أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / خواطر ونصوص شعرية / أيّ سحرٍ مخبّئٍ هناك؟ / بقلم: آمنة بريري

أيّ سحرٍ مخبّئٍ هناك؟ / بقلم: آمنة بريري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أيّ سحرٍ مخبّئٍ هناك؟ / بقلم: آمنة بريري

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

تنهّدت صديقتي بعمق وهي تنظر إلى جموع الأطفال الذين انتشروا حولنا في الحديقة العامّة يلعبون ويمرحون وقالت:

 

ـ ما أسعد الأطفال… هم فقط من يعرفون طعم الفرح الصادق الذي لا ينغّصه همّ أو قلق. آه لو أعود طفلة خالية البال منشرحة القلب …ليت طفولتي لم تفارقني وليتني لم أكبر ولم أفارق ذلك الزمن السعيد.

 

فقلت لصديقتي مبتسمة:

 

ـ إنّ قولك هذا من الأقوال الشائعة التي يردّدها عدد كبير من الناس. فكثيرا ما سمعت مثل هذا الكلام الذي يتحسّر أصحابه على عهد الطفولة ويتمنّون لو أنّه لم يفارقهم أو لو عاد بهم الزمن إليه.

 

ـ ذلك لأنّ زمن الطفولة هو أجمل زمن والحياة من بعده يفارقها الفرح الصادق الذي لا يكدّره همّ أو قلق. حقّا ليتنا بقينا أطفالا.

 

فقلت معقّبة على قولها: صحيح كلامك يا صديقتي. إنّ زمن الطفولة هو فعلا أجمل زمن يمكن أن نعيشه في حياتنا هذه. تلك المرحلة تظلّ منطبعة في القلب إلى آخر العمر بجمالها الأسطوريّ الذي يشبه الأحلام.

 

والحياة في مختلف مراحل العمر لا تكون جميلة كما في مرحلة الطفولة ولا تكسوها تلك الهالة الأسطوريّة الساحرة.

 

لكن لمَ هي كذلك؟  لماذا هي بديعة ومختلفة عن المراحل التي تليها؟

 

إنّ السب هو أنّ الطفولة هي مرحلة العطاء الصرف في وجودنا الدنيويّ، وأهون عطاء صرف قد يمنحه الله إلى مخلوقاته هو على قدر مذهل من السحر والجمال.

 

فمرحلة الطفولة هي مرحلة العطاء الخالص من الخالق للإنسان، عطاء لا يتطلّب جهدا أو مقابلا، بل هو منحة خالصة. إنّها المرحلة التي تسبق مرحلة الامتحان، فالإنسان في تلك الفترة يتلقّى عطاء الله ونعمه دون أن يُطالب بعمل أو يُؤرّق بهمّ. وهو حينها يكون شأنه شأن المخلوقات الفانية التي منحها الله منحة الحياة دون جهد يبذل منها على أن يكون وجودها محدود المدّة وغير أبديّ. والإنسان في تلك الفترة التي تسبق بدء اختباره يكون غير خاضع بعدُ لأحكام حياة الاختبار بما فيها من واجبات مفروضة وابتلاءات مسلّطة وعقوبات منجرّة عن سالف ذنب وتقصير.  لذلك يكون وجوده في تلك الفترة ساحرا بديعا كأنّه حلم جميل يسعد الروح.

 

فالله يعرّف الإنسان في تلك الفترة بأبسط أنواع السعادة التي يمكن أن يهبها لمخلوقاته ـ إذا لم تكن تعيش مرحلة الاختبار والابتلاء ـ ويكشف له عن لمحة بسيطة من بهاء ما في خزائنه. ويا له من بهاء يسكر الروح.

 

فإذا ابتدأت مرحلة الاختبار مع انتهاء مرحلة الطفولة بدأ شكل آخر للوجود يُسلب فيه الإنسان ذلك العطاء الصرف من السعادة الأسطورية لأنّه دخل مرحلة العمل التي سينال عليها أجره الكامل بعد فترة، ولم يعد من حقّه أن ينال ذلك العطاء الصرف الذي لا ينغّصه كبدٌ أو حزن. ٌ

 

فالحياة بعد فترة الطفولة هي فترة الاختبار وليست فترة العطاء الصرف وهو فيها كائن يختلف عن نفسه عندما كان طفلا فلم يعد ينال عطاء الله دون مقابل بل أصبح عليه أن يقوم بالواجبات المفروضة عليه والتكاليف التي تعهّد بحملها .وهذه الفترة لها خصوصيّاتها المختلفة عن الفترة السابقة ومن تلك الخصوصيّات ما يسمها من كبد وعناء ومجاهدة وتحمّل لأصناف المشاقّ والهموم .وليس ذلك ظلما من الدهر أو قسوة على الإنسان إنّما هو عدل الله الذي يقتضي أن يتحمّل أبناء آدم التكاليف المنجرّة عن حمل الأمانة من أجل الفوز بالحياة الأبديّة .

 

ويبقى الإنسان سجين خصوصيّة حياة الاختبار وأسير أحكامها المضبوطة حتّى يخرج منها إلى المرحلة التي تليها وهي مرحلة استيفاء الأجر. وفي هذه المرحلة سيكون عطاء الله له على قدر ما قدّم من أعمال. فإذا كان قد استحقّ بما أسلف أن ينال حياة النعيم فسيكون العطاء الإلهيّ له من نفس جنس عطاء مرحلة الطفولة أي أنّه سيكون عطاء صرفا بدون منغّصات. لكن لا يعني هذا أنّه سيكون مماثلا له فهو عطاء لا يمكن للعقل البشريّ تخيّله أو تصوّره.

 

فإذا كان أبسط أنواع العطاء التي عرفها الإنسان ـ وهو الذي مُنحه في فترة الطفولة ـ على ذلك القدر من الجمال والروعة، فكيف هو عطاء الله الذي وعد به عباده المتّقين؟

 

فكثير منّا يظلّ يتحسّر على فترة الطفولة ويتمنّى لو يعود به الزمن أدراجه ليعيشها من جديد، وذلك لأنّ أرواحنا انتشت بسحر الوجود في تلك الفترة وذاقت حلاوة حياة مميّزة وبديعة.

 

فإذا كان استمتاعنا بذلك النوع البسيط من الوجود قويّا إلى الحدّ الذي يجعلنا نقضي بقيّة أعمارنا تائقين إلى استرجاعه، فكيف سيكون إحساسنا بروعة الحياة الآخرة؟

وأيّ سحر سيكون مخبّأ هناك؟

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.