أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / آراء قكرية ونقدية / “حين تكون الغواية رفات قصيدة” نص “غواية” للشاعرة ريم النقري / بقلم: مراد اللحياني

“حين تكون الغواية رفات قصيدة” نص “غواية” للشاعرة ريم النقري / بقلم: مراد اللحياني

“حين تكون الغواية رفات قصيدة”

قراءة عاشقة في نص “غواية”  للشاعرة ريم النقري

بقلم الناقد: مراد اللحياني

 

في اللحظة التي تتصادف فيها عيناي مع كلمات ريم النقري، أشعر أنني أقف على شفير هوّة عميقة، لا أعرف إن كنت سأهوي فيها أم سأتعلم الطيران. “غواية” ليست قصيدة تقرأ، بل هي حالة تعاش، هي ذلك الشعور الذي ينتابك عندما تضع يدك على مكان الجرح فتتذكر كيف كان الألم جميلاً. وأول ما يستوقفني فيها هو ذلك النداء الذي يفتتحها: “وحدكَ الطّفرةُ التي تقتنصني من سرايا الاغتراب”. تأمل معي كلمة “الطفرة” كيف تحمل في جوفها شيئاً من العنف المفاجئ، من الخروج عن المألوف، من القفز فوق كل الحواجز. ليست وثبة ولا قفزة، بل طفرة، كأنها حدث بيولوجي في جسد الوجود، تحوّل مفاجئ في الخريطة الجينية للروح. وهذه الطفرة هي التي تقتنصها من “سرايا الاغتراب”. والسريا هنا ليست مجرد جمع سرية، بل هي تلك التجمعات السرية التي تنتمي إليها رغماً عنها، تلك الجماعات التي تتخذ من الاغتراب وطناً ومن الغربة هوية. وكأن الشاعرة كانت مقاتلة في جيش الاغتراب، تخدم قضية لا تؤمن بها، حتى جاءت هذه الطفرة فانتزعتها انتزاعاً. لكن الملاحظ أن فعل الاقتناص يأتي من الصيد، من تلك اللعبة القاتلة بين الصائد والفريسة، فهل هي فريسة أم صائدة؟ أم أنها الاثنان معاً؟ هذا التوتر الأول في القصيدة يخلق لدينا حالة من الترقب، وكأننا ندخل عالماً تنقلبت فيه الأدوار.

 

ثم يمضي الخطاب ليكشف عن علاقة أعمق: “وحدكَ العارفُ بأسرار قصائدي تشاطرني الهداية إلى الهوية لتصبح رفات قصيدة”. هنا يتحول الحبيب من طفرة اقتناص إلى عارف بالأسرار. والملاحظ أن الشاعرة لم تقل “تعرف أسرار قصائدي” بل قالت “العارف بأسرار قصائدي”، أي أن المعرفة هنا ليست معرفة عابرة، بل هي صفة لازمة، هي جزء من كينونته. إنه العارف، وهي صيغة تشبه الأسماء الحسنى، كأنه إله صغير يعرف ما تخفيه الصدور. ثم تأتي المشاركة: “تشاطرني الهداية إلى الهوية”. المشاركة هنا ليست مجرد مرافقة، بل هي تشاطر، أي اقتسام، وكأن الطريق إلى الهوية كان رغيفاً يقسمانه بينهما. والهداية إلى الهوية هي أعمق ما يمكن أن تبحث عنه ذات بشرية، إنها البحث عن ذلك الشيء الذي يجعل منك كياناً مميزاً، ذلك السر الخفي الذي يميزك عن ملايين البشر. لكن المفاجأة أن نهاية هذه الهداية، نهاية هذا البحث المشترك، هو أن تصبح هي نفسها “رفات قصيدة”. ليست قصيدة مكتملة، بل رفاتها، بقاياها، ما تبقى منها بعد أن احترقت. إنه الموت المجازي، الموت في القصيدة وبالقصيدة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كانت الهداية إلى الهوية هي هداية إلى الموت؟ أم أن الهوية نفسها لا تتحقق إلا بالفناء؟ في الصوفية، لا يتحقق الاتحاد إلا بالفناء في المحبوب، وهنا الفناء في القصيدة، في الكتابة، في الكلمات.

 

هذا التداخل بين الحب والكتابة، بين العشق والقصيدة، يتعمق أكثر في المقطع التالي: “وأنا اقترفُ فيكَ غواية اللجوء بعد كلّ قصفة نبضٍ”. تأمل فعل “اقترف” كيف يحمل في طياته معنى الإتيان بفعل غير مسبوق، فعل يخرج عن المألوف. وهي تقترف في الحبيب “غواية اللجوء”. واللجوء بطبيعته هو بحث عن ملاذ آمن، لكن جعله “غواية” يحوّله إلى إغراء، إلى خطيئة، إلى شيء لا يمكن فعله دون شعور بالذنب. إنها تبحث عن ملاذ آمن لكنها تشعر أنها تقترف ذنباً وهي تفعل ذلك. وهذا التناقض يعكس حالة العشق الحقيقية، حيث يصبح الأمن نفسه مصدر قلق، ويصبح الملاذ نفسه متاهة. وهذا الاقتراف يتكرر “بعد كل قصفة نبضٍ”. النبض هنا ليس مجرد دقات قلب، بل هو قصفة، أي صوت انفجار، صوت مدفع، صوت حرب. كل نبضة هي معركة صغيرة، وبعد كل معركة تعود هي لترتكب هذه الغواية من جديد. إنها حلقة لا نهائية: حرب ثم لجوء، قصفة ثم غواية، موت ثم حياة.

 

ثم تأتي الصورة الأكثر كثافة في القصيدة: “فحبّنا قضيّة مثقوبة تجرعت عويل الغضب”. القضية في اللغة هي الأمر الذي يُنظر فيه ويُحكم عليه، وهي في القانون الدعوى التي ترفع إلى المحكمة. لكنها هنا “مثقوبة”، مثقوبة كالدلو الذي لا يحتفظ بالماء، مثقوبة كالثوب الذي لا يستر العورة، مثقوبة كالقضية التي لا يمكن الفصل فيها. وهذا الحب المثقوب “تجرع عويل الغضب”. التجريع هو الإكراه على الشرب، كأن الحب كان كأساً من العويل أجبرت على شربه حتى النهاية. وعويل الغضب ليس بكاءً عادياً، بل هو صراخ الثائر، هو صوت من يرفض أن يهدأ، صوت من يرفض أن ينسى. إنه غضب يتحول إلى عويل، وعويل يتحول إلى غضب، في دائرة لا تنتهي من الألم والرفض.

 

هذه القضية المثقوبة التي تجرعت عويل الغضب، تتحول إلى علاقة اغتيال متبادل: “تغتالني عشقا بطوليّا حتى النّخاع”. الاغتيال هنا ليس قتلاً عادياً، بل هو قتل بالعشق، أي أن العشق نفسه هو الأداة وهو الجريمة. وهو “بطولي” لأن البطولة تكمن في هذا الاغتيال، كأن الشاعرة تفتخر بهذا الموت، كأنها ترى في هذا الفناء انتصاراً. وهي تغتال “حتى النخاع”، أي حتى آخر نقطة في الكيان، حتى آخر خلية في الجسد. والنخاع هو لب العظم، هو أعمق ما في الإنسان، وهو أيضاً مصنع الدماء، مصنع الحياة. فالاغتيال يصل إلى مصنع الحياة نفسه، فيحول الدم إلى عشق، والحياة إلى موت.

 

وهنا تأني النتيجة المذهلة: “ليجهضني الموت حسرة فرح”. إجهاض الموت للحياة هو من أغرب الصور التي يمكن أن تصادفها في الشعر. الموت الذي يفترض أنه نهاية الحياة، يصبح هنا سبباً في إجهاضها، أي في قطعها قبل اكتمالها. وكأن الحياة كانت جنيناً في رحم الزمن، والموت جاء ليسقطها قبل أن تولد. لكن هذا الإجهاض يأتيها على هيئة “حسرة فرح”. الحسرة هي ألم الفقد، والفرح هو بهجة الوجود، فكيف يجتمعان؟ إنها تلك اللحظة التي تبلغ فيها الذروة فتهوي، تلك اللحظة التي يكتمل فيها الفرح فيتحول إلى حسرة. في التراث الصوفي، تسمى هذه اللحظة “التجلي” حيث يتجلى الله للعبد فيموت العبد من شدة الجمال، ثم يبعث من جديد. هنا أيضاً، الموت بالعشق هو موت مؤقت، هو إجهاض للحياة القديمة ليولد من جديد.

بعد هذا الموت الإجهاضي، بعد هذه الحسرة الممزوجة بالفرح، تعود الشاعرة إلى الحياة: “فأطفو على عتبات مجهولة”. الطفو هو العوم على سطح الماء، وهو حركة غير إرادية، حركة من لا يملك قراره. وهي تطفو على “عتبات مجهولة”، أي على مداخل لا تعرفها، على أبواب لم تطأها من قبل. وهي بين بين، بين الداخل والخارج، بين الحياة والموت، بين المعرفة والجهل. وهذه العتبات المجهولة تذكرنا بعتبات المعابد القديمة، حيث كان الوافد الجديد يقف قبل أن يدخل، يترك خلفه عالمه القديم، ويستعد لعالم جديد لا يعرفه. وهي تطفو لا تمشي، كأنها فقدت القدرة على الحركة الإرادية، كأنها أصبحت لعبة التيارات.

 

ثم يأتي الختام: “ليسخر من غوايتي المحمّلة بالانكسار حضارة كبرياء”. من الذي يسخر؟ لا نعرف، لكن السخرية قادمة من “حضارة كبرياء”. وهذه الحضارة المتكبرة تنظر إلى غوايتها المحملة بالانكسار فتجده موضوعاً للسخرية. والغواية هنا “محملة بالانكسار”، أي أنها تحمل انكسارها معها، كأن الانكسار ليس نتيجة للغواية بل هو جزء منها، هو حمولتها، هو ما تحمله على ظهرها كالجندي المحمّل بجراحه. وهذه الحمولة الثقيلة من الانكسار تواجه حضارة قائمة على الكبرياء، حضارة لا تعرف الانكسار، حضارة تتعالى على الآلام الفردية، فتسخر منها. وهذه السخرية هي أقسى ما يمكن أن يواجهه العاشق: أن يرى عالمه الداخلي، بكل ما فيه من ألم وجمال، موضع سخرية من عالم خارجي متكبر لا يفهم.

 

ما يلفت الانتباه في هذه القصيدة هو هذه الشبكة المعقدة من العلاقات بين الكلمات. لاحظ كيف تتنقل الشاعرة بين معجم الحرب: اقتناص، سرايا، قصفة، تغتال، يجهضني. وبين معجم الدين: الهداية، العارف، الاقتراف. وبين معجم الموت: رفات، تغتال، يجهضني، الموت. هذا التداخل بين المعاجم يخلق عالماً شعرياً خاصاً، حيث الحب هو حرب، والموت هو حياة، والذنب هو خلاص. كل شيء يتحول إلى نقيضه، وكل شيء يحمل في داخله ضده.

 

ثم هناك لعبة الضمائر: الخطاب كله موجه إلى “أنت” مفرد، وهذا “أنت” حاضر في كل مقطع تقريباً. لكن من هو هذا “أنت”؟ هل هو حبيب حقيقي؟ أم هو الشعر نفسه؟ أم هي الكتابة؟ أم هو الله؟ هذا الإبهام مقصود، لأن القصيدة ترفض التحديد، ترفض أن تكون حباً عادياً لشخص عادي. إنها تتحدث عن الحب بوصفه تجربة وجودية شاملة، تجربة تعيد تشكيل الذات والهوية والعالم.

 

والملاحظ أيضاً أن الشاعرة تستخدم صيغاً دينية في غير سياقها الديني: “العارف بأسرار قصائدي” تحيل إلى العارف بالله في التصوف. “الهداية إلى الهوية” تحيل إلى الهداية إلى الله. “اقترف” تحيل إلى اقتراف الذنب. هذا الاستخدام يحوّل تجربة الحب إلى تجربة صوفية، تجربة بحث عن الإله، لكن الإله هنا هو الحبيب، والهوية هي المعادلة الصعبة التي لا تحل إلا بالفناء.

 

في البنية الإيقاعية للقصيدة، نلاحظ أن الشاعرة تعتمد على الإيقاع الداخلي أكثر من الإيقاع الخارجي. التكرارات: “وحدك” في البداية، “غواية” في العنوان وفي المقطع الأخير، “عشقا” في الوسط. هذه التكرارات تخلق نسيجاً موسيقياً خاصاً، يعيدك إلى نقطة البداية بعد كل انعطافة. كما أن توزيع الجمل على السطور له إيقاعه الخاص: جمل طويلة تمتد على سطرين أو ثلاثة، ثم جمل قصيرة قاطعة مثل “رفات قصيدة” و”حضارة كبرياء”. هذا التناوب بين الامتداد والقطع يخلق توتراً إيقاعياً يشبه توتر المشاعر نفسها.

 

ثم هناك لعبة المفارقات التي تتخلل القصيدة: الطفرة التي تقتنص، الهداية إلى الهوية التي تنتهي بالرفات، الاقتراف الذي هو لجوء، القصفة التي هي نبض، الاغتيال الذي هو عشق، الموت الذي يجهض، الفرح الذي هو حسرة. هذه المفارقات ليست مجرد ألعاب لفظية، بل هي تعبير عن رؤية وجودية ترى أن الأشياء تحمل أضدادها في داخلها، وأن الحب الحقيقي هو الذي يجمع بين النقيضين.

 

وإذا تأملنا حركة الذات في القصيدة، نجد أنها تنتقل من الاغتراب إلى الطفرة، ثم إلى الهداية، ثم إلى الرفات، ثم إلى الاقتراف، ثم إلى الاغتيال، ثم إلى الإجهاض، ثم إلى الطفو على العتبات، وأخيراً إلى مواجهة حضارة الكبرياء. إنها رحلة وجودية كاملة، رحلة بحث عن الذات تنتهي بالفناء، ثم تعود من الفناء إلى عتبة جديدة، حيث تكتشف أن كل ما عاشته كان موضوع سخرية من عالم متكبر. لكن هذه السخرية لا تلغي التجربة، بل تزيدها مرارة وعمقاً.

 

في قراءة متأنية للصوت الأنثوي في القصيدة، نجد أن الشاعرة تكتب من داخل جسدها، من داخل أنوثتها، لكنها لا تقدم نفسها كأنثى تقليدية. إنها أنثى تقاتل، أنثى تقترف، أنثى تغتال وتُغتال، أنثى تجهض وتُجهض. هذه الأنثى ليست ضحية، بل هي فاعلة في دراما الوجود. حتى حين تقول “تغتالني” فهي تشارك في الاغتيال، هي تقبل به، هي تفتخر به. وهذا الموقف الأنثوي يختلف عن الصورة النمطية للمرأة العاشقة التي تتلقى الحب فقط. إنها تصنع الحب، تصنع الغواية، تصنع الموت.

 

وإذا عدنا إلى العنوان “غواية”، نجده يحمل كل هذه التناقضات. الغواية في اللغة هي الضلال، هي الخروج عن الطريق المستقيم. لكنها في الصوفية هي المرحلة التي تسبق الهداية، هي ذلك الضلال الضروري للوصول إلى الحق. وفي القصيدة، الغواية هي الحب، هي اللجوء، هي الاقتراف، هي كل ما تفعله الشاعرة. إنها تغوي وتُغوى، تضل وتُضل، تبحث عن الطريق في قلب الضلال.

 

في النهاية، تبقى هذه القصيدة واحدة من تلك النصوص التي لا تنتهي عند حدودها، بل تمتد في القارئ، تعيش فيه، تجعله يعيد قراءة نفسه من خلالها. إنها قصيدة عن الحب، لكنها عن الموت أيضاً، عن الوجود، عن الكتابة، عن الأنوثة، عن الحرب والسلم، عن الاغتراب والانتماء. كل قارئ سيجد فيها شيئاً من نفسه، لكنه سيجد أيضاً شيئاً أكبر منه، شيئاً يتجاوزه إلى آفاق لا يراها عادة.

 

هكذا هي ريم النقري في “غوايتها”، تكتب لتحفر في اللغة جرحاً لا يندمل، تكتب لتبقى الكلمات شاهدة على أن العشق الحقيقي لا يمر دون أن يترك أثره، دون أن يتحول إلى رفات قصيدة، أو إلى

غواية محملة بالانكسار تواجه حضارة لا تفهم سوى لغة الكبرياء

النّصّ :

 

غواية

 

وحدكَ الطّفرةُ التي تقتنصني

من سرايا الاغتراب

 

وحدكَ العارفُ بأسرار قصائدي

تشاطرني الهداية إلى الهوية

لتصبح

رفات قصيدة

 

وأنا اقترفُ فيكَ

غواية اللجوء

بعد كلّ قصفة نبضٍ

 

فحبّنا قضيّة مثقوبة

تجرعت عويل الغضب

 

تغتالني عشقا بطوليّا

حتى النّخاع

ليجهضني الموت حسرة فرح

 

فأطفو  على عتبات مجهولة

ليسخر من غوايتي

المحملّة بالانكسار

حضارة  كبرياء

 

ريم النقري.يا من جعلت من# الغواية وطنا

ومن عطرها سكنا

ومن خطابها مصنع حياة

من انكسارها مطر حضارة

امتناني الكبير ولا يكفي ايها العظيم

الاستاذ والناقد التونسي مراد اللحياني ..

شكرا لياسمين تونس الذي عانق ياسمين الشام بهذا الشموخ

 

“حين تكون الغواية رفات قصيدة”

قراءة عاشقة في نص “غواية”  للشاعرة :ريم النقري

بقلم الأستاذالشاعر والناقد:

مراد اللحياني

 

في اللحظة التي تتصادف فيها عيناي مع كلمات ريم النقري، أشعر أنني أقف على شفير هوّة عميقة، لا أعرف إن كنت سأهوي فيها أم سأتعلم الطيران. “غواية” ليست قصيدة تقرأ، بل هي حالة تعاش، هي ذلك الشعور الذي ينتابك عندما تضع يدك على مكان الجرح فتتذكر كيف كان الألم جميلاً. وأول ما يستوقفني فيها هو ذلك النداء الذي يفتتحها: “وحدكَ الطّفرةُ التي تقتنصني من سرايا الاغتراب”. تأمل معي كلمة “الطفرة” كيف تحمل في جوفها شيئاً من العنف المفاجئ، من الخروج عن المألوف، من القفز فوق كل الحواجز. ليست وثبة ولا قفزة، بل طفرة، كأنها حدث بيولوجي في جسد الوجود، تحوّل مفاجئ في الخريطة الجينية للروح. وهذه الطفرة هي التي تقتنصها من “سرايا الاغتراب”. والسريا هنا ليست مجرد جمع سرية، بل هي تلك التجمعات السرية التي تنتمي إليها رغماً عنها، تلك الجماعات التي تتخذ من الاغتراب وطناً ومن الغربة هوية. وكأن الشاعرة كانت مقاتلة في جيش الاغتراب، تخدم قضية لا تؤمن بها، حتى جاءت هذه الطفرة فانتزعتها انتزاعاً. لكن الملاحظ أن فعل الاقتناص يأتي من الصيد، من تلك اللعبة القاتلة بين الصائد والفريسة، فهل هي فريسة أم صائدة؟ أم أنها الاثنان معاً؟ هذا التوتر الأول في القصيدة يخلق لدينا حالة من الترقب، وكأننا ندخل عالماً تنقلبت فيه الأدوار.

 

ثم يمضي الخطاب ليكشف عن علاقة أعمق: “وحدكَ العارفُ بأسرار قصائدي تشاطرني الهداية إلى الهوية لتصبح رفات قصيدة”. هنا يتحول الحبيب من طفرة اقتناص إلى عارف بالأسرار. والملاحظ أن الشاعرة لم تقل “تعرف أسرار قصائدي” بل قالت “العارف بأسرار قصائدي”، أي أن المعرفة هنا ليست معرفة عابرة، بل هي صفة لازمة، هي جزء من كينونته. إنه العارف، وهي صيغة تشبه الأسماء الحسنى، كأنه إله صغير يعرف ما تخفيه الصدور. ثم تأتي المشاركة: “تشاطرني الهداية إلى الهوية”. المشاركة هنا ليست مجرد مرافقة، بل هي تشاطر، أي اقتسام، وكأن الطريق إلى الهوية كان رغيفاً يقسمانه بينهما. والهداية إلى الهوية هي أعمق ما يمكن أن تبحث عنه ذات بشرية، إنها البحث عن ذلك الشيء الذي يجعل منك كياناً مميزاً، ذلك السر الخفي الذي يميزك عن ملايين البشر. لكن المفاجأة أن نهاية هذه الهداية، نهاية هذا البحث المشترك، هو أن تصبح هي نفسها “رفات قصيدة”. ليست قصيدة مكتملة، بل رفاتها، بقاياها، ما تبقى منها بعد أن احترقت. إنه الموت المجازي، الموت في القصيدة وبالقصيدة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كانت الهداية إلى الهوية هي هداية إلى الموت؟ أم أن الهوية نفسها لا تتحقق إلا بالفناء؟ في الصوفية، لا يتحقق الاتحاد إلا بالفناء في المحبوب، وهنا الفناء في القصيدة، في الكتابة، في الكلمات.

 

هذا التداخل بين الحب والكتابة، بين العشق والقصيدة، يتعمق أكثر في المقطع التالي: “وأنا اقترفُ فيكَ غواية اللجوء بعد كلّ قصفة نبضٍ”. تأمل فعل “اقترف” كيف يحمل في طياته معنى الإتيان بفعل غير مسبوق، فعل يخرج عن المألوف. وهي تقترف في الحبيب “غواية اللجوء”. واللجوء بطبيعته هو بحث عن ملاذ آمن، لكن جعله “غواية” يحوّله إلى إغراء، إلى خطيئة، إلى شيء لا يمكن فعله دون شعور بالذنب. إنها تبحث عن ملاذ آمن لكنها تشعر أنها تقترف ذنباً وهي تفعل ذلك. وهذا التناقض يعكس حالة العشق الحقيقية، حيث يصبح الأمن نفسه مصدر قلق، ويصبح الملاذ نفسه متاهة. وهذا الاقتراف يتكرر “بعد كل قصفة نبضٍ”. النبض هنا ليس مجرد دقات قلب، بل هو قصفة، أي صوت انفجار، صوت مدفع، صوت حرب. كل نبضة هي معركة صغيرة، وبعد كل معركة تعود هي لترتكب هذه الغواية من جديد. إنها حلقة لا نهائية: حرب ثم لجوء، قصفة ثم غواية، موت ثم حياة.

 

ثم تأتي الصورة الأكثر كثافة في القصيدة: “فحبّنا قضيّة مثقوبة تجرعت عويل الغضب”. القضية في اللغة هي الأمر الذي يُنظر فيه ويُحكم عليه، وهي في القانون الدعوى التي ترفع إلى المحكمة. لكنها هنا “مثقوبة”، مثقوبة كالدلو الذي لا يحتفظ بالماء، مثقوبة كالثوب الذي لا يستر العورة، مثقوبة كالقضية التي لا يمكن الفصل فيها. وهذا الحب المثقوب “تجرع عويل الغضب”. التجريع هو الإكراه على الشرب، كأن الحب كان كأساً من العويل أجبرت على شربه حتى النهاية. وعويل الغضب ليس بكاءً عادياً، بل هو صراخ الثائر، هو صوت من يرفض أن يهدأ، صوت من يرفض أن ينسى. إنه غضب يتحول إلى عويل، وعويل يتحول إلى غضب، في دائرة لا تنتهي من الألم والرفض.

 

هذه القضية المثقوبة التي تجرعت عويل الغضب، تتحول إلى علاقة اغتيال متبادل: “تغتالني عشقا بطوليّا حتى النّخاع”. الاغتيال هنا ليس قتلاً عادياً، بل هو قتل بالعشق، أي أن العشق نفسه هو الأداة وهو الجريمة. وهو “بطولي” لأن البطولة تكمن في هذا الاغتيال، كأن الشاعرة تفتخر بهذا الموت، كأنها ترى في هذا الفناء انتصاراً. وهي تغتال “حتى النخاع”، أي حتى آخر نقطة في الكيان، حتى آخر خلية في الجسد. والنخاع هو لب العظم، هو أعمق ما في الإنسان، وهو أيضاً مصنع الدماء، مصنع الحياة. فالاغتيال يصل إلى مصنع الحياة نفسه، فيحول الدم إلى عشق، والحياة إلى موت.

 

وهنا تأني النتيجة المذهلة: “ليجهضني الموت حسرة فرح”. إجهاض الموت للحياة هو من أغرب الصور التي يمكن أن تصادفها في الشعر. الموت الذي يفترض أنه نهاية الحياة، يصبح هنا سبباً في إجهاضها، أي في قطعها قبل اكتمالها. وكأن الحياة كانت جنيناً في رحم الزمن، والموت جاء ليسقطها قبل أن تولد. لكن هذا الإجهاض يأتيها على هيئة “حسرة فرح”. الحسرة هي ألم الفقد، والفرح هو بهجة الوجود، فكيف يجتمعان؟ إنها تلك اللحظة التي تبلغ فيها الذروة فتهوي، تلك اللحظة التي يكتمل فيها الفرح فيتحول إلى حسرة. في التراث الصوفي، تسمى هذه اللحظة “التجلي” حيث يتجلى الله للعبد فيموت العبد من شدة الجمال، ثم يبعث من جديد. هنا أيضاً، الموت بالعشق هو موت مؤقت، هو إجهاض للحياة القديمة ليولد من جديد.

بعد هذا الموت الإجهاضي، بعد هذه الحسرة الممزوجة بالفرح، تعود الشاعرة إلى الحياة: “فأطفو على عتبات مجهولة”. الطفو هو العوم على سطح الماء، وهو حركة غير إرادية، حركة من لا يملك قراره. وهي تطفو على “عتبات مجهولة”، أي على مداخل لا تعرفها، على أبواب لم تطأها من قبل. وهي بين بين، بين الداخل والخارج، بين الحياة والموت، بين المعرفة والجهل. وهذه العتبات المجهولة تذكرنا بعتبات المعابد القديمة، حيث كان الوافد الجديد يقف قبل أن يدخل، يترك خلفه عالمه القديم، ويستعد لعالم جديد لا يعرفه. وهي تطفو لا تمشي، كأنها فقدت القدرة على الحركة الإرادية، كأنها أصبحت لعبة التيارات.

 

ثم يأتي الختام: “ليسخر من غوايتي المحمّلة بالانكسار حضارة كبرياء”. من الذي يسخر؟ لا نعرف، لكن السخرية قادمة من “حضارة كبرياء”. وهذه الحضارة المتكبرة تنظر إلى غوايتها المحملة بالانكسار فتجده موضوعاً للسخرية. والغواية هنا “محملة بالانكسار”، أي أنها تحمل انكسارها معها، كأن الانكسار ليس نتيجة للغواية بل هو جزء منها، هو حمولتها، هو ما تحمله على ظهرها كالجندي المحمّل بجراحه. وهذه الحمولة الثقيلة من الانكسار تواجه حضارة قائمة على الكبرياء، حضارة لا تعرف الانكسار، حضارة تتعالى على الآلام الفردية، فتسخر منها. وهذه السخرية هي أقسى ما يمكن أن يواجهه العاشق: أن يرى عالمه الداخلي، بكل ما فيه من ألم وجمال، موضع سخرية من عالم خارجي متكبر لا يفهم.

 

ما يلفت الانتباه في هذه القصيدة هو هذه الشبكة المعقدة من العلاقات بين الكلمات. لاحظ كيف تتنقل الشاعرة بين معجم الحرب: اقتناص، سرايا، قصفة، تغتال، يجهضني. وبين معجم الدين: الهداية، العارف، الاقتراف. وبين معجم الموت: رفات، تغتال، يجهضني، الموت. هذا التداخل بين المعاجم يخلق عالماً شعرياً خاصاً، حيث الحب هو حرب، والموت هو حياة، والذنب هو خلاص. كل شيء يتحول إلى نقيضه، وكل شيء يحمل في داخله ضده.

 

ثم هناك لعبة الضمائر: الخطاب كله موجه إلى “أنت” مفرد، وهذا “أنت” حاضر في كل مقطع تقريباً. لكن من هو هذا “أنت”؟ هل هو حبيب حقيقي؟ أم هو الشعر نفسه؟ أم هي الكتابة؟ أم هو الله؟ هذا الإبهام مقصود، لأن القصيدة ترفض التحديد، ترفض أن تكون حباً عادياً لشخص عادي. إنها تتحدث عن الحب بوصفه تجربة وجودية شاملة، تجربة تعيد تشكيل الذات والهوية والعالم.

 

والملاحظ أيضاً أن الشاعرة تستخدم صيغاً دينية في غير سياقها الديني: “العارف بأسرار قصائدي” تحيل إلى العارف بالله في التصوف. “الهداية إلى الهوية” تحيل إلى الهداية إلى الله. “اقترف” تحيل إلى اقتراف الذنب. هذا الاستخدام يحوّل تجربة الحب إلى تجربة صوفية، تجربة بحث عن الإله، لكن الإله هنا هو الحبيب، والهوية هي المعادلة الصعبة التي لا تحل إلا بالفناء.

 

في البنية الإيقاعية للقصيدة، نلاحظ أن الشاعرة تعتمد على الإيقاع الداخلي أكثر من الإيقاع الخارجي. التكرارات: “وحدك” في البداية، “غواية” في العنوان وفي المقطع الأخير، “عشقا” في الوسط. هذه التكرارات تخلق نسيجاً موسيقياً خاصاً، يعيدك إلى نقطة البداية بعد كل انعطافة. كما أن توزيع الجمل على السطور له إيقاعه الخاص: جمل طويلة تمتد على سطرين أو ثلاثة، ثم جمل قصيرة قاطعة مثل “رفات قصيدة” و”حضارة كبرياء”. هذا التناوب بين الامتداد والقطع يخلق توتراً إيقاعياً يشبه توتر المشاعر نفسها.

 

ثم هناك لعبة المفارقات التي تتخلل القصيدة: الطفرة التي تقتنص، الهداية إلى الهوية التي تنتهي بالرفات، الاقتراف الذي هو لجوء، القصفة التي هي نبض، الاغتيال الذي هو عشق، الموت الذي يجهض، الفرح الذي هو حسرة. هذه المفارقات ليست مجرد ألعاب لفظية، بل هي تعبير عن رؤية وجودية ترى أن الأشياء تحمل أضدادها في داخلها، وأن الحب الحقيقي هو الذي يجمع بين النقيضين.

 

وإذا تأملنا حركة الذات في القصيدة، نجد أنها تنتقل من الاغتراب إلى الطفرة، ثم إلى الهداية، ثم إلى الرفات، ثم إلى الاقتراف، ثم إلى الاغتيال، ثم إلى الإجهاض، ثم إلى الطفو على العتبات، وأخيراً إلى مواجهة حضارة الكبرياء. إنها رحلة وجودية كاملة، رحلة بحث عن الذات تنتهي بالفناء، ثم تعود من الفناء إلى عتبة جديدة، حيث تكتشف أن كل ما عاشته كان موضوع سخرية من عالم متكبر. لكن هذه السخرية لا تلغي التجربة، بل تزيدها مرارة وعمقاً.

 

في قراءة متأنية للصوت الأنثوي في القصيدة، نجد أن الشاعرة تكتب من داخل جسدها، من داخل أنوثتها، لكنها لا تقدم نفسها كأنثى تقليدية. إنها أنثى تقاتل، أنثى تقترف، أنثى تغتال وتُغتال، أنثى تجهض وتُجهض. هذه الأنثى ليست ضحية، بل هي فاعلة في دراما الوجود. حتى حين تقول “تغتالني” فهي تشارك في الاغتيال، هي تقبل به، هي تفتخر به. وهذا الموقف الأنثوي يختلف عن الصورة النمطية للمرأة العاشقة التي تتلقى الحب فقط. إنها تصنع الحب، تصنع الغواية، تصنع الموت.

 

وإذا عدنا إلى العنوان “غواية”، نجده يحمل كل هذه التناقضات. الغواية في اللغة هي الضلال، هي الخروج عن الطريق المستقيم. لكنها في الصوفية هي المرحلة التي تسبق الهداية، هي ذلك الضلال الضروري للوصول إلى الحق. وفي القصيدة، الغواية هي الحب، هي اللجوء، هي الاقتراف، هي كل ما تفعله الشاعرة. إنها تغوي وتُغوى، تضل وتُضل، تبحث عن الطريق في قلب الضلال.

 

في النهاية، تبقى هذه القصيدة واحدة من تلك النصوص التي لا تنتهي عند حدودها، بل تمتد في القارئ، تعيش فيه، تجعله يعيد قراءة نفسه من خلالها. إنها قصيدة عن الحب، لكنها عن الموت أيضاً، عن الوجود، عن الكتابة، عن الأنوثة، عن الحرب والسلم، عن الاغتراب والانتماء. كل قارئ سيجد فيها شيئاً من نفسه، لكنه سيجد أيضاً شيئاً أكبر منه، شيئاً يتجاوزه إلى آفاق لا يراها عادة.

 

هكذا هي ريم النقري في “غوايتها”، تكتب لتحفر في اللغة جرحاً لا يندمل، تكتب لتبقى الكلمات شاهدة على أن العشق الحقيقي لا يمر دون أن يترك أثره، دون أن يتحول إلى رفات قصيدة، أو إلى

غواية محملة بالانكسار تواجه حضارة لا تفهم سوى لغة الكبرياء

النّصّ :

 

غواية

 

وحدكَ الطّفرةُ التي تقتنصني

من سرايا الاغتراب

 

وحدكَ العارفُ بأسرار قصائدي

تشاطرني الهداية إلى الهوية

لتصبح

رفات قصيدة

 

وأنا اقترفُ فيكَ

غواية اللجوء

بعد كلّ قصفة نبضٍ

 

فحبّنا قضيّة مثقوبة

تجرعت عويل الغضب

 

تغتالني عشقا بطوليّا

حتى النّخاع

ليجهضني الموت حسرة فرح

 

فأطفو  على عتبات مجهولة

ليسخر من غوايتي

المحملّة بالانكسار

حضارة  كبرياء

 

ريم النقري.

عن Khalid Dêrik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Nour Al Abdullah Zürich Texte ohne Grenzen

Nour Al Abdullah im Kulturmarkt: „Ich will spüren, dass ich noch träume„

Bericht: Khalid Dêrik Am 1. April 2026 fand im Kulturmarkt in Zürich ...

لَا وَدَاعَ أَخِير / عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسَكِي

  هَلِ الْقَلْبُ وَالرُّوحُ وَالنُّهَى تَتَذَكَّرُ الْجُرُوحَ يَنْبِضُ الْقَلْبُ شَوْقًا بَيْنَ بَدَايَةٍ ...

إحياء القارئ الكامن: رؤى تطبيقية من واقع القراءة في السياق المدرسي

فراس حج محمد| فلسطين منذ مدة طويلة لم أقرأ كتاباً بهذه الكيفية ...

من سيعيد ترتيبك! / د. ريم النقري

حين تعيد ترتيبهم فلتدرك ذاتك الحقيقيّة باستدارة غرّاء ذاتك التي كنت تدلف ...

gamdom
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
gamdom
gamdom
gamdom giriş
Gamdom
en iyi casino
en iyi canlı bahis
türkçe bahis siteleri