في كتابي “بلاغة الصنعة الشعرية“[1] تحدثت عن حضور قصة سيدنا يوسف في الشعر. وأوردت كثيرا من النماذج الشعرية لشعراء استلهموا قصة النبي يوسف بوصفها مأساة سياسية وإنسانية أو بوصفها موضوعا عاطفيا. وأكثر ما يلفت النظر في توظيف هذه القصة عند الشعراء الفلسطينيين هو أنهم استلهموا القصة عندما كانوا يرون أن الجاني عربيّ أو فلسطيني.

في كتاب “أكله الذئب” يتحدث الناقد الفلسطيني شاكر النابلسي[2] عن مقتل ناجي العلي وملابسات مقتله. وثمة اتهامات (غير مؤكدة) لأطراف فلسطينية ضالعة في عملية اغتيال ناجي، كما ألمحت لذلك زوجته في إحدى المقابلات التلفزيونية، وكشفت عن حجم الضغوطات التي كان يتعرض لها ناجي من فلسطينيين وعرب جراء رسوماته الكاريكاتورية التي كادت أحيانا تُحدث أزمات سياسية بين (الأشقاء العرب). صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 1999[3].

وتحت العنوان ذاته كتب مريد البرغوثي[4] قصيدته “أكله الذئب“، وقد كتبها في لندن عندما زار قبر ناجي العلي[5] بتاريخ: 2/11/1987، وكان ناجي قد استشهد في 29/8/1987. ويقدم مريد للقصيدة بمقطع من قصيدة أخرى طويلة يتحدث فيها عن “حنظلة/ طفل ناجي العلي”[6]، ويقول إنه كتبها قبل استشهاد ناجي بسبع سنوات. كأن مريد البرغوثي كان متنبئا باستشهاد ناجي العلي بالطريقة التي استشهد فيها عندما قال[7]:

وأيديهم الطائلات لعنقك أنى تحط الرحالْ

هنا معد كل شيء كما تشتهي

فلكل مقام مقالْ

مكبرة الصوت في ليلة المهرجانْ

وكاتمة الصوت في ليلة الاغتيال.

وأما قصيدة “أكله الذئب” ففيها ما فيها من اتهام مبطن لجهات داخلية، ربما كانت فلسطينية أو عربية، ضالعة في اغتيال ناجي العلي، ولكن سيكون “الذئب” حاضرا ليلبس التهمة[8]:

بريءٌ هو الذئب من غيلتي يا مريدُ

فذئب البراري أجلّ من الجرمِ

والبعض أخلق من أن يتعلم منه الصفاتِ

إذا أنصفا

وتتكرر لازمة “بريء هو الذئب” في القصيدة ثلاث مرات، وغير هذه الجملة، فإن لفظ الذئب والذئاب تكررت كثيرا، ويقارن الشاعر بين الذئاب ومن قتلوا ناجي، لتكون نتيجة المقارنة تبرئة الذئب الذي ما أكل يوسف يوما.

إن مريدا كان يعلم الحقيقة ولم يصرح بها، وترك للقارئ إشارات على ما يريد، كأن الشاعر كان خائفا من أن يكون مصيره شبيها بمصير ناجي العلي، فتتم تصفيته من أولئك (الإخوة). عدا أن استدعاء مريد ليوسف في القصيدة لم يكن عبثا، فمن تآمر على يوسف هم إخوته، واتهموا الذئب به، ولكن الذئب بريء من دم يوسف، كما أن “ذئب البراري” بريء من دم ناجي العلي، وكأنه يشير إلى القاتل الحقيقي، ولم يتبق غير أن يصرّح به.

على الدارس أن ينتبه إلى ما قاله الشاعر البرغوثي في حوار نشر في صحيفة الأيام الجزائرية عام 2015، وأتى الحوار على قصيدة “حنظلة طفل ناجي العلي“: “الشعر ليس إلهاماً، الشعر انتباه إلى ما يدور في نفسك، وما يدور في محيطك الصغير، وما يدور في محيطك الكبير وهو الكون. درجة الانتباه الحادة التي ترى، وتلاحظ، التي تدرك، التي تتوقف، التي تندهش، عند ما هو عابر، وعند ما قد لا يبدو مدهشا عند الآخرين، هذا الانتباه الحاد هو ما يولد الكتابة”[9].

لعل هذه القصيدة هي ما أوحت لشاكر النابلسي أن يكتب كتابه، ويتتبع القضية، فقد استعار عنوان كتابه من قصيدة مريد. وأورد النابلسي معلومات وأخبارا، ومكالمات هاتفية تدين صراحة شخصيات مهمة فلسطينية سياسية وأدبية، ومن ذلك حوار لمحمود درويش مع ناجي العلي، وتهديد درويش له، بعد أن رسمه في كاريكاتير “محمود خيبتا الأخيرة”، وتظهر لدرويش صورة مغايرة في هذا الكاريكاتير؛ ليصبح مطبّعاً، وهو يدعو إلى لقاء للشعراء والأدباء الإسرائيليين والفلسطينيين، ومصلحجياً، سلطوياً- قبل أن تولد السلطة- “بعد ما صار عضو لجنة تنفيسية”.

كان لهذه الشخصيات يد في اغتيال ناجي، بل كانت حريصة على إسكات صوته. الذئب في كل مرة بريء ما دام يوسف هو المجني عليه. فلنتدبر الأمر، لعلّ الأمر يتضح إذا أردنا الحقيقة[10]:

بريء هو الذئبُ

فلتحملوا للذئاب اعتذاري

وما أكل الذئب يوسف يوماً

ولكن يوسف ليس الذي يحتمي بالفرارِ

وليس الذي ينتهي راجفا.

أسطر شعرية تقول الكثير، إذا ما رجع الدارس إلى كل المقابلات والأحاديث الشخصية بين الأصدقاء ممن يعرفون ناجي، وكانوا مقربين منه. ومنهم على سبيل المثال الشاعر العراقي أحمد مطر الذي كان رفيقه في الكويت، وخرجا في الفترة ذاتها إلى لندن؛ هرباً من الموت، وخاصة ناجي.

ثمة شهود آخرون كثيرون عندما يصل الحديث إلى ناجي العلي واغتياله يصمتون، وكنت شاهدا على بعض تلك الحوارات والمناقشات لهؤلاء العائدين بعد اتفاقيات أوسلو عام 1994، لم يستطيعوا أن يقولوا الحقيقة، وغيروا دفّة الحديث بعيدا عن الموضوع، وعلى رأي “تايه” بطل رواية[11] الروائي الفلسطيني صافي صافي[12]: “يهود عرب تقاتلوا” صارت “عرب عرب تقاتلوا”، وليسمح لنا تايه أن نكمل الدائرة ونقول: “فلسطينيين فلسطينيين تقاتلوا”، ويا ويلنا مما نحن فيه.

ليس صحيحا أن “الأعداء يسترقون السمعَ إلى هذا الخلاف… [و]كانوا يضعون الرصاصةَ في المسدس… [و]كانوا يصطادون الفرصة”، فلم تعد المسألة خافية على أحد، وإن أعلن القوم أنهم ضد هذا الاغتيال، وأنهم متعاطفون مع اغتياله، ويمجدون الشهيد، ويلعنون الذئب، فهم كمن قتل القتيل ويمشي بحزن في جنازته، بل ويقيمون له في كل عام بيت عزاء، يحيون فيه ذكراه التي لم تُنسَ، ولن تُنسى. إلى أن يأتي يوم ويتحدث فيه بجرأة وشجاعة وصراحة من عنده علم ودليل، ليكشف عن هذه الجريمة البشعة وجرائم أخرى، ما زلنا نُحمّل أوزارها ذئاب البراري، فلم يكن أخوة يوسف بريئين، وكذلك هؤلاء، فكم من معارض قتلوا، ومجدوه في الخطب والبيانات الرسمية، ولنا في الشهيد نزار بنات مثال قريب، فهم قتلة وسفاحون كغيرهم من أعداء الوطن، فهم وهؤلاء في سلة واحدة، يلغون في دم الفلسطيني ولا يهمهم أكان مبدعا أم لا، المهم عندهم أن يسكت الصوت بكاتم الصوت إلى الأبد، لتتحول “تلك الثورة الخائبة” إلى “خيبتنا الأخيرة” أيضا وليس فقط الشاعر الرمز هو “خيبتنا الأخيرة”، وكل ما يقوله “ذباب السلطة” من الصحفيين والمنتفعين ما هو إلا محض هراء، يشهد على رداءته المنطقية شهود كثيرون يعرفون الحقيقة، ولكنهم “جبناء” إلى حد الاكتفاء بالنميمة الثقافية في الغرف المغلقة.

الهوامش:

[*] من كتابي المخطوط “في حضرة الشعراء”.

[1] روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020.

[2] كاتب وباحث وناقد، ولد في 12 مايو 1940 وتوفي في 14 يناير 2014. له عدة مؤلفات نقدية من بينها “مجنون التراب”.

[3] الكتاب صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت. وتحت العنوان الرئيسي عنوان فرعي: “السيرة الفنية للفنان ناجي العلي”.

[4] شاعر فلسطيني ولد في 8 تموز 1944 في قرية دير غسانة قرب مدينة رام الله، أصدر مجموعة من الدواوين الشعرية، والكتب النثرية. وهو زوج الكاتبة الروائية المصرية رضوى عاشور، ووالد الشاعر تميم البرغوثي.

[5] أشهر رسام كاريكاتير فلسطيني وعربي، ولد عام 1937، مبتكر شخصية “حنظلة”.

[6] يشير الشاعر إلى أن القصيدة نشرت عام 1980 في جريدة السفير البيروتية، ولم يدرجها كاملة في أي ديوان من دواوين الأعمال الشعرية، مكتفيا بإيراد مقطع منها مكون من (11) سطرا.

[7] الأعمال الشعرية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1997، ص308-309.

[8] السابق، ص311.

[9] مريد البرغوثي.. الشاعر الفلسطيني المتعب، الأيام الجزائرية: 22/3/2015.

[10] الأعمال الشعرية، مصدر سابق، ص312-313.

[11] رواية “تايه”، دار ناشر ودار الأهلية، عمّان، ط1، 2019.

[12] روائي وأكاديمي فلسطيني، ولد في قرية بيت اللو قضاء رام الله، أصدر روايات.