
صدام أبو عاصم: الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية ورسالة / حوار أجراه: خالد ديريك

صدام أبو عاصم: الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية ورسالة
(صدام): الصحافة المكتوبة هي المجال الذي طورت فيه أدواتي وراكمت خبرتي
بدأت علاقته بالكلمة من جلسات استماع ليلية في ريفٍ بعيد، حيث شكّل الراديو النافذة الأولى على العالم، وصاغ الأبُ ملامح الوعي المبكر. من تلك البدايات البسيطة، انطلقت المسيرة ليحفر صاحبها اسمه في بلاط الصحافة، متنقلاً من حماس النشر الأول على مقاعد الدراسة إلى سدة التحرير ومكاتب القرار في مرحلة انتقالية حرجة من تاريخ بلاده.
وعندما فرضت الحرب واقع النزوح، لم يكن الخروج إلى أوروبا مجرد بحث عن أمان، بل كان انطلاقة جديدة لإعادة قراءة المشهد بأدوات أكاديمية من جامعة “بيرن”. في هذا الحوار، يقدم لنا خلاصة تجربة صحفية ميدانية وبحثية، مستعرضاً تحديات الاندماج في المهنة بعيداً عن الجغرافيا الأولى، ومتمسكاً بمسؤولية الكلمة كجسر وحيد نحو مستقبل يرتكز على الديمقراطية والمواطنة.
إنه صدام أبو عاصم، صحفي وكاتب يمني.

حوار أجراه: خالد ديريك
نص الحوار…..
النشأة الأولى في تشكيل الوعي الأول
البداية من ريف “فرع العدين” :
ولدت في مديرية “فرع العدين” بمحافظة إب، وسط اليمن… كان للبيئة الريفية التي نشأت فيها أثر بالغ في تشكيل وعيي المبكر. ورغم بساطة الحياة في القرية، إلا أنها لم تكن معزولة تماماً؛ فقد كانت تصل إلينا بعض المجلات، خاصة مجلات الأطفال، والتي شكّلت نافذتي الأولى على العالم.
لكن التأثير الأكبر كان من أثير الإذاعات العالمية:
التأثير الأعمق جاء من الراديو، وتحديداً من خلال والدي، الذي كان شغوفاً بمتابعة الإذاعات المختلفة مثل إذاعة BBC العربية، وإذاعة مونت كارلو، وإذاعة صنعاء وغيرها. من خلاله، بدأت علاقتي بالإعلام، حيث كانت جلسات الاستماع والنقاشات الليلية حول الأخبار والأحداث العالمية تفتح مداركي وتغذي فضولي المعرفي في سن مبكرة. يمكن القول إن تلك التجربة، إلى جانب تأثير والدي، وضعت الأساس الأول لاختياري طريق الإعلام.
مخاض البدايات: البدء من مقاعد الدراسة
بدأ النشر وهو لا يزال طالبَا في السنة الثانية بكلية الإعلام، ويصف شعوره مفاخرَا:
بدأت النشر في مرحلة مبكرة أثناء دراستي الجامعية، وكان ذلك مصدر فخر كبير بالنسبة لي. أتذكر أول تحقيق نُشر لي في صحيفة “الثقافية” الأسبوعية الصادرة عن مؤسسة الجمهورية في تعز؛ وكانت حينها من أشهر الصحف ويكتب فيها كبار الكتاب، شعرت حينها بزهو كبير، وحرصت على الاحتفاظ بنسخ من العدد وإرسالها إلى قريتي ليطلع عليها الأهل.
الانتقال إلى سدة التحرير وتحديات الميدان
شق طريقه إلى الاحترافية رغم التحديات، وبهذا الصدد يقول:
بعد التخرج، انتقلت إلى العمل الصحفي بشكل احترافي، وتدرجت في عدد من الصحف حتى عُينت سكرتيراً لتحرير صحيفة “رأي” عام 2007. وقد شكّل هذا التحول نقلة مهمة، حيث انتقلت من مرحلة التعلم النظري إلى الاحتكاك المباشر بالمهنة.
لكن الطريق لم يكن سهلاً؛ فقد واجهت تحديات عدة، أبرزها صعوبة الحصول على فرصة عمل في ظل غياب برامج التدريب، إضافة إلى سيطرة العلاقات الشخصية على كثير من الفرص المتاحة. وبحكم أنني قادم من بيئة بعيدة عن الوسط الإعلامي، كان عليّ أن أشق طريقي بجهد ذاتي، مستفيداً من دعم وتوجيه بعض الزملاء الصحفيين الذين كنت أقرأ لهم سابقاً وأصبحت زميلاً لهم وتجمعنا لقاءات لاحقاً.

سر الانحياز لتخصص “الإذاعة والتلفزيون” رغم سطوة الصحافة المكتوبة
يرى أن هذا الاختيار كان عائد إلى وعيه الأول فيقول:
اختياري لتخصص الإذاعة والتلفزيون كان امتداداً طبيعياً لتأثري المبكر بعالم الصوت، خاصة الراديو الذي لعب دوراً محورياً في تشكيل علاقتي بالإعلام. كنت اطمح أن أكون مخرج إذاعي وأقدم برامج حوارية ومنوعة للجمهور الشغوف والوفي للأثير مثل والدي. ثم أنني كنت أرى في الإعلام المرئي والمسموع مساحة أوسع للتأثير والوصول إلى جمهور أكبر ومنوع.
عن التخصص والممارسة: بدأت التخصص في الإذاعة والتلفزيون في السنة الثالثة من دراستي للإعلام. حينها قد كنت بدأت النشر في الصحف المطبوعة. قلت في نفسي أينما تكون أنت ستظل صحفي وكاتب. والكتابة هي الأصل. ولاحقاً ومع دخولي إلى سوق العمل في الصحافة المطبوعة، وجدت أن الفرص المتاحة في الصحافة المكتوبة كانت أكثر حضوراً، فبدأت منها وتعمقت فيها تدريجياً. ومع الوقت، أصبحت الصحافة المكتوبة هي المجال الذي طورت فيه أدواتي وراكمت خبرتي، دون أن أفقد اهتمامي بالإعلام السمعي البصري حيث عملت في فترات ما كمعد لبرامج تلفزيونية ومتعاون في شركة انتاج سمعي بصري وقمت بعمل بعض التقارير المتلفزة.
قواعد المراسل الدولي في تفكيك تعقيدات المشهد اليمني
لإحداث الموازنة بين ضوابط السياسة التحريرية للوسائل الخارجية والواقع المحلي، يوضح استراتيجيته:
الموازنة بين السياسة التحريرية والواقع المحلي كانت دائماً تحدياً حاضراً. كنت أتعامل مع هذا التحدي من خلال الالتزام بالمعايير المهنية، ومحاولة نقل الواقع كما هو، دون إخلال بمتطلبات المؤسسة التي أعمل معها، وفي الوقت نفسه، كنت حريصاً على تقديم سياق محلي دقيق يفسر تعقيدات المشهد اليمني، خاصة أن كثيراً من المؤسسات الخارجية قد لا تكون على دراية كافية بتفاصيله. هذه الموازنة تطلبت قدراً من الحذر والمرونة، لكنها كانت ضرورية للحفاظ على المصداقية المهنية.
قصة صحيفة “الساحة”: طموح التغيير الذي اصطدم بالعنف وشح الموارد
ساهم عام 2011 في تأسيس صحيفة “الساحة”، لكن الطموح الأكبر واجه عوائق، يلخصها بالتالي:
توقف صحيفة “الساحة” كان نتيجة لعدة عوامل أهما العامل المادي، حيث كان الإصدار يتم بدعم ذاتي قمنا بجمعه من زملاء وأصدقاء. لكن هناك أيضاً عامل آخر مهم وهو الظرف الأمني، حيث بدأ العنف يتصاعد وزادت التحديات الأمنية وكان هناك صعوبة في التحرك وتشتت فريق العمل حيث بحثنا عن أماكن تقينا شر الأعيرة النارية والقصف. بالتزامن مع أمل التغيير الذي بدأ يلوح في بعض البلدان العربي والتي للأسف نجح بعضها فيما فشل الآخر، كنا كجيل جديد في اليمن نمتلك أيضاً طموحاً لتغيير مستقبل اليمن وساهمنا كل في تخصصه، حيث كنا نأمل لإطلاق مشروع إعلامي يعبر عن تطلعات جيل يؤمن بالتغيير، لكن تسارع الأحداث فرض واقعاً مختلفاً، وجعل من الاستمرار مغامرة غير محسوبة في تلك المرحلة.
كواليس العمل الإعلامي في مكتب الرئاسة خلال المرحلة الانتقالية
تم تعيينه في إدارة الإعلام بمكتب الرئاسة أواخر 2013، ويوضح طبيعة تجربته بالقول:
جاء عملي في إدارة الإعلام بمكتب رئاسة الجمهورية بعد نشاط إعلامي ملحوظ في العام 2011 وما قبلها وتحديدا خلال المرحلة الانتقالية التي حملت آمالاً كبيرة بالتغيير. كانت تلك الفترة تشهد انفتاحاً نسبياً أتاح لعدد من الصحفيين المستقلين الدخول إلى مؤسسات كانت مغلقة في السابق بفعل الفساد والمحسوبية.
خلال عملي، حاولت الحفاظ على توازني بين الدور الرسمي والاستقلالية المهنية، حيث واصلت عملي كمراسل لعدد من الوسائل الإعلامية. كانت تجربة غنية، لكنها لم تستمر طويلاً، إذ توقفت مع تطورات المشهد السياسي ودخول البلاد في مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، ولاسيما بعد ان انقلبت ميليشيا الحوثي على الشرعية الدستورية في اليمن وأفسدت ما كان قد نجح في المرحلة الانتقالية التي كان اليمنيون حينها يتحاورون من أجل إيجاد خارطة جديدة.
رحلة الخروج: من جحيم الحرب إلى أمان سويسرا
عن أسباب الخروج القسري واختيار سويسرا كوجهة للاستقرار، يجيب:
لم يكن خروجي من اليمن طوعياً، بل جاء نتيجة ظروف قاهرة مع تصاعد المخاطر التي استهدفت الصحفيين المستقلين والصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي بشكل عام. في عام 2015، غادرت صنعاء في رحلة شاقة باتجاه حضرموت، ومنها عبرت إلى السعودية عبر منفذ العبر، كونه المنفذ البري المتاح آنذاك.
في السعودية، واصلت عملي لفترة، قبل أن تتاح لي فرصة السفر إلى سويسرا للمشاركة في فعالية دولية. هناك، اتخذت قرار البقاء، إدراكاً مني لصعوبة ممارسة العمل الصحفي المستقل في بيئة غير مستقرة. شكلت سويسرا مساحة آمنة للاستقرار، ومكنتني من مواصلة نشاطي المهني والفكري بحرية أكبر.
العودة إلى مقاعد الدراسة: دراسات الشرق الأوسط كمدخل للاندماج
التحق بالدراسات العليا في جامعة بيرن عام 2021، ويوضح عن سبب اختياره لهذا التخصص:
جاء قراري بالالتحاق بالدراسات العليا في سياق بداية حياة جديدة في سويسرا، حيث كان عليّ أولاً تعلم اللغة الألمانية والتأقلم مع البيئة الجديدة. وخلال هذه المرحلة، حرصت على البقاء قريباً من الوسط الإعلامي والأكاديمي، فكنت أتابع الصحف وأحضر كمستمع أيضاً في الجامعة، إلى أن لفت انتباهي برنامج دراسات الشرق الأوسط في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة بيرن لما يحمله من ارتباط مباشر بخلفيتي المهنية والجغرافية.
ويؤكد: اختياري لهذا التخصص لم يكن ابتعاداً عن الإعلام، بل محاولة لتطوير أدواتي المعرفية وتعميق فهمي للسياقات السياسية والثقافية التي شكلت تجربتي الصحفية. كما رأيت فيه فرصة عملية تساعدني على الاندماج في سوق العمل، من خلال الجمع بين خبرتي الإعلامية والمعرفة الأكاديمية.
في مراحل دراستي، ركزت في جزء كبير منها على اليمن وواقعه ومستقبله وعلى قضايا الصحفيين وحرية الإعلام، وخصصت رسالة الماجستير لدراسة كيفية استمرار الصحفيين اليمنيين المنفيين في أوروبا منذ العام 2015 في ممارسة مهنتهم رغم التحديات، مثل الحواجز اللغوية، وصعوبات الاندماج، والضغوط الاقتصادية.

معوقات الاندماج: الصحفي اليمني في مواجهة الحواجز الأوروبية
إن أبرز “الحواجز الثقافية” التي يرتطم بها الصحفي اليمني في أوروبا بحسب دراسته، هي:
يواجه الصحفي اليمني في أوروبا مجموعة معقدة من التحديات، في مقدمتها الحاجز اللغوي الذي يحدّ من فرص الاندماج في المؤسسات الإعلامية المحلية. كما أن اختلاف السياقات والخلفيات الثقافية والمهنية يجعل من الصعب التكيف السريع مع بيئة العمل الصحفي الأوروبي.
إلى جانب ذلك، تظل فرص العمل محدودة، خاصة في دول مثل سويسرا، حيث يهيمن عدد محدود من المؤسسات الإعلامية، ولا توجد برامج واضحة لإدماج الصحفيين اللاجئين. وهذا يختلف عن بعض الدول الأوروبية الأخرى التي توفر مبادرات تدريبية ومشاريع مشتركة مع الصحفيين المحليين. كما يواجه الصحفي ضغوطاً اقتصادية ومعيشية تدفعه أحياناً إلى الابتعاد عن المهنة، ما يجعل الاستمرار في العمل الصحفي تحدياً يومياً يتطلب جهداً مضاعفاً. ولهذا السبب استسلم عدد من الصحفيين وتركوا المهنة بحثاً عن عمل يعيلهم وأسرهم.
رؤية لمستقبل اليمن: الأمل المرتكز على المواطنة والديمقراطية
يبدي تفاؤله بالمستقبل اليمني إذا توافرت الإرادات الحقيقية:
رغم كل تعقيدات الواقع المعاش في اليمن، إلا أنني أرى أن المستقبل لا يزال مفتوحاً على احتمالات إيجابية، وإن كانت تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين. لكن هذا المستقبل حتماً سيأتي. فاليمن يمتلك طاقات بشرية شابة قادرة على إعادة البناء، لكن ذلك مرهون بوجود إرادة سياسية حقيقية، ودعم إقليمي ودولي صادق.
المستقبل لن يكون سهلاً أو سريعاً، لكنه ممكن إذا توفرت بيئة جامعة مستقرة تسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة المتساوية بحيث يتخلى كل الأطراف عن أسلحتهم ويحتكموا للديمقراطية ويتم تعزيز دور المجتمع المدني والإعلام المستقل والحر. فالتعافي في تقديري، يبدأ من الإنسان، ومن قدرته على التمسك بالأمل والعمل رغم الظروف.
رسالة أخيرة: التمسك بالشغف ومسؤولية الكلمة
رسالتي للصحفيين اليمنيين، في الداخل والخارج، أن يتمسكوا بشغفهم وألا يستسلموا للظروف مهما كانت قاسية. الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية ورسالة تتطلب صبراً وإيماناً عميقاً بقيمة الكلمة.
وفي الوقت نفسه، أوجه نداءً للسلطات المختصة في بلدان اللجوء وللمؤسسات الإعلامية وللزملاء الصحفيين والجهات الداعمة لحرية الصحافة، بضرورة دعم الصحفيين المنفيين واللاجئين وإيجاد مسارات حقيقية لدمجهم في بيئات العمل الجديدة، سواء عبر التدريب أو فتح مساحات للنشر بلغاتهم الأصلية. إن تمكين هؤلاء الصحفيين لا يخدمهم فقط، بل يخدم المجتمع المضيف وذلك من خلال إثراء المشهد الإعلامي ككل بتجارب إنسانية ومهنية مهمة تستحق أن تُروى.
النهاية
الحوار منشور في العدد ( 152) الثلاثاء، 19 أيار 2026 جريدة (أوروك) ، الجريدة المركزية لوزارة الثقافة العراقية

قد يعجبك هذه المقابلة أيضَا:
ريما حمزة: نجاحي مُوغِلٌ في الرؤية والوعي/ حواره أجراه: خالد ديريك