أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / مقالات / هل يذكر فيل السيرك خبز القامشلي؟ / بقلم: نغوين موسى

هل يذكر فيل السيرك خبز القامشلي؟ / بقلم: نغوين موسى

                  هل يذكر فيل السيرك خبز القامشلي؟

بقلم: نغوين موسى

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

كنت في الخامسة من العمر، حين ذهبت لزيارة عمي في مدينة القامشلي برفقة والدي، ونمنا تلك الليلة وأنا أفكر بحديث ابن عمي عن السيرك الذي يقدم عروضه في المدينة، وذهوله للدجاجة التي تقود الدراجة، والفتيات اللواتي يلاعبن النمور بلا خوف، والقرود المضحكة.

كنت أستمع إليه وقد جعلني الحماس أنام تلك الليلة وأحلم بعالم ملون، وخيمة ضخمة تحوي داخلها هذا العالم المروض من أحصنة بيضاء تحمل على ظهورها فتيات نحيلات بثياب بيضاء تشبه ثياب راقصات الباليه، ونموراً تتصرف كالقطط اللطيفة، زرافة تخرج رقبتها الطويلة من فتحة في الخيمة، استيقظت صباحاً وأنا أحلم برؤية العرض، وتجهزت للعودة.

لكن ما حدث في الطريق كان أجمل من الحلم، كان قد تجمع عدد من الأطفال أمام فتحة صغيرة في إحدى الجدران الإسمنتية ليناديني أبي كي أنظر من خلالها أسوة بالصغار المتجمعين ويا للهول إنه فيل ضخم! فيل حقيقي بقدمين ضخمتين، وأذنين واسعتين، وخرطوم طويل كان يستخدمه بكل رشاقة لالتقاط قطع الخبز التي يرميها إليه الأطفال ويضعها في فمه، ليناولني أحدهم قطعة من خبزه لأقوم برميها للفيل الجائع. أخذتها ورميتها إليه ليتناولها ويرمقني بنظرة شكر من عينيه الصغيرتين لأنطلق بعدها، تاركة خلفي الصغار وهم يطعمونه من خبز فطورهم وأنا ألتفت إليهم بين الحين والآخر.

نعم كانت القامشلي من أجمل المدن في المنطقة، وكانت حلم الجميع بالعيش فيها مدينة تحمل في صدرها قلب بلدة، تجمع على صدرها الناس من كل الأديان، والقوميات، والبلدات والقرى، تعيش فيها حراً وكأنك في مدينة كبيرة، لكن بشعور الأمان والألفة التي تعطيها لك البلدات والقرى الصغيرة، نعم كانت تجمع الثقافة والمعرفة، بالإضافة للطيبة المتناهية. تستطيع أن تكون سعيداً فيها سواء كنت من حملة الشهادات الجامعية، أم تاركاً مقاعد الدراسة منذ الصف الثاني سواء كنت فقيراً، أم غنياً، الجميع سيكون صديقاً لك وسيحبك، حتى سميت «مدينة الحب».

لكن أهدافي في أن أسكن فيها وأنا ابنة خمس سنوات كانت مختلفة، كنت أرغب بالإقامة قرب الفيل اللطيف! وزيارته وإطعامه الخبز. وكبرت وأنا أحلم بالسكن في تلك المدينة الحلم فهي المدينة التي نؤمها قبل العيد لشراء ثياب العيد، وقبل رأس السنة لشراء بطاقات المعايدة والهدايا البسيطة التي سنهديها لأصدقائنا، ودوماً نلتقي بأحد أقاربنا أو أصدقائنا في السوق الطويل لنقف قليلاً ونتحدث بسعادة، نعم كانت هذه المدينة تبعث على السعادة ولا أعرف لماذا كنت أحب أن آخذ تذكاراً بعد كل زيارة، بطاقة بريدية، خاتم فضي، مجلة فنية، وكأن المدينة هي من تهديني إياه.

أما ما حدث الآن بعد أكثر من خمسة عشر سنة مرت على آخر زيارة لي للمدينة، قامت أمس بصفعي بقوة لتسألني: أين أضعت الخاتم الفضي الذي أهديتك إياه؟ أين المجلة التي اشتريتها لك؟ أين بطاقتي البريدية التي لم تبعثيها حتى الآن؟ أين قلبك؟ لقد بكيت أمس لم تبكِ عيناي، بل كان قلبي من بكى، كانت خيمة السيرك الذي حلمت بها تلك الليلة، بألوانها المشرقة وكل ساكنيها بمن فيهم الزرافة، قد تمزقت وانهار الجدار الإسمنتي الذي كان يحوي صديقي الفيل، لقد مرت شاحنة الموت لتدمر تلك البقعة بمن فيها وضاعت آلاف الأحلام والأمنيات بين النار والبارود، تَيَتَّم الأطفال، وترملت النساء، وثكلت الأمهات، وبكى الرجال! وربما كان الصغير الذي أعطاني قطعة خبزه بينهم! أصبح الآن رجلاً وها هو يركض هنا وهناك ينقذ الأطفال العالقين تحت الأنقاض، ليقدم لهم الخبز الساخن في آخر هذا النهار الدامي، خبز القامشلي الحزين على الذين رحلوا دون وداع.

 

سؤال: لو يرى فيل السيرك ذاك ما حدث لمن أطعمه من خبزه يوماً، أكان سيعاود أكل الخبز مرة أخرى؟ إنه ليس مجرد سؤال!

عن Khalid Dêrik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Nour Al Abdullah Zürich Texte ohne Grenzen

Nour Al Abdullah im Kulturmarkt: „Ich will spüren, dass ich noch träume„

Bericht: Khalid Dêrik Am 1. April 2026 fand im Kulturmarkt in Zürich ...

لَا وَدَاعَ أَخِير / عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسَكِي

  هَلِ الْقَلْبُ وَالرُّوحُ وَالنُّهَى تَتَذَكَّرُ الْجُرُوحَ يَنْبِضُ الْقَلْبُ شَوْقًا بَيْنَ بَدَايَةٍ ...

إحياء القارئ الكامن: رؤى تطبيقية من واقع القراءة في السياق المدرسي

فراس حج محمد| فلسطين منذ مدة طويلة لم أقرأ كتاباً بهذه الكيفية ...

من سيعيد ترتيبك! / د. ريم النقري

حين تعيد ترتيبهم فلتدرك ذاتك الحقيقيّة باستدارة غرّاء ذاتك التي كنت تدلف ...

gamdom
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
gamdom
gamdom
gamdom giriş
Gamdom
en iyi casino
en iyi canlı bahis
türkçe bahis siteleri
casino siteleri