أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / إبداعات / أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة 6/مادونا عسكر

أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة 6/مادونا عسكر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة

ذات (1)

 

كي تفهم أنسي الحاج عليك أن تصمت وتصغي. فالمتكلّم صامت ومتوغّل في ذاته إلى أبعد حدود. تحتّم جلالة الصّمت إصغاء وفيّاً من القارئ ليتبيّن أعماق أنسي، وليظهر له نقاء أنسي الشّفيف. أنسي الحاج يكتب من صفاء عالمه الممزوج بالألم والوحدة والهروب. فأتت افتتاحيّة القسم الثّاني من كتاب “كان هذا سهواً” نصّاً تجريديّاً احتجبت فيه ذاتيّة أنسي الهاربة من القدر. هكذا يصف ذاته في نصّ “مفتاح القدر”(1): “الرّجل الهارب من قدره الغائص في عذابه، الّذي قرّر ألّا يعود”.

لكنّ هذا الرّجل الهارب من القدر والّذي “كلّما أمعن في الهرب أمعن في العودة”، ينتظر “ابتسامة امرأة لا تعرف الهزيمة”، بل هي المفتاح الّذي سيقتحم القدر ويغيّر حركته كيما يدخل الرّجل الممزّق إلى خدره ملتئم الجراح.

الرّجل الّذي قرّر الهرب من قدره أغلق بابه لكنّه احتفظ بالمفتاح، ما يجعلنا نفهم إمعانه بالعودة كلّما أمعن في الهروب، وما يدلّنا على انتظاره لتلك المرأة المنتصرة بابتسامتها. هذه المرأة تسكن وجدان الشّاعر وليست خارجة عنه، إلّا أنّ بينه وبينها مسافة تيه وانتظار وحبّ. “كان الباب مغلقاً، ومفتاحه في جيب الرّجل، والرّجل تائه في الشّارع، ممزّق بسكّين الخفّة، خفّة امرأة معبودة، مكروهة، جنّيّة لا تعرف ابتسامتها الهزيمة”.

ويعود أنسي الحاج ليؤكّد التّيه والبعد في ما يلي:

“كان الباب مغلقاً والرّجل والمفتاح في التّيه، بعيداً.

والرّجل عازم على الانفصال. والطّوفان غمر العالم.

وجاءت المرأة من بيتها إلى بيته وطرقت الباب فلم يجبها الرّجل.

الرّجل الهارب من قدره الغائص في عذابه، الّذي قرّر ألّا يعود.”

لم يجب الرّجل ليس لأنّه غير موجود بل لأنّه عازم على الهروب، هو حاضر بالجسد وأمّا الأعماق فهاربة. “وظلّت تطرق الباب الّذي ظلّ مغلقاً، فلا أحد في الدّاخل، ولو النّور مضاء”. بالمقابل تبعث لنا هذه الجملة إصرار المرأة على انتشال الكاتب من الطّوفان، من الغرق والامّحاء. هي القدر ومفتاحه، بابتسامتها اللّطيفة القويّة. تؤسّس لما بعد الطّوفان، لرحلة الجمال في أرض جديدة وسماء جديدة.

“وانتظر.  لن تذهب دون أن تراه.” تُراها القدر الّذي قرّر الهروب منه، أم تُراها المخلّصة؟ يندرج مفهوم الانتظار هنا ضمن انتظار الخلاص، إذا ما قارنا مبدأ الانتظار بهروب الكاتب وقراره الصّارم بالبعد. لأنّه “كلّما أمعن في الهرب أمعن في العودة”. الهرب يتّجه نحو الخلاص، والعودة تحاكي الحرّيّة، الحالة الخلاصيّة المنتظرة. فهو ينتظر والمرأة بدورها تنتظر، لكنّها ما لبثت أن “فجأة سحبت من حقيبتها مفاتيحها، مع أنّ مفاتيحها هي لبيتها في بلد آخر، ولا يعقل أن تصلح لهذا البيت.”

“جرّبت المفتاح الأوّل فلم يفتح، والثّاني فلم يفتح، وأمّا الثّالث فقد دار بصعوبة، ولكنّه فتح الباب”. الكاتب ممعن بالهروب والمرأة عازمة على تبديل الحركة الحياتيّة. وإن رمزت المفاتيح إلى أمر فهي ترمز إلى المحاولات المتكرّرة دون ملل، والإصرار على فتح باب الخلاص.

“ولمّا عاد الرّجل الممزّق، وجد بابه مفتوحاً والمرأة في البيت تنتظره، جنّيّة ابتسامتها الّتي لا تعرف الهزيمة.”

———-

(1) مفتاح القدر- ذات- كان هذا سهواً- ص 57.

 

 

 

 

مادونا عسكر/لبنان

شاعرة,ناقدة

 

 

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Nour Al Abdullah Zürich Texte ohne Grenzen

Nour Al Abdullah im Kulturmarkt: „Ich will spüren, dass ich noch träume„

Bericht: Khalid Dêrik Am 1. April 2026 fand im Kulturmarkt in Zürich ...

لَا وَدَاعَ أَخِير / عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسَكِي

  هَلِ الْقَلْبُ وَالرُّوحُ وَالنُّهَى تَتَذَكَّرُ الْجُرُوحَ يَنْبِضُ الْقَلْبُ شَوْقًا بَيْنَ بَدَايَةٍ ...

إحياء القارئ الكامن: رؤى تطبيقية من واقع القراءة في السياق المدرسي

فراس حج محمد| فلسطين منذ مدة طويلة لم أقرأ كتاباً بهذه الكيفية ...

من سيعيد ترتيبك! / د. ريم النقري

حين تعيد ترتيبهم فلتدرك ذاتك الحقيقيّة باستدارة غرّاء ذاتك التي كنت تدلف ...

gamdom
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
gamdom
gamdom
gamdom giriş
Gamdom
en iyi casino
en iyi canlı bahis
türkçe bahis siteleri