
من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية
لامار أركندي
لا تزال كلمات والدي تتردد في داخلي كأنها قيلت بالأمس لا في طفولتي البعيدة.
كنت أجلس أمامه أقرأ خواطري المبكرة أتعثر أحياناً وأتجرأ أحياناً أخرى على مفردات أكبر مني كالحرية… الحياة… الثورات الكردية.
وهو يستمع لي بصمت عميق، ثم تتسع ابتسامته كلما أحس أنني اقتربت من المعنى، من جوهر الفكرة، من روح القضية.
وما أن أنتهي حتى يصفق لي طويلاً، ويكرر جملته التي حفرت في وجداني: “يجب أن تدخلي كلية الصحافة… لتكملي مسيرة العائلة.”
لم تكن تلك الكلمات مجرد رغبة أب، بل كانت وصية تاريخ، وامتداد أثرٍ عميق.
لساعات طويلة يحدثني عن ضرورة السير على هذا الدرب، عن مسؤولية الدفاع عن قضية الشعب الكردي، لا بوصفها شعاراً، بل كحياة تُعاش وموقف يُصان. وهكذا، كبرت تلك الفكرة في داخلي، لا كخيار، بل كقدر تشكل منذ نعومة أظافري.
لكن الحياة، كعادتها، لا تسير وفق ما نشتهي.
رحل والدي قبل أن يراني أدخل الجامعة، قبل أن يشهد الخطوة التي طالما حلم بها لي. ومع ذلك، لم يكن غيابه نهاية البداية، بل بدايتها الحقيقية.
دخلت كلية الصحافة، وكأنني أستكمل عنه الحلم، لا أبدأه.
فثابرت على أن القلم سلاحي، الكلمة امتداداً لوصيته.
بعد تخرجي، عدت من دمشق في خضم أزمة وفوضى وانعدام الأمان كانت تعصف بالبلاد، بعد عامين من الغياب فرضتهما الظروف الأمنية التي كانت تخنق العاصمة.
كانت أول زيارة لي ليست لبيت أقرباء أو زيارة أصدقاء الطفولة، بل لقبر والدي. وقفت أمامه، وضعت وثيقة تخرجي على ضريحه بدل إكليل الزهور، وهمست له في خلدي: “حققت جزءاً من حلمك… أصبحت صحفية.” لم يكن ذلك مجرد فعل رمزي، بل كان إعلان وفاء، وعهداً لأبي بالاستمرار.
دخلت عالم الصحافة بصعوبة لم أكن بارعة في اقتناص الفرص، وربما لأني قيدت مبادئي بخطوط حمراء لم أسمح لنفسي بتجاوزها.
رفضت أن أستند إلى اسم عائلتي البدرخانية لأفتح الأبواب المغلقة، بل تعمدت أن أخفي هذا الانتماء، لأثبت أن ما أكتبه هو ما يعرّفني، لا ما أنتمي إليه.
عملت بصمت وراكمت تجربتي عبر الكتابة في القضايا السياسية والاقتصادية والإنسانية وقضايا الإرهاب، ملفات حساسة دفعتني أحياناً إلى حافة الخطر، بل وتلقيت بسببها تهديدات حقيقية بالقتل.
ومع ذلك، لم أتراجع، لأنني كنت أؤمن أن الكلمة الحرة ليست ترفاً، بل مسؤولية.
وبعد سنوات من ولوجي عالم الصحافة جاءت زيارتي الأولى والمتأخرة إلى كردستان والتي لم تكن مجرد عبورٍ في الجغرافيا، بل عودةً إلى أثرٍ لم أعشه كاملاً، بل ورثته من أبي. كنت أسير في شوارعها وكأنني أعرفها مسبقاً، ألتفت إلى الطرقات فأشعر أن خطواتي ليست جديدة، بل امتداد لخطواتٍ والدي التي سبقته إليها فبت اشتم رائحته في كل مكان وكل زاوية، كل حجر، كل ملامح مدينة، كانت تستحضر في داخلي حكاياته التي طالما رواها لي، حتى بدا لي وكأنني أمشي داخل كلماته لا فوق الأرض.
رأيت بعينيّ ما كان يصفه لي، وأسمع صوته في تفاصيل لم ينطق بها أحد سواه.
لم تكن الأماكن غريبة، بل مألوفة على نحوٍ يربك القلب، كأن ما تركه في داخلي سبقني إليها ومهّد لي الطريق. في تلك اللحظات، أدركت أنني لا أزور كردستان للمرة الأولى، بل أستعيدها… كما تركها أبي في داخلي.
هناك في مدينة دهوك التقيت صدفة بصديق قديم لوالدي، مقاتل سابق في صفوف البيشمركة. حين علم أنني من روجافا/ غرب كوردستان، تنهد وقال: “كان لدي صديق من قامشلو… شجاع جداً، كنا نلقبه بكاور… كان يخفي أنه من البدرخانيين.” ذكر اسم والدي (أحمدي بدري) كأنه يستحضره من ساحة معركة لا تزال حية في وجدانه. وبصمتٍ امتزج بالرهبة، أخرجتُ صورة والدي التي لا تفارق محفظتي، وناولتها له.
ما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد لوهلة، واتسعت ملامحه بدهشةٍ عميقة، كأنه التقى بصديقٍ قديم عاد إليه فجأة من بين الغياب.
جلسنا طويلاً، روى لي بحرقة عن بطولات لم أسمعها من قبل. عن معارك خاضها مع والدي، عن شجاعة شخصيات من روجافا وتفانيهم في خدمة ثورة باشور/ جنوب كوردستان، عن رجال قدموا كل ما يملكون من أجل حرية لم تكن لهم وحدهم. أدركت حينها أن والدي لم يكن مجرد أب، بل كان جزءاً من تاريخ حي، من قصة أكبر بكثير مما تخيلت.
لم يمضِ سوى ثلاثة أشهر فقط على عودتي من جنوب كردستان، حتى وصلتني رسالة غير متوقعة عبر صفحتي على “فيسبوك”. لم تكن رسالة عابرة، بل بدت كأنها تحمل امتداداً لما لم يُغلق بعد، وتفتح باباً جديداً في تجربة لم أكن أتوقع عودتها بهذا الشكل.
لم تكن مجرد رسالة عابرة من متابع، بل كانت بوابة فتحت أمامي امتداداً آخر لتجربة لم تنتهِ بعد.
أخبرني صاحب الرسالة، وهو من كرد باشور/ جنوب كوردستان ويتقلد وظيفة في حكومة إقليم كردستان، أنه يعرف بأصولي البدرخانية، وأنه صديق مقرب من ابنة مير جلادت بدرخان، السيدة سينم خان. وحين سألته كيف علم بذلك ليرد: “المهم علمنا”، وحدثني طويلاً عن العائلة التي كثير من أفرادها متفرقون بين مصر والموصل وسوريا وأوروبا وأن معظمهم لا يعرفون بعضهم وليست لديهم معلومات عن مدى القرابة التي تجمعهم ببعضهم.
وفي اليوم التالي، كنت أمام مكالمة فيديو جمعتني بسينم خان.
كانت لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى. رأيت فيها ملامح جدتي، ابتسامة مألوفة، ونبرة دافئة كأنها هي ذاتها قد عادت من الغياب وتناديني باسمي كأنها تعرفني منذ زمن.
بدأت تسألني عن قرانا في باكور/ شمال كوردستان، وعن أقاربي، فوجدت نفسي أستحضر أسماءً كانت ترددها جدتي من والدي لوالدها وأمها وجدها ووالد جدي وغيرهم، كانت جدتي تناديهم باكية حين تستسلم لذكريات الماضي.
وما إن تعرفت على بعض الأسماء حتى أضاء وجهها وابتسمت طويلاً وقالت بثقة: “نعم… هذا صحيح أنا أعرفهم سمعت بهم”.
فطلبت هي من ذاك الشخص أن يريني صور العائلة المعلقة على جدران غرفة الصالون في منزلها، وشجرة العائلة، وبدأت تعرفني على صور شخصيات العائلة بالأسماء، ودعتني لزيارتها في أقرب وقت، وكأن المسافات كلها اختُصرت في تلك اللحظة.
لكن الظروف لم تسمح لي حتى الآن بمعاودة زيارة كردستان مرة أخرى بسبب عملي الإنساني والصحفي، وبقيت تلك الأمنية معلقة بيني وبين امتدادٍ واسع حمله الزمن على جانبي الطريق.
والدي الذي كان يكنى ب_ كاور لم يستغل انتماءه للعائلة البدرخانية، رغم ما يحمله هذا الاسم من ثقل تاريخي بين الكرد عامة.
كان يؤمن أن هذا الانتماء ليس امتيازاً، بل تكليفاً. فالبدرخانيون، الذين عُرفوا يوماً كأمراء للكرد، تركوا إرثاً لا يُورّث بالاسم فقط، بل بالفعل والمسؤولية؛ إرثاً يقوم على خدمة الشعب، لا التفاخر عليه.
واليوم، وأنا أكتب كلماتي الصغيرة، أدرك أنني لم أختر هذا الطريق وحدي. لقد سرت فيه بخطى من سبقوني، بصوت والدي الذي ما زال يرافقني، وبقناعة راسخة أن الكلمة قد تكون أحياناً أقوى من البندقية، وأن الدفاع عن القضية لا يكون فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في سطور تُكتب بصدق… وتُدفع ثمنها بشجاعة.