الرئيسية / إبداعات / على خشبة المسرح أنا ممثل حقيقي / دليار بوزان

على خشبة المسرح أنا ممثل حقيقي / دليار بوزان

 

 

 

 

 

 

على خشبة المسرح أنا ممثل حقيقي

 

أحياناً أكتبُ أشياءً كثيرة لا أفهمُ معانيها، أبدو ضائعاً كما في حانةٍ صغيرة أدخلها دون رغبة مني، أضيع على أصوات فتة الشدة وأنا أكتب شعراً أستذكر فيه حبيبةً خانتني ولعنت ليلي ونهاري، تمتهنُ أصابعي فن الضغط على أزرار الكيبورد في رثاءٍ لنفسي التي أغضبت الآلهة، أي فشلٍ أرتكبه بحق ساقاي وهما يمضيان في طريقٍ مهجورٍ سواي، الرحلة إلى هدفٍ غير واضح المعالم محكومٌ بالفشل حتماً، كعلبة شوكلا منتهية الصلاحية وتفاحة قطعت لنصفين منذ تموز، كما هامش الورقة الذي لا فائدة منه سوى كتابة الفشل عليه.

 

في درس المسرح ومن على خشبته كنت أدخلُ الحالة الحسية “المونولوج” دون رغبةٍ مني ،على أنين موسيقى “نينوى” الشهيرة كان حديثاً قد بدأ ،أنا كنت أهلوس وأتمتم بعربية غير مفهومة كلماتً لا تمد للواقع بصلة ،لا كنت رائعاً دليار لا تقل ذلك أنت ممثل حقيقي ..هكذا أيقظتنا الزميلة ” ميديا ” من غفوتي التي كنت لا أزال فيها وهي التي كانت تشاهدني بإمعان من على الكرسي وتأخذ لي بعض الصور، لا أتذكر كيف بدأ ” قاسم ” الحديث وأخذ بنا إلى سوريا متجاوزاً الحدود والعسكر والواقع ،لكن أتذكر كل ما سردته بالتفاصيل الدقيقة ،وأنا أخذت من النافذة نقطةً لا تفارقها عيناي لوهلة ،كان قاسم قد بدأ بالحديث عن الثورة وأيامها الخوالي وكيف كان ثائراً وقتها ،في هذه الأثناء كان مارداً يستعد للخروج من داخلي ،أنا بدأت بسرد أطراف الحديث ،اعترفت بأشياءً كانت تؤلمني من الداخل ..قلت بأنها لم تكن ثورة حين مات صديقٍ لم نمضِ أكثر من أسبوع معاً كان هو “ولات حسي” الذي حمل الثورة في قلبه وصوته وأدمن على أغنية سميح شقير”ياحيف” ،قلت بأنها لم تكن ثورة حين انطفئت شعلتها ومات القائد “مشعل تمو” وهو الذي قال ذات يوم “سنغضب كل يوم من أجلك يا حرية” تاركاً مساحةً كبيرة للتآمل والشرود ، ثم كررت ماتت الثورة حين ماتت زهرة ،أجمل أزهار مدرستي التي كان خبر موتها من على الصفحات الزرقاء خبراً مؤلماً وموجعاً في آنٍ معاً وهي التي اختارت أفريم إسماً ثورياً لها لتترك اسمها الآخر ، زهرةً لا تُّذبل أبداً.. من على مشتنه نور ، زهرةً ترمز لكل شيء السلام الحرية والثورة الحقيقية ،لعلَّ ما يستوقفني كثيراً ابتسامتها البريئة كلما رأيت صورتها في مكانٍ ما ،بقيتُ صامتاً غير مبالياً بما يكتبه الكاتب والناقد “أسامة آغي” على مفكرته حين حملتني الأيام إلى قبل خمس سنوات حيث” لؤي البكور” أستاذي ومدرسي في الصف العاشر الذي فقدته في الثورة أيضاً ،لؤي كان المثل الأول والأعلى الذي بدأ يشقُ طريقاً لي بين الجبال والوديان ،ببوصلةٍ اختارت الشمال وجهةً نحو المجهول ،من على الخرائط والجغرافيا ،المادة التي أحب ،لؤي لم يمت ولم يبق أيضاً ،الثورة اختارته أن يكون بعيداً عني ،هلاَّ أقول بأنها الثورة التي لم تمت بعد ….!

 

كان لا بدَّ من الحديث عن مدينة باقي خضر وحسين أمين وزعيم كندش ومشو بكبور وسيامند أوسكلي وآرين ميركان مدينة ” كوباني” التي اختارها مغول العصر ومخربيها في بث السموم والخراب فيها وأرادوها عيناً للإسلام  حسب زعمهم  ضاربين عرض الحائط تاريخٍ مدينةٍ لم يقرأوه بلا شك ،كان علي أن ألعن الثورة حيناً ونفسي حيناً آخر ،وكوباني على وشك الاحتضار ،كان علي أن أخبأ دموعي خلف شاشة اللاب توب وأنا أشاهد قرية جدتي تسقط ومن ثم قريتي وأنا أكتب كلماتً ممزوجة بالجبن على الفاسبوك ، كنت الثائرَ الذي أختار الحكمة الكاذبة كي لا يكون في ساحة المعركة ،في يوماً غدت فيه النساء رجالاً ،وحملنَّ السلاح مصوباتهنَّ في وجه أقبح إرهابٍ على الأرض ،في كوباني مات الكثير من الشهداء لكن لم تمت كوباني أبداً ..

 

في هذه الأثناء كان المخرج يلوح بيده مشيراً لنهاية المشهد.

كان المسرح الذي أخترته مكاناً آخراً. أجد فيه ذاتي، مكاناً للحكاية والرثاء أيضاً، لم أكن مضطراً لسرد كلُّ هذه التفاصيل والعواطف التي بدأت ولم تنته ، لكن هناك كانت دمعةً قد سقطت من قلبي وأخرى لم تسقط بعد، خطوةً دفعتني إلى الأمام وأخرى أعادتني للوراء، كنت الشخص الذي يحمل قلبين في جسدٍ واحد، ويمثل دور جسدين في قلبٍ واحد، لكن كنت أحمل أمنيةً واحدة فقط أن أغدو ممثلاً محترفاً هذه المرة.

 

 

دليار بوزان

صحفي كُردي سوري

 

عن Xalid Derik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صدور مسرحية ممثّلٌ انتحارريٌّ لإبراهيم خلايلة

صدور مسرحية ممثّلٌ انتحارريٌّ لإبراهيم خلايلة تقرير: فراس حج محمد (فلسطين المحتلّة) ...

الرسالة 53 “يا ليتكِ كنت معنا” / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الثالثة والخمسون يا ليتكِ كنت معنا بقلم: فراس حج محمد/ فلسطين ...

الرسالة 52 “خيباتيَ المتوقعة وغير المتوقّعة”/ بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الثانية والخمسون خيباتيَ المتوقعة وغير المتوقّعة بقلم: فراس حج محمد السبت: ...

الرسالة 51 “أحبّك رغماً عمّا يعوقُ هذا الحبّ” / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الواحدة والخمسون أحبّك رغماً عمّا يعوقُ هذا الحبّ بقلم: فراس حج ...

الرسالة 50 “لا يفلح كاتب يتندر على قارئه” / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الخمسون لا يفلح كاتب يتندر على قارئه بقلم: فراس حج محمد/ ...

الرسالة 49 (هل سيغضبُ منّي الناشرون؟ / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة التاسعة والأربعون هل سيغضبُ منّي الناشرون؟ فراس حج محمد/ فلسطين ــــــــــــــ ...

الرسالة 48 (لماذا أنا ضائعٌ إلى هذه الدرجة من البؤس؟) / بقلم: فراس حج محمد

الرسالة الثامنة والأربعون لماذا أنا ضائعٌ إلى هذه الدرجة من البؤس؟ بقلم: ...

قدر بلا معنى/ بقلم: سامح ادور سعدالله 

قدر بلا معنى/ بقلم: سامح ادور سعدالله  ــــــــــــــــــ خرج الطفل الصغير, ذو ...