقلم: حسن رشيدي

فحيح الأفاعي

بقلم: حسن رشيدي

ــــــــــــــــــ

وحده الزمن كفيل بصقل الإنسان، وبيان جوهره وأصل معدنه:

أن تُصادف شخصا في سلام عابر وجلسة ماتعة، ليست بالشيء في ميزان اختبار التجربة الإنسانية، والحُكم على الآخر بمجرد ابتسامة فرح ودمعةِ مُكتئب.

وتتداخل العواطف وأواشج النفس ودواخلها، لترسم ملامح الأصنام داخل بواطن النفوس والقلوب، وتتساقط الأقنعة والألوان الزاهية على الوجوه الشاحبة، مجرِدة الذات الخيالية من أحلامها الواهية، فتغدوا سرابا وقبض ريح.

وفي لغة الحيوان: كتلك التي روتها كليلة ودمنة لابن المقفع، والصاهل والشاحج لأبي العلاء. تبرز لغة أخرى لجنس الزواحف، وأكثرها كيدا ومحض شر: مشقوق العين واللسان. فالعين تُرسل طاقتها القاتلة بنظرة واحدة، -إن هي سمت درجة عين الهَرَم-. واللسان ينفُث علقما ونارا تأجّج، إن تلفّظ السُّم وَكَلِمَ السّمُوم، مرسلا سهامه كَحَرّ الجَمْر وحِمم اللظى.

لقد صارت الأفاعي تُجالس أبنائها بكيد كائد وشر لا حدود له، وإن أَلبست فلذات كبِدها كلاما ظاهره الخير والنصح والبيان، وباطنه الفُرقة والضّغينة وقطع الأرحام. تُجابهُهم بالكلمة الطيبة نصيحة، وما هي إلا فضيحة، وتدُس السّم مخلوطا بِشهد ورُضاب، مُشعلة فتيل النّار، قائلة: إنما هو النور، فلا تحزنوا.

فحيح الأفاعي: أطفأ نور الإيمان في القلوب، وأخمد جذوة البراءة في النفوس، حتى تضعضعت مكانا، وتداخلت الكلمات حين اللقاء بهم، فهم مسحورون ببيان ألبس عليهم الحق، وتشابهت عليهم الأقنعة الزائفة ووجه الحقيقة الذي لا يَحيد.

فحيح الأفاعي: اجتثّ رابطة الرّحم، وقَطع شعرة معاوية التي جُعلت بينه وبين الناس لتكون وَصلًا لا فصل، وكَوْراً لا حَوْر.

فحيح الأفاعي: تظن بيتها عَرينا للأسود، وقصرا منيفا كتاريخ النمرود، وفيه ما لا يخطر على قلب بشر. لكن أصله العفن والقذارة، والخبث والشرور، لا المحبة وإشاعة السرور.

فحيح الأفاعي: نتن المكان ذميم الرؤية، قليل الزاد ممحوق النعمة. لا كَظنّ الأفاعي، أنها ذات الفضل والمنة، والزيادة والبركة والكثرة.

فحيح الأفاعي: إنْ صادفته بُرهة، تراه قِناعا يُداهن في الحوار وإن بادرك السلام، وابتسامة تعلو المحيا وشيمة ووقار. لكن حقيقته شرّ كامِن وحِقد دفين، وكُره كامل وحسَد ضَغين.

فحيح الأفاعي: -مشقوق العين واللسان-، طاقة سِحر ومرض يتفشى ويَسري، يُجالس المجالس، ويَجثِم على الصدور، استعيذوا منه إنه حق، فالنفوس ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف، واجعلوا المسافات بينكم وبينه، ولا يغرّنّكم ظاهره ومعسول بَيانِه، فباطنه سَواد قاتم، وليل تأبط الشّر، فنفثه سُمّ زُعاف، وأَرُومَتُه الموت الزّؤام، ومن فحيح الأفاعي ما قتل.

حسن رشيدي

أستاذ وباحث أكاديمي

المملكة المغربية

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فضح المستور أفضل طريق للمواجهة، عن كتاب “نسوة في المدينة” للكاتب فراس حج محمد/ بقلم: جيهان سامي أبو خلف

فضح المستور أفضل طريق للمواجهة بقلم: جيهان سامي أبو خلف/ فلسطين إنَّا ...

قراءة في كتاب “أغاني الأعراس والأمثال في الوادي الأخضر” للباحثة لميس جبارين/ بقلم: شاكر فريد حسن

  قراءة في كتاب “أغاني الأعراس والأمثال في الوادي الأخضر” للباحثة المربية ...

غيمةٌ سمحاءُ …. تزورني/ بقلم: مرام عطية

غيمةٌ سمحاءُ …. تزورني/ بقلم: مرام عطية ————————— البرتقالةُ الزَّرقاءُ التي تأوَّجتْ ...

مبادئ الحب/ بقلم: عبد الباسط الصمدي أبو أميمة

 مبادئ الحب بقلم: عبد الباسط الصمدي أبو أميمة ــــــــــــــــــــ كلما قلت أحبك ...

لم أعدْ شابّاً/ بقلم: عطا الله شاهين

لم أعدْ شابّاً..   بقلم: عطا الله شاهين ـــــــــــــــ أراني هرما كلما ...

مع الشاعر عصمت شاهين دوسكي/ أجرى الحوار: د. ماجد خليل

حوار مع الشاعر عصمت شاهين دوسكي * تركت الإشكالية الزمنية أثرها على ...

يحضن الخطر ويمضي به بعكازة الأمل! عن أحمد ضياء في ديوان ورقةٌ ميكانيكيّة للحياة/ بقلم: خالد ديريك

يحضن الخطر ويمضي به بعكازة الأمل! عن أحمد ضياء في ديوان ورقةٌ ...

دموع مشردة / بقلم: خالد ديريك

دموع مشردة / بقلم: خالد ديريك ــــــــــــــــــــــــــ تجرف آمال الشوق من التقاسيم ...