في اُلْزّمنِ اُلْبَخيـل/ بقلم: ياسمين خدومة

yasemin khedome 5hgkk في اُلْزّمنِ اُلْبَخيـل/ بقلم: ياسمين خدومة

في اُلْزّمنِ اُلْبَخيـل/ بقلم: ياسمين خدومة

في اُلْزّمنِ اُلْبَخيـل/ بقلم: ياسمين خدومة

 

قُلْتُ لكَ ذاتَ يوم غائم سوف أكتب…

سألتني وعمّ ستكتبين؟

عمّ سأكتب؟ عمّ سأكتب فعلا. لم أكن أعرف بعْد عمّ سوف أكتب لكني قررت أن أكتب.

سوف أكتب ـ ربما ولِمَ لاـ عن شيب يغزو يوما بعد يوم شعرك فيشتعل بياضا وإن كنت أعرف أنه يعزيك في السرّ بما قال أسلافك من العرب في مديح الشيب حين اعتبروه رغوة الشباب ” لكن المهم عندك ربما أن ازدياده يوافق منسوب حساب ثروتك عنوان هويتك كما التجاعيد التي خطتها تصاريف الزّمان على جبينك.

سوف أكتب … لِمَ لا أكتب عن رصيد أوجاعك السرية الذي لا ينضب . عن ذكرياتك المنسيّة وتوعّكاتك العاطفية وأيام حمتّك من الحب ومنسياتك الأخرى … أم أني سأكتب عن تلك  الخوارزميات في نظرات عينيك المشفّرة، أم سأكتب عن أرض كانت خصبة ثم هي الآن موات.

ـ وطأة الزمن رهيبة. لقد أضنتني السنون، قوّست أصابعي وأحنت ظهري. أقف الآن على عتبة درجات السّلم الصّاعدة إلى السماء… شمسي بدأت تختفي تحت غيمة كثيفة، والحياة بدأت تهرب مني وأنا أرقب عقارب الساعة… أجالسها بثرثرة صامتة. وحدها تعرف براءتي قبل أن يوقظني ناقوس عميق لا يلين.

قاطعت ثرثرته:

ـ لكن الكبر ليس بلعنة أو شرّ. السنون أحنت ظهرك لكنها لم تهصر عودك. عودك الذي حمل قدره كاملا. الزمـن رحلتنا وراحلتنا. الكبر زمن والزمن مرتبط بالذاكرة، فلولا الذاكرة واندفاعات الخيال لما نشأ شعورنا بالزمن. السنوات تمرّ بكل أفاعيلها وآلامها وآمالها وأشواكها وورودها .. عمر يتَسَرسب من بين أناملنا، ريـاح الخماسين محمّلة بعبير الأزهار تدقّ نواقيس الذكريات لتهبّ مشاعر ناعسة تَفيق على رفيف أجنحة طيور العمر الذي يمر … هي سنوات كسبنا فيها الكثير … قد نكون فقدنا فيها أشياء أجمل ورغم ذلك كسبنا فيها لحظات سعادة انتهبناها نهبا من هذه الحياة وأشياء أخرى لم نستطع الظفر بها بالود فكانت خسارات موجعة.

كم هُنيهات سلام مع الذات والآخر والعالم ظفر به ذلك الشيب بتسميته الملطّفة” رغوة الشبـاب”؟ كم ذكرى جميلة تعبق من شقوق تلك الخطوط العريضة التي يمكن لي تسميتها” كتاب الجبين”؟ كم حب حطّ مع تلك الأنفاس وطار مع تلك الأنفاس؟ كم نظرة من تلك العيون غيرت مصير من حولها؟ كم صمت مربك أنطقته؟ كم سيمفونية خــالدة عزفتْ أنغامها تلك الحِبال؟ لم تزدني إلا عشقا لأوتارك تلك العطايا والإشراقات الـمختَلَسة من أشرس الأوقات.. تراقصَ عليها نبضنا.. أسكرتنا.. رنّحتنا.. أفقدتنا ذاكرتنا الموجوعة بالخيبات.. ثملت منها الذرات.. تزاوجت فيها الرياح.. حبلت منها الغيمات.. انهمرت فيها الفصول.. ارتوت منها الأرض.. انتشت، فأينعت أرقى البذور… كم كــرم وسخـاء وهبت تلك النظرات؟ كم وكم….. هي العطايا منك في الزمـن البخيل؟

سنكبر قليلا كل سنة ويصرّ الزمن على ترك بصمته على أساريرك، لكنّه لن يستطيع وضع أختامه على أبواب قلبك أو يذهب بذلك النّور المشعّ من روحك… تلك شمة الأبطال.

رائعة تلك التفاصيل في قاموس الحياة التي عشْتَ .تفاصيل حياتك أنت لمن يسمعها تطير به نحو أبعد الآفاق فيزداد دهشة وحبورا واستغراقا في الغَرابة اُلْـمحبّبَة للنفوس التي نكّلت بها الحياة، فتصحو مع حكاياتك المرحة والحزينة وقدْ استعادت بعض خفتها للرقص احتفالا بالدنيا وقد فكّت عنها سلاسل غربتها واغترابها بين أهلها وفي الوطن… لا … لم تكن أيام حياتك أنت هباء كما يخَيّلُ إليك، حياتك أنت ملحمة جود وكرم وسخاء وكتاب عطاء، وصايا نبلٍ هي أيام حياتك تحفظها عن ظهر عقل وقلب، تحفظها لتخبر العالم عن تضحيّة الكبار علّ الأطفال يحفظون الذكرى.

عقابا لزمن رسخت فيه عقيدة الرضا بما رسم من خطوط على الوجه بحبر الحياة سأبقى في هواك أسيرة متحديّة هذا الشيب الذي غدا يقرفك وإن غطاك ثلج الأعوام… سأبقى أصغي لثنايا وجهك المثخنة وهي تروي الحكمة المعتّقة بالعبرة.

ألا تعلم أن مساحتك كانت عنواني.. تفاصيلك كانت إلهامي.. نظراتك كانت نضجي .. نضارتك كانت ترانيم إحساسي ..

وسط العالم الصاخب صوتك كان دليلي .. ميزانك كفّة واحدة .. رزانتك كانت تثبّت اتّزاني.. رقيّك عطري الذي يداعب كياني كلما أغمضت عيني لينتعش قلبي فأسبح دون ابتلال في عالمي..

كنت أنا الضمير وكنت أنت روح الرفع. إن كنت نسيت فصولا فأنا ذاكرتك الأخرى .. أنا عنوانك الثابت .. أنت رصيدي القابل دوما للزيادة .. أنت بنك إحساسي الذي لن أرضى عنه بديـلا .. عشقي إياك هو ممارسة فن التحايل على الزمـن لأنهب منه أحلى جواهر اللحظات أضيفها إلى صندوق مفاجآت إرث العمر الذي اقتنصته اقتناصا رغم فخاخه المزروعة زرعا في حقله .علمـا ما سأكتـب …….. الآن دورك لتقرأ.

لكنك لم تقرأ، ولم تتعلم يوما كيف تفتح نوافذ أحلامك لامرأة هي أنا ولا أَشرعت إحساسك لطفلة تتهجى أخضر ربيعها فوق تراب حبّك .. لا.. لم تفعل أي شيء من ذاك … ظللت واقفا كالطود الشامخ لا تلوي على شيء … وبقيت أنظر إلى أفق السؤال الغارق في قدر المشيئة الغائبة …….. ظللت أنظر كأنني أحلم.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »